أزمة الثقافة العراقية إلى أين؟
عوائق التحول والتجديد في فن الممكن وسياسة المستحيل
أ.د. حسين الأنصاري
أكاديمي وناقد عراقي مقيم في السويد
الثقافة في جميع مظاهرها تجسيد لطاقات الفعل البشري في كيفية التعبير عن الأفكار وألاحاسيس بشتى صورها وألوانها الإبداعية, وهذا التعبير لايكتمل ما لم تتوفر له الحرية التي تعتبر المعادل الطبيعي للثقافة , ولا يمكن لأي تطور أن ينجز في المجال الاجتماعي دون أن يقترن بالجانب الثقافي . ويمثل الفن المسرحي الحقل الاشمل لمفهوم الثقافة لما ينطوي عليه من قدرة تعبيرية للإجابة عن الأسئلة التي تفرضها اللحظة الراهنة بفعل تميز بنيته التي تتشكل من بنى تركيبية متشابكة لنصوص متعددة تنتظم علاماتها المتنوعة ضمن علاقات متبادلة لتنتج خطابها الخاص والمنفتح لقراءات تعيد إنتاج المعنى وتحقق أثره لدى المتلقي الذي يعد الطرف الأخر في إنتاج العمل الثقافي. هذا الخطاب الذي ارتبط منذ بداياته بمفهوم الحرية والاختيار الديمقراطي للأفكار التي يتناولها والوسائل التي يجسد من خلالها الرؤى الفكرية والصور الجمالية , فمنذ عهد بيركليس الذهبي في أثينا ومرورا بمختلف المراحل الثقافية ظل العامل الثقافي مقترنا بفضاء الحرية لانجاز أطروحاته وتمثل إبداعه بوصفه فنا يعتمد على ذات المبدع من ناحية وعلى الجمهور الذي يخاطبه من ناحية أخرى.
فالثقافة والفنون تنمو في الوسط الذي تمارس فيه وفي ضوء نوعية العلاقة التي تنشأ بينها وبين السلطة والايدولوجيا الحاكمة للمكان حيث تلعب الاعتبارات السياسية والدينية والأخلاقية دورها في تحديد مستوى الفضاء الذي يمكن إن يتحرك خلاله المبدع والفنان ودرجة التوازن بين السياسي والخطاب الثقافي المطلوب .
والإشكالية القائمة بين السلطة والثقافة برزت بوضوح حينما أراد المثقف الانفصال عن تبعية النظام السياسي إبان مرحلة ظهور الطبقة البورجوازية الصاعدة في أوربا والتي سيكون لها شأن كبير في القرن الثامن عشر. وحصل ذلك فعلا في فرنسا مطلع القرن التاسع عشر حيث استطاع الفنان والمبدع التحرر من أية ضغوط يمكن أن تمارسها السلطة تجاهه وصار العمل الثقافي يقيم في ضوء الاختيار الإيديولوجي للمبدع وموقعه ضمن دائرة الصراع الدائر في المجتمع .
وإذا أردنا التوقف عند أوجه العلاقة بين الثقافي والسياسي فلا بد من الإشارة إلى مسألة مهمة تجمع بين هذين المفهومين
فالسياسة مجالا اشمل للتفكير في العناصر المؤسسة للمجتمع مثل الدولة, السلطة, القانون, الهوية, الاختلاف, التنوع , وهذه بدورها تصبح مادة أساسية عبر الممارسة اليومية في تكويناتها المعقدة والمتشابكة المرتبطة دائما بالتوترات القائمة بين الأفراد والمؤسسات , وبمعنى أخر إنها مجموعة الأفكار أو الفلسفة التي تشكل نظرية الحكم التي يتم في ضؤها تنظيم علاقات الأفراد والمجموعات في المجتمع وفق قوانين وقيم معينة تحكم توزيع السلطة والمال وتحديد الأدوار ومناطق التحرك للأفراد والجماعات
أما الثقافي فهو المجال التعبيري للإبداع بما يتضمنه من رؤى وأفكار وتصورات واقعية وخيالية تجسد عبر أشكال ووسائل مبتكرة يقترحها المبدع لجمهوره , وتظل العلاقة بين المجالين في سجال ولطالما كانت الغلبة للسياسي الذي فرض سطوته عبر قرارات المؤسسة الرسمية وقيودها التي حجمت من دور الثقافي وجعلته أداة من أدواتها لترويج أفكارها وأهدافها.
ولكن بعض الممارسات الثقافية لم تنسجم مع هذا التحديد لاسيما الخطاب المسرحي والمرئي عموما حيث يبدو مختلفا بعض الشيء ذلك بفعل طبيعة مكونات هذا الفن النوعية والتركيبية وطريقة انجازه وعلاقته مع الخيال والمتخيل وعدم التزامه بالمباشر والاني وهكذا ينفلت من أسار العلاقة التبعية متحررا عبر فضاءات يصعب فيها احتواءه وتحييده فهو لايستجيب لمتطلبات الحالة الإيديولوجية ولا إلى محاولات التطبيع مع السائد. ولهذا فهو غالبا ما يكون في علاقة ملتبسة ومتباعدة مع
السلطة
ونتيجة هذا التقاطع نشأت حالة من الريبة والشك بين الجانبين الأمر الذي دفع بالسلطة إلى فرض المزيد من القيود الرقابية على هذا الفن المشاكس لرغباتها وأهدافها .
وأمام هذه الحواجز والمحرمات التي تضعها الممارسة السياسية المتسلطة لايكون أمام المثقف إلا أن يلجأ إلى سبل المراوغة والتلون والاجتهاد لتمرير الأفكار والدلالات عبر استخدام الرموز والتخفي والاستبدال لتجاوز الخطوط الحمراء وتبليغ الرسالة التي يريد , ومع هذا وفي كل الأحوال تبقى العلاقة غير طبيعية بين الفنان المثقف والسياسي ونتيجة ذلك تخسر العملية الإبداعية ابرز عناصرها وأحيانا تفقد أهم شروط وجودها فتتحول إلى مجرد خطاب تابع يسعى لملاحقة الثقافة الرسمية وتسويق سياساتها . لاسيما حين ينجر الفنان وراء السياسي وليس العكس ، شاهدت مؤخرا برنامجا تلفزيونيا بثته إحدى القنوات العراقية حول قراءات في المسرح العراقي استغربت من بعض الآراء التي طرحها مدير دائرة السينما والمسرح وهو مخرج مسرحي وأكاديمي حول مفهومه لخطاب المسرح الجديد الذي تقوده الأحزاب الدينية والطائفية وهو يعتبر ذلك كسبا وإضافة للثقافة العراقية التي انتقلت من خطاب السلطة إلى خطابات السلطات
وبسبب سوء الفهم القائم بين السياسي والثقافي ،كم من الأعمال الإبداعية غابت وستغيب عن الحضور وستروج لأفكار الايدولوجيا والتطرف فنفقد تلك المساهمات والانجازات الفاعلة التي من شأنها اغناء المجتمع المدني الذي ينبغي أن يستند إلى ثقافة حقوق الإنسان والدفاع عن حرية الفكر وتوجيه النقد البناء والجهر بالمسكوت عنه والطرح الجريء في إعلان الخلل الذي يعتور الممارسة السياسية حينما تتناقض مع حاجات الواقع والشعب وتبتعد عن روح العصر.
من هنا يكون لزاما على المثقف أن يقوم بأكثر من دور فإلى جانب دوره الرئيسي كمبدع وصائغ للقيم الفكرية الجمالية عليه أن يلعب دوره التنويري بما يجسد القيم والمبادئ الإنسانية ويحرص على تحمل مسؤوليته بشجاعة وإرادة وان يقول كلمته بصراحة ووضوح متناولا القضايا المرتبطة بهموم الشارع الذي ينتمي إليه وهو بهذا يواجه السياسي بل يشاركه الفعل إن لم يتجاوزه في استشراف المستقبل ومستوى المعالجة والفاعلية والتأثير.
فالعلاقة بين الثقافي والسياسي إذن تتداخل وتشتبك ضمن حركية وتفاعل لمواجهة الواقع المتوتر والمعقد بإشكاليات عدة تحتاج البحث عن أفضل الحلول. ولكن من يضمن انسجام الثقافي والسياسي في اتجاه مشترك يدفع بهذه السيرورة الجدلية نحو مزيد من التجاذب والتفاعل والتبادل مع معطيات الراهن المتغير ؟
وسط هذا الفهم والممارسة التي ينبغي أن تسود وأمام ماهو حاصل اليوم كيف نرى موقع
الثقافة العراقية في بنية المجتمع ؟ وما هو مستقبلها في ظل الظروف الحالية ؟
إن الأسئلة المطروحة تثير العديد من الإشكاليات التي باتت بحاجة ماسة إلى ضرورة التوقف عندها والبحث في عمق مرجعياتها بعيدا عن حدود المسلمات الجاهزة والإجابات العمومية والاقتراحات الإصلاحية المؤقتة التي لازمت حياة المواطن العراقي الذي تعرض لأبشع أنواع التسلط والاستبداد والطغيان في ظل أنظمة مستبدة جعلت الثقافة العراقية تؤول إلى التهميش والتشويه مما أدى إلى تدني الوعي وانحطاط الفكر وغياب الهوية وضعف الانتماء والمواطنة .
إن الإنسان العراقي لما يزل يخوض صراعا مريرا من اجل استكمال مطامحه في التغيير الحقيقي وتجاوز مخلفات السنين التي غيبته عن حركة الصراع الاجتماعي والثقافي الذي يجعله ضمن السيرورة التاريخية والحضارية التي تعيشها الشعوب التي وعت مشاكل وأزمات واقعها وانفتحت على مسارات التسامح والتفاعل والبناء والتطور.
ورغم حالة التصدع التي عاشتها الثقافة العراقية استبشر المثقف العراقي بزوال القيود التي كبلته طويلا اثر عملية التغيير وراح يعيد تنظيم أوراقه ويعد برامجه لواقع جديد طالما انتظره لاسيما وقد استقبل التصريحات والخطب والوعود والأماني تحت مظلة حلم الديمقراطية والانفتاح والحرية التي كان من المؤمل أن يتفيأ في ظلها الجميع.
لكن هذه الآمال سرعان ما تبخرت وانقلبت الأمور نحوانتظارات أخرى ومفاجئات غير متوقعة فساد الشارع العراقي العنف والفوضى والتخريب والخطف والاغتيال وغياب الجانب الأمني الذي يشكل أهم ركائز الحياة العامة وبهذا قتل العديد من المثقفين والعلماء وأساتذة الجامعات وهاجر القسم الأخر إلى منافي شتى وتوزعوا في بقاع المعمورة أما من بقوا في الداخل فقد انخرطوا في دائرة الانشغال اليومي حالهم حال الآخرين بهموم الحياة وتلبية متطلبات البقاء من غذاء ووقود وماء وكهرباء ونقل واتصال وغيرها، وهكذا تعطلت مئات المشاريع عن التنفيذ وتحولت الأنظار إلى هموم مضاعفة وقلق من مستقبل مجهول
وسط هذا الواقع المأزوم نجد إن الحالة الثقافية لاتنفصل عن المأزق السياسي وما يواجهه من تحديات شتى بفعل وجود المحتل وما سببه من مشاكل داخلية وخارجية لاسيما بعد دخول عناصر وفئات مختلفة من خارج البلاد مستغلة الظروف وانفتاح الحدود وغياب سلطة الجيش وقوى الحرس الوطني في تغطية الساحة العراقية الواسعة والمشتعلة .
في ظل الظروف الراهنة والبلد تتنازعه المتناقضات والممارسة السياسية تحركها سلطة الاحتلال من جانب والمصالح المرتبطة بالمكاسب الآنية لمعظم الأحزاب أو الشخصيات التي ظهرت في مواقع الدولة من جانب أخر .
إن ما أسفرت عنه مرحلة مابعد النظام السابق وحتى ألان هوغياب الرؤية الواضحة لأجندة الحكومة والأحزاب والبرلمان وظلت الممارسة مجرد شعارات وكتابات وصور لوجوه لاتمت للثقافة بصلة استبدلت برموز جديدة زادت في تشويه معالم الثقافية العراقية وما بقي منها . فبعد كل هذه السنوات ماالذي تحقق غير التناحر والتنافس على اقتسام المواقع عبر ممارسة انتخابية أفرزت صيغة المحاصصة واستبعاد أصحاب الشأن من التكنوقراط والاكاديمين والمثقفين وأصحاب الخبرة والتجارب
واليوم تتجه الأنظار صوب عملية الانتخابات الجديدة لمجالس المحافظات التي يقترب موعدها في الوقت الذي تلوح في الأفق أزمة جديدة هي قضية كركوك المحافظة الغنية بالنفط والتي تمثل تنوعا ثقافيا عرقيا وطائفيا هو صورة مصغرة لفسيفساء العراق , إن الوضع الحالي غير مطمئن لاستجلاء حالة تتحقق فيها صيغة من صيغ التقارب والمشاركة الفاعلة التي تستنهض الهمم والعزائم وتدفع بالمواطن لمزيد الثقة والحضور الواعي في هذه الممارسة الانتخابية الثانية التي ينبغي أن تحفظ مصالح الجميع في ظل سيادة العدالة والقانون والديمقراطية التي يتحدث بها الجميع.
إن واقع الثقافة العراقية والمسرح ضمنا يعيشان حالة لاتختلف عما يسود الوضع العام من إرباكات وتناقضات عدة ونعتقد انه وبعد أكثر خمس سنوات على الأحداث والوعود قد أن الأوان لوضع الأمور في نصابها ولابد من مراجعة شاملة لمجمل الوضع القائم وما لحق به من تخريب وإعادة الاعتبار للعامل الثقافي ودوره في بناء المجتمع وتطوره وهذا يرتبط بمدى إرادة المثقف العراقي ونظرته الصائبة والجريئة للواقع تفاعل السياسي معه والبحث عن السبل الكفيلة للانتقال من ثقافة الدم والخراب والظلامية إلى ثقافة البناء والتجدد الإبداع وبعبارة أخرى العمل على توفير الشروط الضرورية لإقامة حوار ثقافي منسجم ومتوازن يقدم ويستجيب لأسئلة الحالة العراقية المعاصرة التي تواكب تحولات الفكر والثقافة العالمية التي تحيط بنا اليوم .
إن التحولات المتسارعة في العالم الحديث باتجاه حماية حقوق الإنسان وضمان احترام المواطنة وحرية الرأي والإقرار بالتنوع والتعددية والاختلاف قد جعلت من الديمقراطية مدخلا لتقييم المجتمعات وسياساتها وتحديد مكانتها في النظام الدولي ولتفعيل هذه الممارسات نرى من الضروري إقامة حوار صريح بين المثقفين والمفكرين والفنانين ورجال السياسة المخلصين من الحركة الوطنية للعمل على وضع أجندة وطنية حقيقية وإنهاء كل إشكال الصراع والفوضى و التسلط والاحتلال , والبدء في البناء الحقيقي في كل الميادين ووفق الأهمية في إطار التحرر والاستقلال الوطني وبما يتيح للمثقف الاضطلاع بالدور التنويري والانتقادي وتشخيص الخلل واقتراح البديل. وهذا يتطلب إعادة الاعتبار للمثقف والفنان والعالم والأستاذ الجامعي الذين فقدوا اعتباراتهم وهاجروا الى أصقاع الدنيا المترامية يعانون شظف العيش وقلق الأيام. كما إن ازدهار الحركة الثقافية يتطلب المواصلة في
دعم وتشجيع الأعمال الإبداعية في مختلف المجالات المكتوبة والمسموعة والمرئية وبما يسهم في نشر الثقافة الجادة وتحقيق المثاقفة واستئناف التفاعل بين الثقافي والسياسي أي بين قيم الفكر التنويري والجمال والإبداع وبين قيم العدالة والسلطة المتوازنة والصراع الديمقراطي وتعميمها بين أوساط وفئات الشعب المختلفة
والعمل على بلورة القيم الثقافية التي ترسخ المفاهيم الجديدة والنبيلة وتقاوم أنماط الثقافة السطحية المبتذلة والرخيصة تلك التي سادت لسنين طويلة لاسيما في مجال ثقافة التبعية والثمن المدفوع حيث تم اختراق حقول الثقافة بشتى صنوفها ووسائلها من قبل مجموعات كبيرة ممن دخلوا من الأبواب الخلفية فاحتلوا منصاتها وأشاعوا فيها الخراب ونشروا صور التخلف والظلام والإرهاب
لقد حان الوقت للخروج من دائرة الانغلاق والخصوصية الضيقة التي تمارسها بعض الجهات والأحزاب الطائفية المتزمتة وما تشيعه من أطروحات سلفية متخلفة تنطلق من عقلية التجزيء والمماطلة واللعب بالورقة الدينية وفقا لأهوائهم ومصالحهم مما يجعلها معيقة للتطور ومحاربة للإبداع , في الوقت الذي نحن مطالبون جميعا بصون ثقافة الوطن والسعي الحثيث لتعويض مامضى ومحاولة اللحاق بركب التقدم العالمي المتسارع من خلال رؤية وطنية عراقية شاملة تستند إلى حرية الفكر والتخطيط العلمي القادر على رسم المسارات المستقبلية في عصر العلم والمعلوماتية وثورة الاتصال وكونية الثقافة وإنسانيتها .