في الثقافة العراقية

متغيرات الثقافة وإشكالية الرؤية

 

 عادل كامل

 

     الانتقال من نسق ثقافي إلى آخر، لا يتطلب تمهيدات، وعوامل مشتركة بينهما فحسب، بل أن تعمل الأنساق غير المنغلقة، بما تتضمنه من اقتراحات ومبادرات أسلوبية حديثة، بفرض سيادتها. والمتابع، لا يبني آراءه استنادا ً ليوتيبيا، تحل محل الثوابت، والموروثات، خارج التجريب. فالصيغة الإعلانية (والإعلامية)للبضائع، منذ حل النمط الصناعي محل الاقتصاد التجاري ـ الزراعي، سمح للعلامات بالكثير من التأثير ـ والتأمل، في خلق أنماط تتمتع بما كانت تعمل على دحضه.

     سوق الفن، اكثر وضوحا ً من المجالات الأخرى: إنتاج الأدب ـ ونشره، وتوزيعه. لكن المقارنة، بحد ذاتها، ليست عديمة النفع. فما حصل في التشكيل، كفن له قوانينه على مدى قرن من النضج، يفسر استحالة تقويض تاريخ العلامات. وقد لا يختلف الامر في الشعر أو الرواية أو المسرح، تتبعا ً للأسباب ذاتها التي جعلت من الصدمات، بعد الحرب، متلاحقة، مما جعلت المسافة، بين الثقافة ـ الفنون اكثر اتساعا ً، وأكثر ترقبا ً لنتائج تفرضها المتغيرات.

·       صدمة التحول:

     باستثناء الكتب ذات الطابع السياسي، فان النشاط الثقافي ـ الفني، انحسر، تبعا ًلسيادة عشوائية حتمية ومرتقبة. فالصدمة، تضمنت، نتائجها في سيادة حالة الانحسار الثقافي، والانشغال بقضايا لا ثقافية. وكما تضمنت سنوات الحصار السابقة، أثرها الملموس في المؤسسات الثقافية وفي الثقافة، فان الوضع الأمني، هو الآخر، لم يسمح ببلورة رؤية ما بعده، إلا بالاستناد إلى عمل آليات لم تتخل عن هيمنات الانغلاق. لكن الصدمة لم تأت من الداخل، ولم تكوّنها سلاسل تراكمات الخبرة على صعيد مفاهيم ما بعد الحداثة، بل جاءت كقطيعة وفي حدود فجوات بين أشكال مختلفة. فالكتب التي تناولت الحرب، عملت على صياغة علامات لم تكن متداولة ضمن الثقافة الواحدة. لكن هذه الليبرالية، هي الأخرى، لم تذهب ابعد من الانشغال بالحدث. إن الصدمة تقدمت (المخيال) الاجتماعي، والثقافي، إن لم تتركه يواجه إستحالات حتمتها هذه الصدمة، مما جعل (المخيال) الثقافي، في أفضل حالاته، مرتبكا ً، ومشوشا ً، وعلى الصعيد العملي، فان النشاطات مكثت في حدود الواقع، واضطرابه، إن لم تكن ـ كما هو النمط السابق ـ منعزلة في بؤر لها جمهورها الخاص والمحدود، لان هذه الأشكال مكثت ترى في الحدث، اكثر بكثير من أدوات استيعاب تسلسلاته، مما ضاعف في عزلتها، وانحسارها. فالسنوات الخمس (بين ما هو يومي، ومعاش، وخارجي) مكثت متأثرة بعملها في مفهوم متابعة المتغيرات

لكن الإشكال الثقافي، لم يصر، في المقدمة. ويمكن للمتابع أن يرصد: عمل المؤسسات، الإصدارات، طبيعة الأفكار، وطرق معالجتها ـ أشكال المنجز...الخ كي لا يصدم، في نهاية المطاف، إلا بالصدمة التي مازالت، على صعيد امتدادات ما بعد الحداثة ـ وصولا ً إلى تطبيقات العولمة ـ تعمل بخطاب مكث في الطرف النائي من المتغيرات. فالواقع اليومي فرض مركزيته. هنا: اللامركزية ـ أو الهامش، بكل تفاصيله ـ الخاصة بحياة المثقفين ورؤاهم وازدواجياتهم واغترابهم وقهر مئات السنين ... الخ ومكث يعمل بأدوات لا تناسب أي تعريف معاصر ـ أو حديث ـ للثقافة. فالصحافة ـ وعبر الفضائيات ـ لم تمنح إلا وقفات نادرة للإجابة على : أسئلة لها مكانتها في مجال الجماليات أو العلامات الثقافية. ففي مطلع العام السادس، بعد الحرب، مكثت ازدواجية عمل السلطة (بكل أشكالها ـ مؤسسات الدولة أو منظمات المجتمع المدني) في حدود الاختلافات الشكلية. ومثال على ذك: مكثت المنح أو المساعدات المالية المقدمة لعدد من الكتاب والفنانين، ذات اثر خاص في الوسط الثقافي .. وهي مشكلة ترجع إلى عام 1990، ولا صلة لها بما كان يلخص نظام المخيال وشروطه لصياغة خطاب يناسب مفهوم الصدمة، وما بعدها. فنجد ظاهرة(التسول) اشد مرارة مما كانت عليه قبل عقد. والأمثلة التي جعلت الهامش، مركزا ً(مشتتا ً) لا تحصى، منها عدم تبلور تقييم واضح للمنجز الإبداعي. فالصحافة، عامة ( والاستثناءات لا مغزى لها) لم تضع برنامجا ً ـ أو خطة عمل ـ تتوازن فيها هذه الإبداعات بما يناسبها من رعاية. فالكتاب الذي ينجزه الكاتب في عشرة أعوام أو خمسة أعوام، يحصل على مكافأة، لا تقارن إلا بجزء من راتب يتقاضاه الحارس في الدائرة ذاتها، ولمدة شهر! كما أن هناك أمثلة اشد وضوحا ً جعلت (الصدمة) تعمل خارج السياق اليومي للمشتغلين في الثقافة. فعندما تقوم مؤسسة ثقافية بطرد أساتذة وخبراء، لعدم توفر أجور لهم، أو بدافع عملهم المزدوج، بين الراتب التقاعدي (الرمزي) والأجور (الرمزية)، فان الانشغال بأسئلة الثقافة، غدا هامشا ً، هو الآخر. والأمر له أمثلة لا تحصى في الصحافة الثقافية، دفع بمئات الشعراء والفنانين والكتاب للبحث عن عمل في خارج البلد، أو للانسحاب، وتكرار عزلة المثقف، وغياب دوره.

 

·       المؤسسات:

     تفصح الخمسمائة عام الماضية، منذ عصر النهضة الايطالية، والذي شكل فاتحة الحداثة الأوربية، عن تحولات ومتغيرات كان للمؤسسة دورها البنيوي في ذلك، وفي مقدمتها المؤسسة التجارية، والتعليمية، والعلمية، والجامعية ..الخ، التي أثرت في رسم الحدود بين الميتافيزيقا و ـ المحركات التاريخية الخاضعة للمعرفة والتجريب. فإذا كان المخيال السوسيولوجي، رهن اللاهوت، ولسنوات طويلة، فانه كان يلقى تصدعات متتابعة، أحدثتها مسيرة العلوم (فيزياء/ بيولوجي/ تقنيات نظرية وتطبيقية لا تحصى) وقد أثمرت، عن تبلور خطابات دفعت بالفجوة ـ بينهما ـ إلى التوسع، حد التصادم، كما أثمرت، عن أشكال معرفية لا تنفصل عن محركاتها. على انها، في بعدها التاريخي، ثبتت تسلسل هذه التحولات، وأكسبتها علاماتها، وسماتها الاجتماعية، وأبعادها الفلسفية.

     فهل، هذه السنوات الخمس، من المراجعة، تجاوزت مؤسسات المجتمع المدني/ ومؤسسات الدولة، الانشغال بما هو آني، نحو، ما يرتقي لردم المسافة بين المخيال الدينامي، ومخيال منعدم أو منسحب؟ انها إشكالية تجد عملها في الدراسات الحديثة، ولكنها، في واقعنا، تغيب تماما ً. لان المؤسسات، بمن يشرف عليها، انشغلت باستحالة حل (عقد) كانت أوربا قد ذاقت مراراتها قبل قرون. ولسبب لم يغب عن الذهن، إن هذه المؤسسات، استحال عليها العمل في عصر العولمة واليات عملها. فالأشكال التي ظهرت ـ مع انه يصعب العثور على مقارنة بين المصطلح وتطبيقاته ، إلا عبر الشكلانية ـ وأنظمة الأقنعة، لا تتجاوز الخلافات في ابتعادها عن تصفيات إرادات ومصالح وقضايا شخصية عانت منها لقرون من الاغتراب.  وهي (تصفيات) تكرر، مظاهر الارتداد، وليس، إلا عبر الوعود، والمبادرات القليلة، الحلقات التي لم تغادر محوها في الأخير. فالتراكم ـ والتحول من الكم إلى النوع، كان يواجه زواله، كقدر. لان إعادة تفكيك (الحالات) لم يخضع لنظام (خطة) عمل وخبراء تتوازن علومهم بما هو ابعد من مكاسبهم الذاتية. وهنا، انسحب عمل (المؤسسة) ـ مؤسسة الدولة أو المؤسسات الجديدة ـ إلى آليات عملها السابقة. ومع أن السنوات الخمس المنصرمة لا تشكل مقياسا ً لنتائج نهائية، إلا أن ما ستنتهي إليه النتائج، لن يغادر مقدماته. وعودة إلى بدء: كيف عملت المؤسسة على معالجة حتميات تاريخية: التحول/ التغيير/التطور/ الارتداد ...الخ كي يأخذ الحوار مداه، خارج التصادم والعشوائية، وكي يأخذ (التخطيط) تنفيذاته العملية بمركزيته: أهدافه، وفي مقدمتها: ما الذي كان قد جعل الحقب السابقة، دائرية، ولا تترك إلا علامات استثنائية؟

     ولكي لا نغطس تحت ركام التفاصيل، فان نصف القرن الماضي (عالميا ـ وقوميا ًـ ووطنيا ً) أسس معالم عصر احتضار سريع لخطابات كانت تبدو قد اكتسبت، كما ـ في ـ التي سبقتها، درجة (الثابت ـ المقدس)، هذا الاحتضار، لم يحصل بسبب (العدم في الوجود، بل لان الوجود، المتجذر في هذه المؤسسات، لم يؤسس ديمومة تمتد مع مفهوم (التراكم) للجهد البشري على صعيد مفاهيم الحضارة ـ ومشروعات تتلافى التناحر حد الإبادة من ناحية، كما إن البدائل، جماليا ً، أو على صعيد فلسفة الأخلاق والعلاقات الحضارية بين الأمم والشعوب، مازالت قيد المحك، بما تتضمن من مصائر ورؤية تجعل من عالمنا قرية صغيرة، من ناحية ثانية.

 

 

·       النقد

     خلال الأعوام (2003 ـ 2008) ـ بحسب متابعاتي ـ لم يشر احد إلى كتب (توفلر)، حول مفهوم الصدمة، ومن ثم، الموجة الثالثة، والتحول... ذلك لان الصدمة، فاقت أي مشروع محتمل للنقد. على أن اثر توفلر، منذ (صدمة المستقبل ـ في مطلع سبعينيات القرن الماضي) لم يحصل، لان سياق النقد مكث منشغلا ً بأنظمته السابقة: النقد في سياق الحلم ـ الوهم ـ والأحادية، مقارنة بما كان الواقع يتعرض إليه من صدمات. كانت معظم الفعاليات، والندوات، والمحاضرات، والمهرجانات، والمعارض، بندرتها لا تذهب ابعد من استذكارات: أزمنة طواها الزمن، وفي الوقت ذاته، كانت يوميات المدن تسرد فعالات لم يلتفت إليها، كما في بعض كتابات المواقع الالكترونية، كموازنة لها، لكنها، في المحصلة، عملت بمشاريع نقدية ضمن دوائر النخبة، والطائفة، والتحدي. مرة ثانية ستأخذ الكتابات السياسية، في النقد، مجالا ً لم يظهر على صعيد النص، إن كان فنيا ً أو نقديا ً. لان المشروع النقدي سيرتبط بالتنمية، بالدرجة الأولى. فإذا كان الحلم بحياة تستند إلى شعاراتها، الجديدة، قد تبدد، أو تجمد، فان التنمية باستنادها إلى الممكنات، ستتعرض ، هي الأخرى، إلى الصدمات، ومن ثم إلى: التأجيل، أو انها ستأخذ طابع الترميم، بدل الجذرية.

 

·       ثقافات أم ـ ثقافة ؟

     برهنت العشوائية، بتعدد وظائفها، وأشكالها، انها غير قابلة للانغلاق. وبرهنت، في جانب آخر، انها ليست حقيقة راسخة أو أزلية. لان احد أشكالها، ولان صلة ما، رمزية، أو مشفرة، بين المجموعات والكتل والأفراد، على صعيد عمل الثقافة، مكث خاضعا ً للفجوات. فثمة تراث يرجع إلى ما قبل 1958، وآخر، ازدهر بسلاسل المتغيرات والتحولات والصدمات. وثمة، على مدى هذا التاريخ، أطراف مكثت تعمل بصورة متقاطعة.  وأخيرا ً، ظهرت اتجاهات ازدهرت خارج حدود الداخل. ولعل ظهور عشرات المواقع، والصحافة الالكترونية، والمؤسسات الجامعية والثقافية والبرلمانية، هنا وهناك، يوضح عمليات إنتاج متواصلة، لكن السؤال: ما الذي أفضت إليه هذه الجهود؟ وإذا كان السؤال الخاص بـ: حداثة ما ـ أو ما بعدها ـ والخاص، في الحالات كلها، بين ثقافة لها هويتها ـ ثقافة ذات نزعة عولمية، بلا مكان، وربما بلا زمان، فان العشوائية ستكون بانتظار (عقول) لا تثمر انحيازات (منغلقة) أو تعمل بحدود ما أنتجته عصور دويلات المدن. عقول،  بحدها الأدنى، تنتجها أخلاقيات رفيعة وليدة علوم وثقافة وحضارة تنتجها وسائلها المغايرة. فهل كانت ثمة جهود مرئية، ومحسوسة، ومؤرخة، لردم هذا الاتساع..أم أننا، لم نر في الأفق، اكثر من تكرار لحلقات لم تثمر إلا دوراتها، عبر اكثر من ألف عام، أي بعد أن تم استئصال (العقل) من فلسفة الدولة، وبعد أن كف الاقتصاد المحلي أن يذهب ابعد من الكفاف؟ ألا يبدو العمل، في هذا السياق، لا يقل أهمية عم مفهوم (الصدمة) و انتظار ما و ابعد من مخيال (بكت): فالذي لم يأت، يكون، قد غادر! وان هذه الإشكالية، لا يمكن استبعادها، كما جرت محاولات عديدة عبر الألف عام الماضية، بل أن تجد، بين المجاميع، في الداخل، وفي الخارج، الحلول الممكنة، إن كانت واقعية أو منطقية، كي لا تبقى المطحنة لا تنتج إلا الهواء!

 

 

·       ثقافات أم ـ ثقافة ؟

     برهنت العشوائية، بتعدد وظائفها، وأشكالها، انها غير قابلة للانغلاق. وبرهنت، في جانب آخر، انها ليست حقيقة راسخة أو أزلية. لان احد أشكالها، ولان صلة ما، رمزية، أو مشفرة، بين المجموعات والكتل والأفراد، على صعيد عمل الثقافة، مكث خاضعا ً للفجوات. فثمة تراث يرجع إلى ما قبل 1958، وآخر، ازدهر بسلاسل المتغيرات والتحولات والصدمات. وثمة، على مدى هذا التاريخ، أطراف مكثت تعمل بصورة متقاطعة.  وأخيرا ً، ظهرت اتجاهات ازدهرت خارج حدود الداخل. ولعل ظهور عشرات المواقع، والصحافة الالكترونية، والمؤسسات الجامعية والثقافية والبرلمانية، هنا وهناك، يوضح عمليات إنتاج متواصلة، لكن السؤال: ما الذي أفضت إليه هذه الجهود؟ وإذا كان السؤال الخاص بـ: حداثة ما ـ أو ما بعدها ـ والخاص، في الحالات كلها، بين ثقافة لها هويتها ـ ثقافة ذات نزعة عولمية، بلا مكان، وربما بلا زمان، فان العشوائية ستكون بانتظار (عقول) لا تثمر انحيازات (منغلقة) أو تعمل بحدود ما أنتجته عصور دويلات المدن. عقول،  بحدها الأدنى، تنتجها أخلاقيات رفيعة وليدة علوم وثقافة وحضارة تنتجها وسائلها المغايرة. فهل كانت ثمة جهود مرئية، ومحسوسة، ومؤرخة، لردم هذا الاتساع..أم أننا، لم نر في الأفق، اكثر من تكرار لحلقات لم تثمر إلا دوراتها، عبر اكثر من ألف عام، أي بعد أن تم استئصال (العقل) من فلسفة الدولة، وبعد أن كف الاقتصاد المحلي أن يذهب ابعد من الكفاف؟ ألا يبدو العمل، في هذا السياق، لا يقل أهمية عم مفهوم (الصدمة) و انتظار ما و ابعد من مخيال (بكت): فالذي لم يأت، يكون، قد غادر! وان هذه الإشكالية، لا يمكن استبعادها، كما جرت محاولات عديدة عبر الألف عام الماضية، بل أن تجد، بين المجاميع، في الداخل، وفي الخارج، الحلول الممكنة، إن كانت واقعية أو منطقية، كي لا تبقى المطحنة لا تنتج إلا الهواء!

 

 

     على إن التنمية، في حدود الثقافة، مكثت بانتظار: تنفيذ مشاريعها، لا بسبب الاستقرار المؤجل، وبما هو متحرك عبر الواقع الإقليمي ـ والدولي فحسب، بل لان أهداف التنمية البشرية ـ على صعيد الثقافة ـ مكث خاضعا ً لمشروعات مازالت قيد التنفيذ. فإذا كانت بعض المؤسسات قد أعيد إليها العمل ( متحف الآثار/ بيت الحكمة/ بعض مؤسسات وزارة الثقافة) فان ما هو ابعد من ذلك، وما هو خاص تحديدا ً بالرؤية الفلسفية للإنسان، مكث متصلا ً بتلك الغايات غير المنظورة، وغير الواضحة، والتي مازالت أولوياتها خاصة باستعادة امن مزعزع، ومازال يتعرض لسلاسل من الفجوات.

     وفي مجال ابعد، فان التنمية، لا يمكن أن تتأسس برأس مال شحيح، أو مبّذر، أولا ً،( لان ما خصص للشؤون الأمنية، لا يقارن بما خصص للثقافة) ولا تتأسس برهنات بشرية وجدت في انقساماتها، حتى اليوم، رهانا ًلتسويات غير محددة النتائج، ثانيا ً.  والعاملان لا يمكن فصلهما عن سؤال: كيف يتشكل عالمنا، ككل، كي تأخذ الأجزاء دورها فيه، من اجل أن تأخذ التنمية عملها بتضافر عناصرها، بعيدا ً عن الهدر ـ في الثروات وفي الممتلكات الثقافية ـ وقبل كل شيء: في الإنسان نفسه. إن التنمية، كعودة إلى أقدم أشكالها البدئية، لا تتمثل في التراكم، ولا في العشوائية، بل، على العكس: في التحول. لكن هذا التحول (من إنسان الاغتراب إلى إنسان الحرية. ومن التابع/ المستهلك، إلى الإنسان المنتج، بالحد الأدنى، لقدره: حرية كائنات يتوازن فيها الخطاب العام: خطاب حضارة لا ترتد، مثلما لا تذهب إلى المجهول.