التنمية البشرية والثقافة
عادل كامل
قبل أكثر من قرن ونصف القرن، كشفت التنقيبات الأثارية في العراق،عن آلاف النصوص المدوّنة فوق الطين المفخور، لا كدليل على أن الكتابة نشأت في وادي الرافدين، قبل أكثر من خمسة آلاف سنة فحسب، بل عن رؤية لا أحادية ـ إن لم تكن ديالكتيكية ـ في العلاقة بين التنمية البشرية والمعرفة. وقد صدرت بهذا الخصوص دراسات معاصرة سلطت الضوء ـ في سياق المناهج الحديثة ـ على أسس توضح أن: لا تنمية ـ بالمعنى العام أو الكلي ـ في الحضارة يكتفي بالازدهار الاقتصادي خارج فلسفة أو جوهر موقف الإنسان من الوجود ومن الموجودات، كما جاء ذلك عبر المحاورات والحكمة والملاحم والأساطير.
ومنذ تم حل عدد كبير من شفرات الكتابة المسمارية، غدا، لدى الباحثين، في الاختصاصات المختلفة، معلومات غزيرة عملت على رسم المشهد الحضاري في العراق القديم. فالنصوص ( وهي متوفرة بغزارة في متاحف العالم الكبرى بين اللوفر وبرلين، مرورا بمتاحف لندن والولايات المتحدة الأمريكية واليابان على سبيل التذكيرـ لا تكشف عن الحقبة التي تم الانتقال فيها من الرعي إلى الاستقرار ـ : من الفضاء أو البرية إلى القرى ومراكز البناء فحسب، بل لتؤكد تحديدا ًـ وحكاية المزارع والراعي توضح ذلك ومدى أثرها في الفكر الحضاري القديم ـ أهمية الاستقرار ونشوء ما يسمى بالأصول المجتمعية للتجمعات السكانية. وحقيقة مسندة بالوثائق والنصوص المتعددة الأغراض، تجعل المقارنة، بين ثقافات الألف السادس، ويومنا هذا في فاتحة الألفية الثالثة، مثيرة للمزيد من البحث في الفجوة التي كان سكان العراق القديم قد عالجوها بوعي لم يهمل مكانة [العقل] في التنمية؛ وضمنا ً نجد ذلك عبر المحاورات الخلاقة بين القوى الفاعلة ـ المتضادة أو المختلفة ـ في المجتمع، وفي الذهن، وكما في النصوص المدوّنة أخيرا ً: الخلود / الموت.. المعادن / التراب.. الزراعة / الرعي.. إلى جانب تنظيمات راقية لمجلس الشيوخ وآخر لمجلس الشباب وحقوق المرأة والطفل واحترام البيئة وفلسفة الاستهلاك والتدوين والفنون ..الخ كلها عالجت الأسئلة التي شغلت اهتمامات فلاسفة وعلماء الأجيال التالية وصولا ً إلى عصرنا لوضع الحلول المناسبة لها.
ولعل الجسر بين الواقع ـ والوعي، لا يكمن في الثقافة بصورة عامة، بل في عملها المتخصص الدقيق: الكتابة. فالتدوين وضّح تلك العلاقة بين الإنتاج ـ وفائضه ـ والانتقال من الكم إلى الكيف على صعيد بناء حياة حضارية أثمرت فلسفتها القائمة على أن الخلود هو كل ما يتم انجازه على صعيد العمل الخلاق ( التنمية بالمعنى المعاصر) . وهي خلاصة الحكمة المدونّة في أشهر الملاحم السومرية: جلجامش، حيث جاءت نهاية الملحمة كمشروع جدلي يمنح العمل قيمة رمزية توازي قهر الزوال. وهي إشارة ستتكرر في نصوص لا تحصى توضّح علاقة النظام بالعشوائية.. فكان ميلاد أولى الشرائع، على حد شهادات علماء الآثار والمؤرخين، موضحة أن أساسات أية حضارة لا تتحقق خارج: هذا الوعي بالعدالة والعمل والاستقرار. فما هي أسس أية تنمية خارج الإنسان وعمله وإمكانية تحقيق سلامه الروحي..؟
فمنذ تلك الأزمنة القديمة، وعبر حقب الازدهار، لم يغب مفهوم: التنمية البشرية، والعثور على أنظمة لا لقهر الطبيعة وجعلها تعمل لصالح البشر فحسب، بل لاستئناسها وجعلها سببا ً للازدهار الاقتصادي والمعرفي. فالثقافة مكثت علامة ملازمة لتلك العصور. لأنها واحدة من ثمرات التنمية بالمعنى الدقيق للوفرة: بناء مجتمعات قائمة على العمل ـ وحق صياغتها بتوازنات بالغة الدقة.
وبهذا الصدد تذكر المدونات (الرقم الطينية) لا المهن، ولا المشاريع الإنمائية، ولا الأدوات المستخدمة فيها فحسب، بل علاقة التنمية بالوعي بصفته سيمثل خصائص وحدود الكائن البشري ودوره في الوجود. فقد تمت معالجة أقدم إشكالية انطولوجية بين اللامحدود والمحدود[ الآلهة ـ والبشر: أو الخلود والفناء ] فالوعي شكل أولى أسس العقل التنموي، لا في التحكم بعناصر التنمية، بل قيادتها وجعلها متوازنة لتلبية الرغبات الحياتية والميتافيزيقية. فالتنمية في العراق القديم أسهمت بادراك أن تنظيم مجموع القوى العاملة (المنتجة) في المجتمعـ سيفضي إلى الوفرة، والى العدل الاجتماعي. بيد أن هذا الوعي، كضرورة، لم يكن منفصلا ً عن مكونات الثقافة، ودورها الذي لخّص أقدم علاقة متوازنة بين الحدود، عندما كان مفهوم [الإنماء] يلخص هذه الوحدة.
ألا تلخص النصوص الملحمية والشعرية والرقم الطينية الخاصة بالمعاملات الاقتصادية والتربوية والعلاقات الدولية السائدة آنذاك، مغزى مفهوم التنظيم للحريات تجاه إرادة الإلهة..؟ وان هذا المفهوم المتوازن بين الحدود، قد شكل أقدم جذر أو أصول استندت إليها الحقب الحضارية التي ازدهرت في العراق القديم، وإنها لم تتبلور إلا بوعي أدرك أن الموارد المتاحة، المتمثلة بدجلة والفرات، والأراضي الصالحة للزراعة، ستشكل مجموعة من التشفيرات الرمزية على صعيد النصوص الثقافية.. وان هذا (المنجز) لم يتخذ حقله المعرفي المتخصص ـ في الكتابة وفي الفنون وفي الصناعات ـ كما تدل محتويات خزائن العاهل العراقي آشور بانيبال من مراجع ومصادر ومعلومات ووثائق إلا بعد أن شكلت الثقافة حقيقة يومية سمحت بتقسيم العمل أن تتخذ إدارة الموارد المادية والفكرية منهجا ً في التنظيم.
إن هذا الخزين المعرفي، سيغدو وعيا ً جمعيا ً للعلاقة الجدلية بين إدارة الموارد والثقافة بمعناها الشعبي، حيث ستبقى هذه العلاقة احد أركان البناء الحضاري للمجتمع العراقي، وبسبب توغله في اللاشعور الجمعي غدا قوة كامنة طالما أخذت موقعها في إعادة الأعمار، اثر الكوارث الطبيعية كالفيضانات والأوبئة والحروب الأهلية، إلى جانب الآثار المدمرة للبلاد وهي تتعرض لسلاسل من الاجتياحات والهيمنة.
فالبعد اللاشعوري للثقافة بالمفهوم الشعبي (الجمعي) شكّل قوة بنّاءة في ردم الفجوات والانقطاعات الحضارية، وقوة مضاعفة أحيانا ًفي إعادة استذكار الأسس المبكرة لمفهوم التنمية ـ والوعي بالبناء حقب حضارية لها جذورها، ولها عواملها الموضوعية، كالموارد والسكان، إلى جانب فلسفة العمل، في صياغة مفاهيم تأخذ بنظر الاعتبار العوامل الخارجية، والداخلية، على حد سواء.
* المشهد الثقافي بعد الغزو
كمدخل ـ موثق بالأدلة ـ للذي حدث متسارعا ً في البنى الثقافية، ومؤسساتها، والممتلكات، والأفراد، بعد الغزو(2003) لا يلغي أهمية الإشارة إلى المسار ( التحديثي ) للثقافة في العراق خلال القرن الماضي، أي بعد انفصال العراق عن الإمبراطورية العثمانية. فإذا كنا لفتنا النظر إلى علاقة الثقافة بالبنية الكلية للحضارة القديمة، منذ فجر السلالات وحتى عام (1258)م وليس نهاية العصر الآشوري الأخير( 612 ق.م ) فان ملامح القرن الماضي تبقى تحافظ على صورة مشوشة وتجريبية بالدرجة الأولى. فالقطيعة مازالت حاضرة على صعيد المنهج وعلى صعيد الموروثات المتراكمة ـ وهي شبه غائبة عن الذاكرة الاجتماعية ـ وهي التي تفسر لماذا مكثت الفعاليات الثقافية هامشية، في الغالب، ولا تقارن بالوحدة التي أنتجت ثقافات العصور السابقة. فالأجناس الإبداعية التي برزت خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين مكثت تؤسس رياداتها بفعل الحداثات العالمية من جهة.. وفي محاولة لإعادة ردم القطيعة مع الواقع بمعناه الكلي من ناحية ثانية. بيد أن معظم هذه التجارب مكثت فردية، مما اكسب التجريب سمة المغامرة. لكن هذا لا يلغي ظهور عدد من المؤسسات الكبرى، هي حصيلة : التخطيط الذي واكب التحديث.. والوفرة الاقتصادية .. والاستقرار وبضمنه الأمن العام.. وجهود خلاقة تضافرت لبلورة تجارب ثقافية كانت غائبة منذ نهاية الدولة العباسية، في المجتمع العراقي.
ان تشخيص المسار التجريبي ( الحديث ) يختلف في نواح كثيرة عن خلاصة المكونات القديمة التي وازنت بين العناصر والنتائج الخلاقة للثقافة. فالتجريب الحديث سمح بظهور تحديثات إبداعية في الأجناس المعاصرة ( رواية/ سينما/ نحت/ مسرح/ رسم/ معمار/ تلفاز/ وعلوم كالآثار والنقد واثر الجامعة في الثقافة الاجتماعية.. الخ ) فبفعل عقود من الاستقرار والازدهار الاقتصادي النسبي مع عودة عدد غير قليل من الكوادر التي تلقت تعليمها في أوربا وبلدان أخرى، كان قد سمح بظهور مؤسسات ثقافية يصعب عزلها عن الواقع، ابتداء ً من عام نشوب الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980).. فإذا كان المسار العام للثقافة قد الحق بالنشاط الحربي، فان الثقافة ستتعرض بعد عام(1990) وحتى عام(2003) لتأثيرات متنوعة بسبب الحصار الذي فرض على البلد بأسره.. وهو الذي يلفت النظر إلى بدء هجرة عدد غير قليل من منتجي الثقافة ..
· ويأتي الغزو...
إن الإحداث المتعاقبة لم تكن عسكرية، وسياسية، واقتصادية، وأمنية فحسب، بل كانت ثقافية في العمق. فقد خلفت آثار الأسابيع الأولى مشهدا ً بنراميا ً مازال ينتظر التفكيك. فقد توالت الصدمات بعد انتهاك أهم مؤسسة حضارية، ألا وهي المتحف العراقي للآثار، حيث غدا مكشوفا ً لأكبر سرقات لا تقدر بثمن لكنوزه النادرة، والتي أخذت تظهر متفرقة في المزادات العالمية. وسيتكرر المشهد بنظام غريب شمل المكتبات والمطابع والجمعيات الفنية والمؤسسات الثقافية والجامعية المختلفة. ولا احد يستطيع أن يبرر الأسباب تدمير أهم مطبعة كبرى.(دار الحرية للطباعة) بطريقة بدت عشوائية، مع تدمير دائرة الفنون وضياع أكثر من سبعة آلاف قطعة فنية ترجع إلى ذاكرة قرن من التشكيل الحديث في العراق.. إلى جانب تدمير المكتبة الوطنية وبيت الحكمة ومكتبات أخرى، وكأنها تولت إلى أهداف (عسكرية) أو ذات صلة مباشرة بالنظام السياسي وقد تعرضت إلى ضربات موجعة. وبحسابات أولية، لا تشكل هذه الضربات آثار نفسية، أو انها ستقف كحجر عثرة أمام عمليات التدمير أو إعادة البناء، وإنما عاملا ً سلبيا بمستوى الكارثة تجاه فكرة التنمية البشرية والثقافة: لان هذا الفعل لا يتوازن مع الأهداف المعلنة للحرب أو دور القوات التي سيطرت على العاصمة بغداد.
وبعد مرور أربع سنوات(2003 ـ 2007)، كان العمل لإعادة بعض ملامح ذلك المشهد السابق على الغزو، يتطلب جهودا ً اعجازية أو مستحيلة. فإلى جانب النهب والسرقات المبرمجة والتدميرالقصدي، لم تسمح الأوضاع الأمنية المتداخلة والمتشعبة بالإفاقة من هذه الصدمات. وحتى نهاية عام(2007) مازالت بعض المؤسسات والدوائر الثقافية خارج العمل، ومخربة، وتنتظر جهودا ً كبرى أو جذرية لا لجعلها مؤسسات معاصرة وحديثة، بل لإعادتها إلى وضعها السابق.
إذا ً، هذه الحقيقة لم تخلف خسائر لا تعوض للممتلكات الثقافية؛ كالآثار النادرة والمخطوطات والنصوص الفنية، بل خلف أثرا ً نفسيا ً عميقا ً لا يمكن إهماله عند المباشرة بوضع خطط تنموية للاعمار والبناء.
فأي دور ستقوم به التنمية البشرية للثقافة، أكثر من ترميم أو إصلاح بعض هذه المؤسسات، خاصة إذا ما تمت مقارنة المخصصات المالية التي منحت للثقافة مقارنة بالمجالات الأخرى، كالعسكرية والأمنية.
إن الذريعة الخاصة بالتنمية البشرية والثقافة، خلال السنوات الأربع الأخيرة، سيكرر ما كان قد حدث قبل الغزو: فقد كانت ذريعة الحصار ( بكل ثقله وقسوته ـ 1990 ـ 2003) وقد شلت أي عمل تنموي تماما ً. فإذا كان المسموح للعراق ـ قبل الحصار ـ وهو الذي يمتلك المليارات، باستيراد 5% من تقنيات الحداثة العالمية، فان درجة ما تحت الصفر ستشكل ملامح السنوات التالية التي سبقت الحرب، فأي وصف للواقع الثقافي، ومؤسسات الثقافة، يمكن وضعه بعد عام 2003: عام الغزو؟
إننا إزاء مشكلات ولسنا إزاء مشكلة واحدة. فأي مشروع للتنمية الثقافية لا يمكن عزله عن التنمية في الحقول الأخرى. وأي حل، في هذا المجال لا يمكن فصله عن التخصيصات المالية الحقيقية، إلى جانب خطة لها أهدافها، فضلا ً عن معالجة إشكالية هجرة فاقت التصّور للعاملين في الحقول الثقافية والجامعية وباقي المؤسسات.
ولعل أية مقارنة بين النشاط الثقافي قبل ـ وبعد ـ عام 2003، له مغزاه. فهل بالإمكان الحديث عن تنمية بشرية على الصعيد الثقافي، دون لفت النظر إلى معوقات متداخلة في الأولويات:
ـ ثمة شبه غياب تام لعمل المؤسسات الثقافية أو توقفها، أو حضورها الرمزي، الإعلامي في الغالب.
ـ هجرة أساتذة الجامعة، والأدباء، والفنانين، والمفكرين إلى الخارج بأعداد لا يمكن الاستهانة بها وبدورها في التنمية .. فقد برز النقص في الطاقة البشرية ذات الخبرة من ناحية، والعمل المتعثر ـ بل والغائب إلى حد بعيد ـ للعاملين في عدد من المشاريع الثقافية، من ناحية ثانية.
ـ إن سؤالا ً ظهر في أعقاب الغزو: أية ثقافة بالإمكان أن تشكل ملامحها عمليا ً، وليس على مستوى التنظير أو الصحافة، ومن يصنعها.. وما هي أسسها.. وكيف سيتم صياغتها كتدشينات أولية ومقبولة...؟
ـ وستبقى، في الماضي أو الآن، المخصصات المالية، حلا ً وعقبة في مواجهة أي خطة للتنمية: الكم والإدارة والأهداف.
ـ كما شكل المشهد الأمني، أثرا ً مباشرا ً ـ كأثر الحصار بمرات مضاعفة ـ في صعوبات حد الاستحالة في تحقيق ما يعلن من مشاريع وخطط.
بمعنى مبسط، إن إشكاليات:
ـ العنصر البشري
ـ والمالي
ـ والأمني...الخ كان حقيقة تواجه أي عمل يسعى لتخطي السلبيات وإعادة الحياة لدور الثقافة في المجتمع. ولعل المشهد من الداخل، يتزامن، مع التقارير الدولية للخسائر والضحايا الحاصلة في العنصر البشري، وفي الفساد المالي، مما أدى إلى صعوبات مباشرة في تحقيق الخطط الموضوعة لبناء علاقة جدلية بين التنمية البشرية والثقافة.
* فهل ثمة استثناءات....؟
مع فداحة الخسائر في الممتلكات الثقافية ـ الأثارية والفنية والتراثية كالمخطوطات والوثائق التاريخية ـ وتدهور الأوضاع الأمنية، والانتشار غير التقليدي للقطعات العسكرية الأجنبية و العراقية، وبروز ظاهرة الجدران والأسوار التي راحت تنتشر في مناطق متعددة، والنقص الدائم في الطاقة الكهربائية، وصعوبة المواصلات .. الخ فان تلمس فعاليات ثقافية في مواجهة عشوائية العنف قد تنوعت بين الندوات والمحاضرات والجلسات النقاشية .. إلى جانب عودة بعض المؤسسات إلى ممارسة عملها الثقافي داخل بغداد وخارجها.. على أن نشاط المحافظات سيأخذ مكانة أكثر فعالة مما هي عليه في العاصمة، في تأسيس اتحادات ومنتديات وجمعيات أو فروع لحقول معرفية جديدة.
كما تميزت بعض مؤسسات المجتمع المدني ذات الطابع الثقافي، في تحقيق نشاطات في حقول أدبية وفنية وفكرية.. إضافة إلى ظهور الصحف والمجلات لتمارس حرية أوسع في معالجة قضايا لا تنفصل عن حقيقة التحولات والتداخلات والاختلافات.. فقد تمتعت ظاهرة الاختلاف والحوار باستقلالية في إعادة النظر بحاضر الثقافة عبر ماضيها ومستقبلها. ومع هذا الحضور للنشاط الثقافي، إلا أن طبيعة المتغيرات وارث تراكمات العقود السابقة، وظاهرة الاختلاف حد التصادم، عبر دور الصحافة السياسي، والفضائيات التي ظهرت للمرة الأولى، إن كانت تعمل في داخل العراق أو خارجه، قد أحدثت منحى لم يكن سائدا ً على مدى التاريخ السابق..
إن المشهد الثقافي للسنوات الأربع المنصرمة مكث يعمل بحدود تحدي الأوضاع الاستثنائية امنيا ً، مما يجعل إصدار حكم نقدي صعبا ً للغاية استنادا ً لنوع أو كم الفعاليات الثقافية، كما يصعب الحديث عن الأثر اجتماعيا ً، او على صعيد البنى الأسلوبية ، وما له صلة بالتحديثات والتجارب المميزة بالتحديث.. فالنشاط الثقافي ـ مع إعادة ترميم أو إصلاح العديد من المؤسسات والجمعيات الفنية والثقافية ـ مكث يتسم بالفعاليات والمبادرات الفردية .. وبهذا الصدد أيضا ً لم تسمح تراكمات الماضي وتنوعها بالحديث عن المشهد بصورة شاملة ودقيقة، فالهجرة المستمرة للعاملين في الحقول المعرفية ـ جامعية/ صحافية/ فنية.. الخ ـ وتأسيس روابط وتجمعات ومواقع الكترونية في الخارج أو الداخل، كلها سمحت بالنشاط الفردي ليعمل على بلورة خارطة غير مكتملة، لكنها، مع تنوعها، واتساعها، واختلافها حد تجاوز مفاهيم العمل التكاملي أو التوليدي، سيرسم مشهدا ً لنزعات ذاتية أو جمعية أو أيديولوجية، حتم هذا: التحول والتصدع في البنى ..إلى تشكل علامات تمثل طبيعة هذا المشهد الثقافي في الاختلاف والمغامرة.
* هل الواقع الثقافي في حالة طارئة..؟
ضمنا ً، لفتنا النظر إلى أن واقع الثقافة ـ أية ثقافة ـ يقترن بعلامات: مدوّنات تمتلك مقوماتها الإبداعية، وهي، إن لم تكن (أصيلة) بمعنى إنها وليدة إنبات صاغته مجموعة عوامل: الأهداف.. وإمكانية تحقيق هذه الأهداف.. والاستجابة إليها. فإنها، إما أن تأتي امتدادا، أو تحويرا ً، أو استنساخا ً لثقافة ما من الثقافات.
إن هذه (النصوص) لا تنفصل عن من أنجزها، ولا عن الواقع العام الذي نشأت فيه، فكيف سننظر إلى الواقع الثقافي،( كاستجابة للتحديات، أو تمثل الواقع في اقل تقدير.) ، أن تدرس هذه العوامل:
ـ العلاقة الدينامية، أو الجدلية، أو: الواقعية، بين الثقافة ومكوناتها او شروط تكونها: العلاقة التي لها ماضيها، وحاضرها الذي نحن بصدده.
ـ هل ثمة موازنة موضوعية، بين المخصصات المالية للثقافة، وسواها من المرافق الأخرى..؟
ـ هل تم اختيار العنصر البشري، موضوعيا ً، وبالصورة الديمقراطية، أم بالأسلوب الذي حافظ على نظامه القديم..؟ كي تشكل هذه العناصر، المركز في إدارة العمل الثقافي، وتحديد أهدافه، وسبل انجازه..؟
ـ هل الواقع الأمني ـ السياسي العام ـ حالة طارئة، أم ذات صلة بالمتغيرات الجغرافية ـ السياسية على صعيد 1ـ البلاد 2ـ المنطقة 3ـ العالم..؟
إن أية إجابة خالية من الوضوح، ستسمح للعشوائية بإلغاء الموضوعية، والدقة، وبأي تصرف (شفاف) ضمن وقائع محملة بسلسلة من التراكمات، حد انها عدت ـ في سلبيتها ـ دورية، منذ أواسط الدولة العباسية. فثمة أسئلة ستبقى ذات صلة بأي تفكير ، وتخطيط، تنموي يتوخى الإنصاف:
ـ من ذا يحدد، ضمن عالمنا المعاصر، مفهوم الثقافة ـ (ماهيتها ـ ومستقبلها) كي تمتلك، كشرعية: حق الازدهار... إذا ما كانت السنوات الأربع الأخيرة، لم تبرهن، ضمن الفوضى السائدة ( وهي ليست فوضى خلاقة) إلا عن اضطراب وعشوائية لم تسمح للمراقب ـ الباحث إلا برصد معالمها المضطربة، والقلقة، ولكن ليس باتجاه صياغة ثقافة لها هويتها.
ـ من يصنع هذه الثقافة، ويحققها، في غياب نسبة كبيرة من رموزها ـ وهجرة العاملين في الثقافة ترجع إلى الانقلاب الأكثر تأثيرا ً في المجتمع العراقي، أي منذ عام 1958، مرورا ً بسنوات العنف المتلاحقة. وأفضل مثال هو وجود روابط وتجمعات ومواقع وصحف في شتى أنحاء العالم، غدت كمراكز لتجمعات المفكرين وأساتذة الجامعة والأدباء والفنانين.. فضلا ً عن الاستجابة السلبية للرموز الثقافية التي فضلت السلامة، أو العمل بعيدا ً عن المشاركة: أي القبول بالعمل عن بعد أو الانخلاع، والاندماج في مجتمعات أخرى.
ـ إن الحالة الحاضرة للثقافة، لم تبرهن انها تمتلك تخطيطا ًلمجموع نشاطات المنديات أو المؤسسات أو التجمعات. فمكثت التجريبية ـ حد الفوضى ـ علامة لا تنفصل عن التجريب العام.
ـ وأبسط مثال واقعي هو الوضع الاقتصادي للعاملين في الثقافة ـ باستثناء الجامعيين ـ يوضح أن العاملين في: الفنون والأدب والصحافة.. وفي مشاهد موثقة، ومعلنة، يعملون بأساليب تجعل الكفاف حالة مستديمة. فباستثناء إقليم كردستان؛ الذي كرر احد حلول النظام السابق، في تخصيص رواتب للعاملين في الثقافة ـ فان بغداد، وباقي المحافظات، سمحت لعدد من المنظمات أو الجمعيات أو الدور الثقافية برصد مبالغ مالية كمعونات ومساعدات، أسوة بما يحدث إبان الكوارث والأزمات!
ـ لم تدرس أجور العاملين في الثقافة، ولا مكافأتهم، بما يناسب سعر برميل النفط، على سبيل المثال! فالأجور، عامة، ليست كواقعها القديم، بل ستجعل اختيار مهنة العمل في الحقول الثقافية مهمة شاقة، وقاسية. ودراسة الواقع الاقتصادي للعاملين في الثقافة، لا يعزل عن الحالة الطارئة.. أم المستديمة، للوضع بصورة عامة.
إلى جانب هذه النقاط، يبقى الاستقرار ـ وعودة الخدمات الأساسية: الطاقة الكهربائية/ الصحة/ المواصلات/ الهاتف ومن ثم شبكات الانترنت ..الخ ـ أي بنية المجتمع التي تعرضت للتفكيك ـ قضية لا تنفصل عن السؤال الانطلوجي: ما المعنى الكامن في جوهر الثقافة، بصفتها علامة للوعي وأعمال العقل الإبداعية.
هل الثقافة العراقية، في وضعها اليوم، معزولة عن الوضع العام، أم انها مازالت، في أفضل الحالات، تعمل على إدامة وجودها الرمزي، إلى جانب نشاطات متفرقة، تستنسخ ـ في الغالب ـ دور ( الاحتفال) و(الإعلان). ذلك لان ثقافات الشعوب، بما تتميز به من عمق وتحديث وأصالة، تناسب تجذّرها في الأفكار/ واللغة/ والإنبات: أي في القدرة على احتواء (التصدعات/ والتحديات) لبناءات يبقى الناقد ـ المراقب ـ المتلقي بانتظارها.