عبدالمنعم المحجوب:
الجذور السومرية للغة العربية واللغات الأفروآسيوية
طرابلس – فيحاء العاقب
في كتاب له بعنوان "ورثة اللوغوس" يرى المفكر العربي الليبي د. عبدالمنعم المحجوب أن الملحمة السومرية هي التي أنتجت الحكمة الكلدانية وهي التي أنتجت مفهوم اللوغوس الذي سينقلب لاحقاً ضد الشرق بعد أن يستقرّ في اليونان ويتحوّل إلى عقل خارج التاريخ، وأن الغرب الذي يدّعي وراثة اليونان قام بتحويل الفلسفة اليونانية من نتاج للشرق إلى عدو له.
وفي "سؤال الكيان"، يطرح د. المحجوب إلى أي حد ضد الممكنات الجذرية، أصبح الكيان نمطياً ومشدوداً إلى مثال قياس مفترض. فهو يبدأ من مساءلة الأصول ليتحقّق من جدارة الفروع، بل إن أعماله الشعرية مثل "كتاب الوهم" و"عزيف" لا تخلو من هذا الهاجس الفلسفي أو كما قال في لقاء سابق "الفلسفة بغير الشعر محض لغة، والشعر بغير الفلسفة لغة محض".
في كل الأحوال، كانت مناسبة الحوار مع د. المحجوب، صدور كتابه الجديد "ما قبل اللغة.. الجذور السومرية لنشأة اللغة العربية واللغات الأفروآسيوية" الذي يرى فيه أنه يقوم بتصحيح وهم علمي استمر لأكثر من مائة سنة.
- صدر مؤخراً كتابكم "ما قبل اللغة.. الجذور السومرية لنشأة اللغة العربية واللغات الأفروآسيوية"، وهو عنوان محيّر، أولاً ما قبل اللغة.. أية لغة هي! ثانياً الجذور السومرية، وهذا يناقض تقريباً جميع ما هو معروف عن تاريخ اللغات لأن السومرية كما هو معروف لا علاقة لها بأي لغة أخرى في العالم، وعلى الأخص اللغة العربية؟
- سأبدأ من الشق الثاني. لقد عاش البحث اللغوي قرابة مائة سنة على وهم علمي مفاده أن السومرية لغة منعزلة عما جاورها، بل أن مقارنتها تمت بأكثر من ثلاثين لغة دون الوصول إلى نتيجة مرضية من حيث المقاربة المعجمية أو الصرفية المورفوفينولجية، وبالتدريج ترسّخ في البحث العلمي أن هذه اللغة المجهولة البداية أصبحت مجهولة النهاية، وأن السومريين الذين نبتوا فجأة بين نهري دجلة والفرات اختفوا فجأة كما ظهروا، كما لو أنهم شهاب مرّ في سماء التاريخ ولم يتوطّن الأرض، أو حتى دون أن يصطدم بها. إن كتابي باختصار هو بحث يناقض هذه الفرضية التي استقرت كيقين علمي، وأقول فيه أن اللغة السومرية متوطّنة قارّة في اللغة العربية والأكدية والمصرية، بل وبقية الأفروآسيويات، على شكل مقاطع جذرية أولية، وإن اختلفت اللغات الأفروآسيوية في بنائها العام معجمياً وصرفياً إلا أن تلك الحمولة السومرية متوطّنة فيها، بل إنها الأساس الذي تنبني عليه تلك اللغات بالإضافة والتحوير.
كانت هناك محاولة أولى على يد لاندزبرغر الذي اكتشف عدداً من المفردات لا هي بالسومرية ولا هي بالأكدية، وبناء على ذلك افترض أن قوماً سبقوا السومريين أطلق عليهم اسم الفراتيين الأوائل كانوا قد توطّنوا ما بين النهرين وأن تلك المفردات إنما هي بقايا لغتهم، وقد بدأ بحثي قبل عشر سنوات بهذه المفردات تحديداً، وفي محاضرة لي آنذاك بقاعة القبة الفلكية أوضحت أن هذه المفردات لا يمكن أن تكون أساساً لافتراض وجود الفراتيين الأوائل، لأنها ببساطة كاملة مفردات عربية مهجورة، وكل ما في الأمر أن العلماء والباحثين لم يكلفوا أنفسهم عناء التدقيق في المتون المعجمية القديمة ليكتشفوا ذلك.. وقد أثار حيرتي وغيظي في ذلك الوقت كيف أن الباحثين العرب دون غيرهم مضوا إلى ترديد مثل هذه الفرضيات دون أن يعودوا إلى لغتهم.
من هذا النقد الأولي اتجهت إلى دراسة السومرية، لقد كان الأمر بالنسبة لى أشبه بالعودة في الزمن، وهكذا انقطعت إلى دراسة اللغتين السومرية والأكدية لفترة تزيد عن الأربع سنوات، مع مقارنات بالأمازيغية والمصرية والتغرية، والأخيرة هي غير التغرينية، مع ملاحظة أنهما معاً منتشرتان في أثيوبيا وأريتريا، وكنت كلما تعمّقت أكثر في دراسة اللغة السومرية كلما وجدت نفسي أعود إلى اللغة العربية.. عندما نقرأ متناً سومرياً يجب ألا ننساق كثيراً وراء قراءة الروّاد من ألمان وفرنسيين وغيرهم، هؤلاء الروّاد بقدر ما كان لهم الفضل في الكشف عن خبايا هذا التراث بقدر ما كانوا هم أنفسهم سبباً في تغييب الكثير من خصائص السومرية من الناحية الصوتية والصرفية أو الصورفية كما أسميها، وذلك من خلال أساليبهم في نقل العلامات المسمارية إلى الحروف اللاتينية.
- ما الفرق بين قراءات الروّاد وقراءتكم التي تقترحونها؟
- في قراءة الروّاد تتحوّل حركات الحروف إلى صوائت طويلة، العربية لا تحتوي على صائت ونصف صائت وشبه صائت، العربية تتميّز بالحركات التي تلحق الحروف الصوامت، فإذا ضعّفت الحركة أصبحت مدّا، والحركة مستحيلة في ذاتها، لا بد لها من بناء تتأسّس عليه، الحركة المنفصلة عن بنائها هي مجرد افتراض تعليمي، مثلما أن البدء بساكن هو أيضاً مجرد افتراض تعليمي. هذا ما حفظ اللسان العربي، وهذا أول دروس الصواتة.
المسألة أن أولئك الروّاد ربّوا في تلاميذهم تلك العادات المعجمية السيئة التي نقلها الباحثون العرب، إن اسم الإله utu مثلاً يكتبونه (أوتو) بالرغم من أن قراءته السليمة هي (ءُتُ)، ولو أخذنا كلمة badtibira مثلاً فإنهم يكتبونها (بادتيبيرا) في حين أنها يجب أن تكتب وتقرأ (بَدْتِبِرَ) لقد أضاعت هذه "النقحرة" – على رأي الأستاذ الفاضل علي فهمي خشيم – أضاعت الكثير من فهم التراث اللغوي للشرق الأدنى واللغات الأفروآسيوية التي تعتبر العربية الآن أحدثها وأهمّها وأكثرها – لنقل – اكتنازاً وتفاعلاً.
- إذن، ما العلاقة بين السومرية والعربية، أو بين السومرية واللغات الأفروآسيوية؟ ماهي الفرضية الأساسية في كتابكم "ما قبل اللغة"؟
- أوجز هذه الفرضية في نقاط سريعة متتالية، علماء السومريات والأشوريات يقولون أن السومرية هي أقدم لغة مدوّنة حتى الآن، وهي لغة إلصاقية معزولة لا علاقة لها بأية لغة أخرى على وجه الأرض، ويقولون أن السومريين ظهروا فجأة في جنوب العراق، وأن تدوين لغتهم بدأ في الألف الرابعة قبل الميلاد، ثم نشأت اللغة الأكدية، ويقولون أن اللغتين كانتا متجاورتين، ثم انحسرت اللغة السومرية تدريجياً وسادت اللغة الأكدية بشقيها البابلي والأشوري، وعنها نشأت الساميّات مثل العربية والعبرية والآرامية ..إلخ. وقد تحوّل هذا التتابع إلى يقين علمي لا يتطرّق إليه الشك.
حسناً.. الفرضية الأساسية التي أدافع عنها تنهض في مقابل هذا التاريخ. أقول أولاً أن السومريين لم يظهروا أو يفدوا فجأة إلى جنوب العراق، بل أنهم كانوا في البدء مزيجاً من الأقوام الرحّل الذين قادتهم الضرورة إلى جنوب العراق بعد انحسار آخر عصر جليدي وبعد أن أصبح جنوب الرافدين إقليماً صالحاً للاستقرار وقد كان مستنقعاً كبيراً، وهناك أسسوا أقدم المدنيات وعبدوا أقدم الآلهة ونظموا أول الأسواق واختطوا أول المدن، وبالنتيجة تكونت أقدم الممالك. لقد وجدت أول حكومة بالمعنى الحرفي في العراق القديم، وانتظم المجتمع إلى مزارعين وحرفيين وجنود وكهنة وكتّاب وشعراء أيضاً، وُجد تقسيم العمل، وانتظم دور الرجل والمرأة في البيئة الاجتماعية والاقتصادية، لقد بدأت الحضارة، بدأ التاريخ الإنساني منذ هذه اللحظة السومرية.
عندما نقوم بتحيين اللغة السومرية في السياق التاريخي نجد أن تدوينها بدأ مع الألف الرابعة قبل الميلاد، هذا يعني أنها كانت آنذاك لغة مكتملة، الفارق بين الكلام وتمثيله بلغ ألفي سنة على الأقل، وربما أكثر، هذه مرحلة كافية لا لحفظ الكلام وتدوينه فقط، بل لمعرفة أن لهجات نبعت من اللغة الأصلية قد نشأت واكتملت، هناك البيئات الاجتماعية المختلفة، والأنماط الإنتاجية المختلفة، بالإضافة إلى المعتقدات، بالإضافة إلى اتساع الرقعة الجغرافية التي لا يجب أن نخضعها للمقاييس الحالية، هذه اللهجات توفر لها من الأسباب ما جعلها تستقل تدريجياً بصواتتها وصورفتها، بدأت لا شك بالأكدية، وعندما توفرت للأكدية أسباب الإنتشار تفرعت هي الأخرى عن لهجات متنوعة سوف تتحول بدورها إلى لغات مستقلة بصواتتها وصورفتها، وهكذا.
الأكدية في الحقيقة لم تكن لغة جاورت السومرية، بل لهجة من السومرية سادت وانتشرت وحلت محل أمها ومصدرها، كاللاتينية التي تختلف صواتتها وصورفتها مع بناتها اللاتي تحدرن منها، المعجم يحتفظ بحد ما من التشابهات والقرابات اللفظية، ولكن سياقات الكلام وبنائه تختلف بحسب المكان والزمان.
هكذا أنتجت السومرية اللغة الأكدية تدريجياً، لكن العربية – وهنا مسألة يجب تدقيقها ما أمكن – تحتفظ بالمعجم السومري والأكدي معاً، تحتفظ من الأول بمقاطعه ومفرداته، ومن الثاني بصورفته وجزء كبير من بنيته النحوية، علينا أن نفهم هذا التدرج في سياقه الذي يمتد لأكثر من ألفي سنة، إن بعض الكلمات العربية قد لا توجد في الأكدية، ولكننا نعثر عليها في السومرية، وبعضها لا نجده في السومرية ولكننا نعثر عليه في الأكدية، على الباحث هنا أن يتحدّث عن أطياف إذا أراد أن يؤثل المعاجم تاريخياً وبشكل تعاقبي أو تناسلي، لكن البحث اللغوي هو أكثر تعقداً من تتبع المسارات الواضحة والمرئية في رحلة الكلمات، لقد قدمت في "ما قبل اللغة" بعض الأمثلة التي تتجاور فيها التأويلات والقراءات بين التأثيل المعجمي الاشتقاقي وبين التحوّل الدلالي في عملية متواصلة من الإزاحة وإعادة البناء.
إذا عدنا إلى النصوص السومرية فإننا نقرأ في ملحمة ءِدِّنْ دَكَنْ Iddin-Dagan مثلاً ما نصّه حرفياً:
di kuruĝu kiengi kiuri gu teša binsig
وعربيته الحرفية: (قضي الأمر، إن سومر وأكد صوت واحد معاً) وكلمة صوت gu الواردة هنا ليست سوى اللغة والكلام. لقد ترجمت جزءا من ملحمة ءنمركر وسيد ءَرتَّ في الفصل الأول، وهذا الجزء ينصّ على وحدة اللسان بين سومر وأكد وغيرهما من المدن، إنها حرفياً ءِمِي-خَمُن eme-hamun أي اللسان المتوافق أو لسان التوافق، لكن الترجمات الغربية لسبب غير معروف تجعلها اللسان المتعدّد أو لسان التعدّد. إن الباحثين الآن يتجاهلون ذلك ويتشبثون بما كتبه القراء الأوائل من ألمان وفرنسيين منذ أكثر من مائة سنة.
- لكن اللغة السومرية لغة مقطعية واللغة العربية لغة جذرية، فكيف تقيم هذه العلاقة بينهما؟
- السومرية لغة مقطعية إلصاقية، والعربية لغة جذرية اشتقاقية، وقد كانت هاتان السمتان حجة قوية للفصل بينهما، لكن هذا التحديد في الحقيقة يخدعنا أكثر مما يخبرنا الحقيقة.
- كيف؟
- اللغة العربية في واحدة من مراحل تطوّرها واستقلالها عن السومرية كانت ذات طبيعة مقطعية، لكننا لم نعرف لغتنا إلا في صورتها المكتوبة عندما أصبحت لغة جذرية اشتقاقية، إذا عدنا إلى أحد روادنا العظماء وهو الخليل بن أحمد نجد أنه رسّخ القراءة الجذرية في (العين)، لكننا نتناسى محاولته الأولى في تجريد مفردات العربية، لقد قرأها مقطعياً باديء الأمر، نعم جرّب ذلك من الناحية النظرية وقرأ الأبجدية مقطعياً، اقرأوا حكايته مع معجمه، هذا التجريب لم يكتمل، وكان أن اختار البناء على النسق الجذري لأنه الأكثر اكتمالاً من الناحية الواقعية. أنا أعتبر الخليل أول منظّر للسان العربي، وما زال أهم من نظّر له، أبو علي الفارسي وتلميذه ابن جني قاما بنوع من التطبيق نسميه التصنيف التطوّري genetic على المواد التي رتبها الخليل، ثم لماذا نهمل الآن تفكير عبدالله دغمان والشيخ عبدالله العلايلي وغيرهما في اللغة. معظم الباحثين الآن يعتبرون أعمال هؤلاء نوعاً من الكلاسيكية الجديدة غير المجدية، هذا في نظري منتهى السطحية والغباء، مثل هذه البحوث تمّ بترها بتبني المناهج الغربية في الدرس اللغوي واللساني، وأعتقد أن البحث الفيلولوجي يجب أن يتوقف عند محطات تاريخية متصلة إذا كان موضوعه اللغة العربية. منذ دي سوسير إلى تشومسكي لن تجدي شيئاً جديداً في الدرس الألسني لم يتناوله العرب منذ مئات السنين، وأنا أعني ما أقول.
أعود إلى موضوعنا، لقد قمت في الفصل السادس من الكتاب بمعالجة الجذور التي يضمها حرف النون في المعجم العربي، اعتمدت على لسان العرب لابن منظور لاستظهار الدلالات الرئيسية، وقد تبيّن لي أن الكثير من هذه المفردات يتكون من بادئة هي حرف (ن) الذي يعني النفي والضديّة في السومرية، ويليه جذر ثنائي متكون من حرفين في المعجم العربي هما عادة مفردة سومرية متكونة من مقطعين، فالمفردة العربية هنا أعني البادئة بحرف النون إنما هي كلمة سومرية دخلت عليها أداة النفي السومرية (ن) بمعني: (لا) أو (ليس) أو (ضد)، واستقرت في اللغة العربية بالشكل الذي نعرفه الآن، هذا واحد فقط من أشكال عديدة نشأت فيها اللغة العربية، فاللغة السومرية متوضّعة في العربية على شكل بنية أو طبقة تحتية Substrata.
- هل لنا أن نتعرف على بعض الأمثلة؟
- نأخذ الجذر الثلاثي (ندر) على سبيل المثال، إن واحدة من دلالاته الرئيسية في المعجم العربي الآن هي السقوط، نَدَرَ أي سَقَطَ. والندور هو السقوط، هذه الكلمة في تأثيلها السومري هي نون النفي زائد المقطع (دَرْ) الذي يعني العلو والارتفاع، (ن + دَرْ n+dar)، ألا ترين أن ضدّ العلو والارتفاع إنما هو السقوط والانخفاض. وكلمة (نسق) مثلاً التي تفيد الانتظام، هي في تأثيلها السومري نون النفي زائد المقطع (سق) الذي يعني التبعثر والتحطيم، (ن + سَقْ n+sag)، فنفي دلالة التبعثر بإدخال أداة النفي والضدية يؤدي معنى الانتظام، وهكذا. إن الفصل السادس من الكتاب يحتوي على 47 مثالاً من الكلمات البادئة بحرف النون في المعجم العربي، وأعتبر هذا حصراً أولياً لم أتعمّد فيه الاعتماد على الظواهر اللغوية من قلب وإبدال، بل رأيت أن ألجأ إلى إثبات هذه الفرضية بما يتوفر من أمثلة صريحة. علي أن أقول هنا أن العربية بهذا القياس هي أقدم لغة على وجه الأرض، هذا ليس معتقداً دينياً يتكئ على السماء، هذا حَفْرٌ في الأرض بالمعول نفسه الذي انتج معنى العمل، المعول القديم نفسه الذي جعل الحياة ممكنة.
- هل هناك أشكال أخرى لعلاقة اللغة السومرية باللغة العربية؟
- أفترض أن هناك متوالية أفروآسيوية، وهي متوالية تكوينية مرت بمراحل متعاقبة، لقد بدأت باللغة السومرية التي تعتبر أصغر حلقات المتوالية، وبنشأة اللهجات وتطورها وانفصالها بمنظومة صوتية وصرفيّة كانت تلك الحلقات تكبر وتتسع لتشمل ألفاظاً وأساليب جديدة، إن آخر حلقات هذه المتوالية هي اللغة العربية التي اكتملت دون أن يتوقف استخدامها أو ينحسر كما حدث لبقية اللغات، بالرغم من أن نموّها توقف بظهور القرآن الذي أزاح اللهجات العربية التي كانت منتشرة آنذاك وكان سبباً في سيادة واحدة منها، وأقول أن نموها توقف او اكتمل لأننا لا نستطيع الآن ابتداع كلمات جديدة إلا بالاشتقاق أو النحت من خزانة مقفلة. المسألة كانت مختلفة في مرحلة ما من نشاة اللغة.
الآن.. عندما يتلفّظ العربي بكلمة عربية واحدة مكوّنة من ثلاثة حروف صوامت فإنه يقول في الحقيقة كلمتين أو ثلاث من السومرية دون أن يدري، وهو لا يدري لأن الكلام تداول للدلالات لتحقيق التواصل وليس بحثاً في بنية المفردات والألفاظ. لنأخذ مثلاً كلمة (كتب) العربية، هي في الحقيقة تنطوي على ثلاثة مقاطع سومرية: (كَ ka) بمعنى: فم، كلام. (تَ ta) بمعنى: بـ أو بواسطة. (بَ ba) وهى أداة خشبيّة لكشط ألواح الطين والرقن أو النقش عليها. هكذا تكون الدلالة الأساسية لكلمة كَتَبَ العربية، هي: الكلام بأداة النقش. أو الكلام بالقلم. ونأخذ كلمة (لغة) التي ليست سوى مقطعين سومريين هما (لُ lu) أي رجل أو إنسان. و(گو gu) أي صوت. فاللغو أو اللغة هما في التأثيل السومري صوت الإنسان، وهي الكلمة التي ستتحول في ما بعد إلى Logo أو Logos اليونانية.
كلمة (أدب) العربية أصلها السومري هو édubba (ءدُبَّ) التي تعني مدرسة أو بالأصح مكتبة وهي متكونة من (e) بمعنى بيت و(dubba) بمعنى لوح أي بيت الألواح، والألواح في الحضارة السومرية- الأكدية هي الكتب الآن، تحولت في العربية إلى أدب بمعنى أدب النّفس والدَّرس ومنها الفعل أدّبَ أي عَلَّم.
وهناك مثلاً كلمة (سلام) التي توجد في أكثر من 20 لغة، إن تأثيلها السومري يفصح عن مقطعين أساسيين كوّنا أولاً كلمة silim السومرية بمعنى السلام والتحيّة. وهما sil، بمعنى: فرح، سعادة، و lum بمعنى زاد ونما وربا وامتلأ وأخصب، وهي التي استقرت ايضاً في العربية (لمْلمَ)، فكلمة السلام العربية المستخدمة للترحيب والتحية هي بالمعنى السومري: عمّ بهجةً، أو فلتمتلئ حبوراً أو زدْ سعادةً. وهكذا، لقد خصصت الفصلين الرابع والخامس من الكتاب لكشف وتوضيح هذه التواشجات.. بل إن بعض الكلمات الواردة في القرآن غير المتفق حولها والتي اختلفت فيها التأويلات يمكننا تأثيله سومرياً باستظهار مقاطعه الأساسية واكتشاف دلالاته أو معناه العام.
- ألا يقلّل ذلك من قدسية اللغة العربية؟
- على العكس تماماً، المسألة ليست في القدسية من عدمها، لا يمكن تحويل اللغة إلى دين، الدين لا يوجد خارج اللغة، لكن اللغة توجد خارج الدين، اللغة أعم وأشمل من المعتقد، أما تحويلها إلى دين، فذلك يعني أننا ننكر أصلية الدين وإمكانية أن يوجد خارج اللغة، عموماً هذه مسألة فلسفية أكثر مما هي ذات صلة بالبحث اللغوي المجرد، إذا أشرت إلى ظاهرة المقطعية في اللغة العربي فأنا لا أصيب قدسيتها، إذا كان ثمة وجود لهذه القدسية، عندما أطرح هذه الفرضيات أنا أؤبّد اللغة العربية، أجعلها أزلية وأبدية، أجعل مصدرها ضارباً في التاريخ السحيق، كتابي ما قبل اللغة يجعلها أيضاً تمضي إلى المستقبل السحيق. إذا جئنا إلى منطق اللغة لا شيء يقع خارج اللغة العربية، نحن العرب نمتلك مفتاح هذه الخريطة، ونستطيع أن نخبر العالم بأحقابه القديمة، لا علاقة للدين بهذه الحكاية، هذه حكاية لغة وعلم ومعرفة وخبرة بشرية على الأرض لا في السماء.
- لكن اللغة العربية الآن تواجه تحديات كثيرة!
- صحيح، أعتقد أن العرب لا يستعملون الان أكثر من عشرة بالمائة من لغتهم.. هذه جنايتهم على أنفسهم، في المستقبل غير البعيد لن يفقه العربية الفصحى إلا الذين يدرسون القرآن، بالرغم من أن القرآن جاء بلهجة جامعة من لهجات العرب ثم سادت وانتشرت دون أن تنفي غيرها من اللهجات، أما الآخرون الذين يميلون إلى التبسيط فإنهم لا يقومون إلا بنقل الأساليب الغربية إلى الكلام العربي، هذا العبث يقتل العربية من جهتين، الأولى أنه يغيّب معجمها الحقيقي، والثانية أنه يستبدل أسلوب العرب وطرقهم في التعبير بأسلوب أجنبي مختلط.
- بعد هذا العمل (ما قبل اللغة) ما هي مشاريعكم القادمة؟
- لدي الآن أربعة كتب جاهزة للطبع، ملوك سومر، واللغة السومرية، والمعجم السومري العربي، وهو أول معجم اشتقاقي في حقله، وأخيراً هناك كتاب التجريد، وهو يتكون من 15 جزءا كما أتوقع، سوف يصدر الجزء الأول منه في العام القادم، وهو مسح لغوي أقوم فيه بتجريد جميع الجذور العربية كما حفظتها لنا أمهات المعاجم بمقابلتها بأصولها السومرية والأكدية، وأتوقع أن أصرف له سنواتي القادمة، فإذا تولت مؤسسة للنشر أو البحث رعاية هذا العمل ربما استغرق ثلاث أو أربع سنوات. وعلى كل حال سوف أصدر الجزء الأول في العام القادم. وأتمنى هنا أن أتمكن من تأسيس ورشة أو مخبر لغوي يعمل على هذا الأساس، أعتقد أن هذا العمل يتجاوزني كجسد له إحداثياته الضئيلة في الزمان والمكان، أنا أنتمي له في الحقيقة كروح، روح في البحث والمعرفة، علي أن أقول هنا أن اللغة العربية محيط لم تبحر فيه حتى الآن سوى قوارب صغيرة، محيط بالمعنى الذي ذهب إليه مجدالدين الفيروزبادي عندما سمى معجمه القاموس وجعل عنوانه (القاموس المحيط والقابوس الوسيط لما ذهب من كلام العرب شماميط). لقد أدرج كلمة قاموس وهو يعرف جيداً أنها ليست عربية متداولة، هي كلمة لا صلة لها بمعنى القاموس الذي نعرفه الآن، هذا نوعٌ من التأسيس في اللغة لا يلتفت إليه الباحثون كثيراً.
- تنوعت مؤلفاتكم ومجالات اهتمامكم بين الأدب والانثربولوجيا والسياسة والبحث اللغوي، وكما يبدو فأنت تطرح نفسك بشكل موسوعي غير متخصص؟
- الموسوعي والموسوعية لفظ يحيلنا إلى القرن الثامن عشر وتاريخ الفلسفة الفرنسية، لابأس، سوف أدّعي أن هناك خيطاً رفيعاً يجمع كل ما كتبت وينظمه في نسق واحد، سوف تجدين أن العودة إلى سومر هي عودة دائمة متكررة في كتابتي.
- تعني عودة لغوية؟
- نحن صنيعة اللغة، نحن أبناؤها، أو هي سُكْنانا بتعبير هيدغر، إن الأساس في الاختلاف بين البشر هو اختلاف ألسنتهم، الصراع الحضاري الذي نشهده الآن والذي يصيب كياننا كان في البدء صراعاً لغوياً. ياقوت الحموي في لحظة رائعة بينما كان يصف قوماً من الأقوام قال: "لسانهم كل لسان"، هل تتوقعين أن قوماً من الأقوام يتحدثون ألسنة الأرض، أعتقد أن السومريين كانوا كذلك لأن لغتهم هي التي شكّلت وكوّنت اللغات واللهجات الأفروآسيوية، بل كانت أهم محطّة أيضاً في هجرة اللغات الهندوأوروبية التي أفترض أن تكون قد تأثرت بالسومرية، لقد أنتجت اللغة السومرية هذا التنوّع من خلال المقاطع الجذرية المؤسسة لهذه اللغات، وهي التي شكلت المعجم العربي الذي لا يُضاهى. هذا يقيني، هذه عقيدتي، وعندما أقول أن العربية هي البداية والنهاية في التلفظ فأنا أعني ما أقول.
- لم تجبني عن الشق الأول من السؤال الأول، أية لغة هي التي ترد في عنوان الكتاب؟ هل هي اللغة العربية؟
- لا، هي اللغة في مفهومها الذي ترسخ في الأذهان، اللغة المعجمية الواضحة، الغالبية ينظرون إلى المفردات كما لو أنهم ينظرون إلى صور: مدخل، تفسير، اشتقاق، أعلام، وانتهى الأمر. أنا ضد هذا التصور الذي يحيل المفردات إلى حجارة، المفردة الواحدة خلية حية، ربما تنقسم وتتضاعف، ربما تتحد بغيرها فتنتج جملة أو عبارة، كل ذلك ينتج سياقاً. عندما نتكلم أو نكتب لا نرصف حجارة إلى بعضها البعض حتى لو بنينا تاج محل، نحن نخلق كائناً جديداً، العناصر هي ذاتها ولكنها تأخذ شكلاً جديداً كل لحظة، كل جملة أو عبارة تبدئين بها صباحك هي حياة جديدة، تشكيل جديد يعيد ترتيب تلك الخلايا ويمنحها إمكانية الانبعاث مرة أخرى.
- سؤال أخير، مَن مِن الباحثين الذين يشاركونك رؤيتك إلى تراثنا اللغوي، أو الذين تعتقد أنهم قدموا شيئاً جديداً في هذا المجال؟
- أفترض أن ما أطرحه في هذا الكتاب مبحث جديد، بل أنه يناقض اليقين العلمي السائد الآن، إلا أننا إذا فكّرنا في اللحظات المضيئة في تاريخ البحث اللغوي العربي فلا بد أن أذكر الأستاذ د. علي فهمي خشيم، أختلف معه منهجياً ولكن أعماله العظيمة وبحوثه في المصرية والأمازيغية حفزتني أن استرسل في البحث، لقد درست معاناة هذا الرجل ومثابرته الملحمية في البحث اللغوي، وأستطيع أن أقول أن تجربته هي الأهم والأخطر في إعادة قراءة التراث المصري القديم، لقد بوّأه مكانه ومكانته الحقيقية، سيذكره التاريخ كلما جاء ذكر اللغتين العربية والمصرية. والأستاذ الدكتور فوزي رشيد الذي جعلني كتابه قواعد اللغة السومرية (وهو الكتاب الوحيد في اللغة العربية في هذا الحقل) جعلني اختصر الكثير من الزمن. كذلك نائل حنون الباحث الذي اختار معبده الخاص، وأنا أحترم عمله وأجلّه. سوف أقول اختصاراً أولئك السادة المبجلين والسيدات الفاضلات الذين كتبوا موسوعة حضارة العراق، التاريخ يذكر هذا الجهد العظيم الذي بذلوه، وإذا استعرت من المعلم الكبير الصديق فوزي رشيد عبارته سأقول أن الحمد موجّه إلى (نيسابا) التي جعلت هذه المنظومة من الأشاوس تصبر وتعمل في أحلك الظروف لكي تنقذ تاريخها، بل لكي تنقذ المستقبل أيضاً.
أما من خارج الوطن العربي فإن جميع الباحثين في اللغة السومرية يدينون لجامعة بنسلفانيا التي بدأت مشروعاً رائداً هو المعجم السومري والذي نأمل أن يستمر ويتواصل لأنه لم يصدر حتى الآن سوى جزئين منه، وكذلك البروفيسور هالران الذي أتمنى عليه أن ينعطف باتجاه لغات الشرق، لأن البحث في السومرية على ما يتطلبه من رهبنة وانقطاع فإنه ليس منقطع الجذور وهو ليس معادلة رياضية مغلقة، بل هو بحث ذو تراث عظيم، تراث منحته اللغة العربية حياة جديدة، اللغة العربية معجزة دائمة نراها متحققة أمامنا كلّ يوم.