عندما دخل العلماء صالة المتحجرات، في متحف الآثار الشامل، لم تلفت أبصارهم الاكتشافات الجديدة حول وجود كائنات حية في عدد من الكواكب البعيدة. كانوا غير راغبين في معرفة أصوات الماضي، لهذا ذهبوا مسرعين إلى القاعة الجديدة التي لم يرها أحد، بالأحرى كانت مازالت سرية، ولا يسمح ألا لذوي الاختصاص بمشاهدة محتوياتها.
ومن بين هؤلاء العلماء ثلاثة فقط سمح لهم بدخول تلك القاعة. كانوا بالفعل لا يتظاهرون بسمات العلماء، لأنهم في حقيقة الأمر من أبرز زعماء العالم، على مدى قرون. ولقب "زعيم" هو المرحلة الأولى لنيل لقب "عالم " في مجال من مجالات الابتكار. ولهذا قبل أن يتفحصوا الأثر الجديد، كانوا يتذكرون ، وهم يتهامسون ، ويثرثرون ، أو هكذا بدا الأمر لجهاز المراقبة ، وهو جهاز يعمل بحياد تام خارج إطار النوايا أو الأفكار ، وهكذا جاء في تقرير الجهاز أنهم يتناولون مختلف الموضوعات القديمة حول سنوات حكمهم للعالم.
وكلمة " عالم " في الواقع ذات مدلول محدد. فالقرية، مثل القارة، والفرد مثل الجماعة، وتعني في الأخير أنهم كانوا من سادة القوم ولهم صفات مؤكدة تشير بالبنان لهم ولمجدهم، والآثار المتوفرة المعروضة في هذا المتحف الشامل تؤكد على ذلك.
داخل القاعة الكبيرة المشيدة من الزجاج الكوني المشع ، والمزودة بجميع الوسائل العلمية والترفيهية ، كان يقبع داخل مكعب زجاجي شفاف أحد أهم الآثار التي لا أحد يعرف كيف اكتشفت وكيف تم الحصول عليها ، وهو نموذج غريب الشكل ، لأنه متحرك وساكن ، ملون وفاقد اللون ، يفكر ويتكلم ويتحجر أيضاً . أنه من أكثر الآثار التي تشير بتأكيد شبه قاطع إلى وجود الحياة في القرن الماضي .. وقد كان يبدو مثل الأبله ، في تلك اللحظات ، وهو يصفي لحوار العلماء الثلاثة ، وفي الوقت نفسه كان يبدل مظهره ذاك فيتسم بالذكاء والإصغاء والفطنة.
كان العالم الأول يتحدث عن توحيد إمبراطوريته من غير قوة في بادئ الأمر. لكنه تعرض إلى عدوان العالم بآسره من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب ، فضلاً عن الإرهاب الداخلي والحرب الأهلية الطاحنة التي حرقت زهرة فتيان الإمبراطورية …وقال ان الحرب جاءت لإحلال السلام . فأما أن يحكم الشعب أو يلغيه من خارطة الوجود.
وضحكوا ثلاثتهم .. لأن الثاني أكد أنه أختار الأذكياء للبقاء فقط ، على مدى قرن ، لأنهم سيعيدون بناء العالم . الأمر الذي جعل الدهماء تدمر الدهماء كأشياء في ذاتها حسب أراء فيلسوف منقرض . فعامة السكان لهم روائح عفنة ، مرضية ، وليس لوجودهم ألا إشارة واحدة كون الأرض مصابة بالجذام الجمعي وقيل بالقيح ألانتشاري. والملك الثاني شرح لهم كيف استطاع بهدوء وبثقة ، وعلى مراحل، من القضاء على الرعاع الذين لا مصلحة لهم في الوجود ألا في تدمير كنوز الأرض وموارد الطبيعة .. ثم أنهم لا يمتلكون أية حساسية ذات شأن ، فهم في الحالات كلها ينحدرون من أصول ضفدعية وجربوعية ، وربما ليس لوجودهم من قيمة عدا أنهم يصلحون كسماد للحدائق الأميرية ولمزارع الأميرات ذات الجمال المطلق ، تلك اللائي وهبن جوهر الحجارة أسرارها واللائي لم يمسكن بأيديهن ألا روائع الاختراعات الروحية وشفافيات الأجساد الساحرة.
أيده الثالث أن القضاء على العامة، الرعاع الأنذال من القضايا الكبرى الحسنة للغاية على الرغم من أن مجلس الآلهة لم يؤيد ذلك صراحة، ألا أن المجلس الأخير، ولمرات مؤشرة في كتاب التاريخ الفريد لشيخ الدولة العتيد، قد أضطر للقضاء على الحشرات الثرثارة ، التي لا عمل لها غير افتراس الأشياء والتناسل والحروب الوسخة . لكنه حسم الشك الذي أثاره بأن القضاء على الدهماء هو من اختصاص ملك الملوك ولا يخص كبير الآلهة الجالس فوق عرشه قبل نشؤ الأجرام والمجاميع الكونية الزائلة . وبعد ذلك فأن تحسين ورفع مستويات العبقرية يتطلب مثل تلك الإجراءات العادلة بل والتي تتماشى مع قوانين التوازن الطبيعي.
كان الأثر يصغي من غير أن تظهر عليه علامات تذمر، فهو يتذكر العام الذي كانوا يتحدثون عنه ، كما يبدو ، لكنه لم يكن من هؤلاء البلداء الذين يتظاهرون بالذكاء للقضاء عليهم . كان يبدو مثل جهاز مركب ويمتلك قدرة تحليل أدق وأعقد القضايا في جزء وجيز من الوهم . لهذا راح يصغي .. ولكن من غير لذة على أية حال ، حسب جهاز ضبط المشاعر والأحاسيس والإرادة . قال الثالث أنه كان من الرعاع ، وينحدر من أحط المدن المنسية في التاريخ ، ومن حي البغاء والتفسخ ، فمدينته التي كانت تحمل عشرات الأسماء ، حتى غدت بلا أسم ، كانت تصدر أجمل بقايا العالم الى ذوي الثروات اللا محدودة .. فصناعة البغاء من أرقى الصناعات النموذجية في ذلك العصر . والبغاء بهذا الهدف ، كما شرحه باختصار ، هو تكوين أمة من غير أب محدد ومن غير أسماء . فكل فرد هو رقم خاص ، يعّرف به ، وهذا الرقم يتغير بين فترة وأخرى حسب أوامر الدولة الحديثة.
وقال جلالته أنه بلا أب ، ولم يكلف نفسه أي جهد ألا للافتخار بأنه لا ينحدر من صلب البغاء ، فهو رأى في نومه إلهة الجنس والشهوات الحادة تحدثه عن ضرورة القضاء على الأب الواحد وان يتسلم هو مقاليد أمور الدنيا . وفعل ذلك عن طيب خاطر . وبعد عقد من الزمن قضى على البغاء وحول النسوة إلى بنات وأمهات شرعيات يحملن رقمه الملكي قبل رقمهن الخاص . وللحق فرح الشعب لتلك الشرعية التي تحدث لأول مرة مثل معجزة السكن تحت الماء وبناء قصور جليدية فوق رمال الصحراء. وهكذا تم القضاء على فعالية الجسد.
لكن الأول تساءل : والعالم الخارجي كيف تخلى عن مصالحه الكبرى تلك ؟ أحباب الملك الثالث بثقة لا توصف ألا بأنها ثقة عالم : في الواقع كانت هناك خطة محكمة . في البدء جعلت البغاء يزدهر مثل العشب في الحدائق .. ورحت أزود الدنيا كلها بالحسان من الأنواع المحسنة ، لكني ، بذكاء خاص ، بذرت في كل واحدة منهن ، بلا علمها ، أو علم الأجهزة ، بذرة الذكاء . وهكذا استطعت في زمن وجيز ان أخلق مجاميع كبيرة من الأذكياء في الدنيا الفسيحة . وهؤلاء ، بسبب ما كان يسمى الوعي ، اخترعوا لعبة الربح والخسارة .. فقضى على عالمهم كله ، ومن سلم منه ، أدرك أسرار البلاء ، فكف عالمهم ذاك عن طلب بضاعتنا . وفي داخل جسدي النوراني أخذت الأعضاء الحيوانية بالتبلد والتلاشي .
هز الأثر رأسه وتذكر خموله الجنسي عندما كان يعمل أميراً للقحبات الشرسات الملونات اللائي كن يضاجعن عدة ملوك في سرير واحد وفي زمن واحد وبلذة من أخلوا سبيله من الحرب.
وتذكر تفاصيل الحرب الأهلية والدماء التي تحولت إلى قصائد والسكاكين إلى بشر يتجولون في الشوارع . لكم مات من البشر بدافع اللهو وحب اللعب واللامبالاة . لكنه لم يظهر علامة ندم . فهو الآن يسيطر على وعيه بعد أن فقد امتيازاته كلها . أنه كتلة لا أحد يعرف مكوناتها ، وكيف تحولت ، من الكم إلى النوع ، ومن البسيط إلى المعقد ، لتتخذ هذه الهيأة ، وهذا الجوهر النادر . وهو نفسه لا يريد مجادلة ذاته في ماضيه أو مصيره . فليس المصير ألا أحد مظاهر البلادة . إنما كان كمن يقلب في كتاب بعد ان فقد جميع الأشياء ، ومثل عجوز يلعب بالوحل بعد ان كان يقود العالم كله . هو ذا يقبع داخل مكعبه الشفاف لا يراه ألا قلة من كبار بناة الكون . ألا ان هذا لم يكن أحد دوافع رضاه أو مسرته ، فهو لم يعرف السرور، ألا أنه مثل هؤلاء العلماء أو الحكماء في العالم لم يغير عاداته الشرطية لأجل تحرير الذات ، بل جعلها تستجيب لعمل ما بدون صرف طاقة إضافية .. فهو مثل من تبرع بأشياء لم تخلق بعد . أنه بإيجاز غير مسمى ولكنه لا يثير البغضاء العابرة ، وإنما يكمن رضاه الغامض في قدرته على اكتشاف ورؤية ما ستكون عليه مجريات الأمور في نهايتها .. وهذا أيضاً لا يدفعه إلى القنوط، على الرغم من تبدل حاله وعدم أيمانه بالجمود الجمالي أو بما تصدره الدهماء من رعونات هتافية طائشة هي أشبه بعراك وشتائم عاهرات القرون المنقرضة، واحدة تندد بالأخرى ، أي بأسرار عملها وغير ذلك مما يحدث في شجارهن عند انتصاف النهار ، قال الجهاز ان هذا كله لا يدفعه إلى القنوط أو اليأس ..لأن خلاياه، إن كانت له خلايا ، تعمل حسب نظام مغاير لمسالك البشر من الرعاع أو الرؤساء أو من أصحاب الثروات اللا محدودة . وهذا هو الأمر الذي جعله من أكثر التحف ندرة في الأزمنة كلها. بل قيل أنه لن يتكون أي مخلوق يماثله بسعة الإطلاع وأداء الأدوار والتفرد في كل مجال يندر ان ترى فيه أكثر من عظيم واحد . لقد كان رضاه مثل قائد جيش يعود منتصراً إلى بيته بعد ان فقد آخر جندي في وحل الهزائم ، ثم يتناول طعامه مع كلبه أو قطته ، ويداعب طاووسه ، ويرفع سماعة الهاتف آمراً بتشكيل جيش جديد ، فيأتيه الرد مربكاً ألا وجود للرجال والشباب والفتيان في الأمة ، كلهم ذهبوا لرفع رايات الاستبسال ولم يعد منهم ألا القائد . فيرد بحزم بضرورة تجنيد الأطفال . ثم يغادر منزله مودعاً كلبه وقطته وطاووسه لشن واستكمال واحدة من أكبر صفحات الحرب .. لأن الحرب لديه ، أي لدى الأثر ، مثل من يكتب بقلم أسود فوق ورقة سوداء في الليل . أنه هو تعريف الشعر الذي أدلى به لما كان يقود الشعراء إلى منصات الكلام والخطابة ، يوم كانت الملاهي والخمارات وبيوت الدعارة تشيد لصق المعابد وبيوت العبادة فيما لا يوجد بينهما ألا منازل سرية لانتزاع الاعترافات ، ذلك لأنه لا يوجد ولن يوجد ملاك لم يقترف الشر أو لم يكتم في أعمق أعماقه كراهية للملك أو الأمير . أنه عاش حتى أصابه الملل . وعرف الضجر إلى درجة إن الأشياء تساوت عنده، ومات بكل الطرق كقديس وكملعون وكشهيد وأكثر ما تكون عليه القذارة حتى ضجر من الموت . ومع ذلك كانت جذوه البقاء لا تفارقه ، فتقوده من متحف إلى متحف .. ومن وطن إلى وطن .. ومن كوكب إلى كوكب. لم يعرف الاستقرار الروحي أو الجسدي .. تزوج نصف عذراوات الأمة وهجرهن من غير فقدان العثور على امرأة تماثل وجود فردوس في العدم . وعلى كل فهو في كل مكان ، ويثير في الناس هذا الفضول ، كما هو الآن لدى العلماء الثلاثة وهم يتفحصون أجزاء هيأته المتحركة في سكونها ، أو يتأملون سكونه العاج بالصخب والعويل كأنه آت من أدغال المجاعات أو كأنه خرج تواً من اجتماع كبار الآلهة.
وجلسوا أمامه فوق دكة نصف دائرية . وكان الأول يتحدث عن مشروع كتاب ، سيكون أعجوبة دهره ، عن خفايا هذا الكائن العجيب . وقال الثاني أنه أكمل الفصول الأولى مسجلاً فيها نوادره ومعجزاته وخوارقه ، مؤكداً أنه لم يعرف الاستسلام أو بلوغ درجة ما تحت الصفر ، فهو مخلوق أشبه بكل الأشياء في شيء واحد ، وهو لا يختلف عن الشيء في كل الأنواع . لا ينحدر من أصل واحد، ولا يقود إلى حتمية أخيرة. فهو فاق الملوك كلهم وبز كبار قادته ، يبتلع الأمم مثل ديناصور يفترس صغار الفيلة الواهنة . يغير حركة الأرض كما يشتهي ، ويبدل مسار الأجرام إذاً ضجر ، ويشعل الشموس عندما يصاب كلبه بالبرد ، لا يعرف فكره الوهن ، يتوقد عندما يعم الجمود الناس ، ويكون الأول في كل سباق رياضي حتى لو لم تكن هناك العاب أو بطولات . يخترع العقاب قبل وجود الضحية. ويمنح العفو للآثمين قبل وجود الآثم . يعزل الليل عن النهار ويمزجهما مثل تناوله لخمر معتق بنكهة اللا زمن ، ينجب الحكماء من غير رحم ، ويخترع أشهى الثمار من غير زرع ، لا حجم له ولا ثقل ..
وقال الثاني أنه ، أن صدر كتابه هذا [ الأعجوبة النادرة في مسالك العجيب النادر ] يكون قد أكمل الشوط الحاسم في تحديد أخلاقيات الإنسان. وقال الثالث بأنه أكمل كتابه قبل زيارته المتحف .. ألا أنه حرقه لأنه سيكرس ما تبقى من خلايا دماغه لإعادة بناء فصول الكتاب حسب المعلومات المضافة ، وهي في الواقع ، قالها بثقة ، تفند ما سبقها ، كأن الإنسان في الألف القادم لا يمت بصلة ما لعناصر تكوينه الأولى .. وهذا أكيد – قال – لأننا قد شرّحنا جثمان جسد الماضي الزائل وخرجنا بحكمة أننا سنُشرح أيضاً . أنها مشارط تعمل بدافعها المجهول إلى المجهول .. فليس في الحكمة حكمة أكثر مما في الجهل من جهل أعمق.
كان الأثر ينظر بروية وبحكمة من تجاوز الحكمة . ولا يعود إلى ذاته الخفية ألا لتلبية نداء لا يعرف سره أحد .. ولا أي جهاز من أجهزة التنصت . كان مثل طفل يتيم في مجاعة يضع رأسه فوق زجاجة ، ويضغط أنفه فوقها ، ليثير عند العلماء رغبات بالسخرية لا يكمن مغزاها إلا داخلها.
ثم فتُحت الباب التي دخلوا منها . لم يكن فيها مفتاح أو قفل . كانت تعمل مثل الإرادة بغموض العبقريات التي لم تولد بعد . ودخل منها كبير العلماء ، وهو ملك الملوك ، وأمير الأمراء ، ورئيس الرؤساء ، وإمبراطور الإمبراطوريات كلها ، ووقف أمام التحفة ، قدام الأثر الذي استفزه مثل هذا الحضور . نهض العلماء الثلاثة كنسوة ضبطن يمارسن الدعارة مع الخصيان .
قال هذا هو الذي له ألف لقب وصفة وشارة واسم ونوع دفعت بالعلماء الثلاثة يولون الأدبار.
فقال الأثر من داخل قفصه الزجاجي الشفاف:
- لابد أن مهمتهم قد انتهت.
- أجل يا ولدي .. فلكل منهم وسام ما أن يناله حتى يدفن معه وهم نالوا أوسمتهم . ثم لماذا تسألني وكأنك تدفعني إلى موقع الغباء .. ألا تعلم أني لا أحب المزاح .
فقال الأثر بمرح جاد :
- أننا نعرف بعضنا جيداً .. مثلما نجهل ، بدافع المعرفة وأتساع الرؤية ضيق الأفق ، وقلة الحيلة ، وعسر عمل اليد للخير ، أنت تعرف ماذا فعلت في كوكبنا ، وما آلت أليه الأمور ، هو ذا أنا نموذجك الأخير ، المدهش ، الذي صفق لك حتى بات بلا يدين ، والذي مدحك حتى غدا بلا رأس . بايعك في السراء والضراء .. هو ذا أنا نموذجك الأخير، .. هو ذا أنا .. إنسانك الأليف الجميل الجديد داخل سجنك الشفاف تمنحني فرصة مشاهدة التحف والآثار الملقاة تحت السجن الأكبر ، في فضاء السجن الزجاجي العظيم . صدقني أني لا أتضرع إليك ، إنما لماذا خربت العالم والكون وأنت طالما منُحت فرصة عمل البدائل ..
وكان الأثر يعرف لا جدوى الكلام. فغاب عنه الوعي لحظة وجيزة تذكر وشاهد وعاش آخر أزمنته ، قبل ان يصبح نسياً منسياً ، في هذا المتحف الكبير، لحظة واحدة كأنها الزمن كله.
وكان الإمبراطور ، هو الأخر ، يذكر آخر أيام الحصار عندما أعلنت مجموعة الكواكب البعيدة ، والمخلوقات الفضائية التي تنحدر من دم بشري ، ذلك التهديد بتدمير الإمبراطورية . لقد أعلن يومها بصفاقة – حسب الآراء الحيادية – بأن الأخلاق هي مركز نبل الكائن البشري .. وفي الواقع كان يتمتع بلذة إذ يرى جحافله تغطس في الوحل . حتى ان عقلاء الناس من كبار العلماء – وهم من الملوك الصغار والأمراء أو من مؤسسي البغاء المقدس – شرحوا إليه استحالة الخروج بأمر يذكر . فقوة الكون الجبارة ، بالرغم من غموضها ، ستغير نظام الطبيعة. ليس ثمة جبال أو أنهار أو بشر يتمتعون بامتيازاتهم القديمة ان لم يركعوا لجبروت إرادة الكون الكبرى . لكن الإمبراطور ظهر في أعظم ساحات البلاد وناشد أجياله ، بما فيها تلك التي أبادها قبل قرون ، وطلب من الموتى الأبرياء قبل تسيده الوجود ، إبداء الموقف الأخير : التنازل أو القبول بالعدم . فالتهبت الأمة بنار غامضة تؤيد الفناء والعدم . فالناس ، على مدى قرون ، اكتسبوا غرائز الإرادة الإمبراطورية الجبارة . لا أحد يمتلك رغبة الحوار أو الجدل . فقد ذهب زمن الملك الذي أراد إشعال النار في المستعمرات عندما أدرك أنها ستحرقه أولا ً بأول ، ففضل الذهاب إلى النوم بدل إعلان الحرب أو الثورة التي لا شك أنها ستكون فاتحة الحرب الأهلية . وولى زمن المرأة التي تحمي نبلها ، وأي نبل هو ذاك ! بالحرب أو بالدفاع عن النفس ، من أجل احتكاك قطع متأججة سرعان ما تخمد . لقد فضل الإمبراطور ان يدخل التاريخ من نافذة مغلفة على ان لا يجد أي باب لخلاص روحه الشائكة . كان هو الأخر يعلن ، مثل أسلافه ، عن سريان الدم المبارك الإلهي فيه، وأنه عاش أزمنة طويلة مع رئيس الكهان الذي قاده إلى كبير الآلهة ، وهذا الأخير ، كما يقال ويردد كل شرفاء الناس والسكيرين في محافل العالم ، حمل أوامر كبير الآلهة محمل الجد .. فأراد قيادة الكون بالنور الرباني ، بعد ان جعل التاريخ يتأسس بالأحلام . وبالفعل استطاع كسب أراء جميع الناس من المعارضة أو من زعماء مبدأ الريبة . وقاده النجاح إلى نجاح بلا حدود ، فصفى حسابه مع الزعماء الكسالى ، ودمر آخر قلاع أمراء النزوات والشهوات الآنية ، ومسح من الأرض كل أثر يمكن ان يتركه الفقراء أو الأغنياء ، ذلك ان العام يولد حقاً عندما تصير المساواة هي ساحة سباق للفكر الوقاد . وفي الواقع لم يكن الناس يتعبون في فهم خطاباته الجبارة التي يستمر غالباً في إلقائها عدة أسابيع ، لأن كل إنسان يمتلك جهازاً معقداً يشرح له بكلمات بسيطة فحوى البلاغة الإمبراطورية . ثم ان الناس جميعاً هم جنود في أكبر جيش وجد في الكون حتى آخر ساعة في عمر الإمبراطورية : جيش يتحرك مثل فلك في مسراها. ولم يصدق الإمبراطور أو يشك أنه في يوم ما من الأيام سيرى جيشه يسبقه إلى الفناء . لكن الحصار المذهل والغريب كان أقوى من كل تصوّر . فإذا كان الناس غير مكترثين للتهديدات بمنع الهواء والنور والماء عن الإمبراطورية ، فأن جلالته أعتبر النصر قد كتب بزمن أقدم من وجود الأعداء أنفسهم.
وعلى كل فقد سلح شعبه بكل أسلحة الأحلام والأساطير ، ثم أنه كان من المخلوقات التي لا تعرف ألا التقدم . حتى أنه برهن في الحفل الأكبر ، بحضور نصف مليار معارض لحكمه كانوا يرددون : وماذا بعد التقدم إلى أمام .. إلى أمام .. عن قوته بحرق هؤلاء دفعة واحدة في الفرن الأعظم وتحويل نصف مليار معارض الى كتلة صغيرة من الرماد رماها إلى العدم .
وفي ذلك اليوم أيضاً الذي سبق فناء الإمبراطورية جاء بمعجزات منها أنه أباد سكان عاصمة مجاورة له من عير استعمال لأي سلاح تقليدي أو بالإمكان ان يرد في الذهن . فقد أزالهم بأشعة من عينيه . وبعد قليل أسر سكان البلاد وجاء بهم جميعاً ووضعهم فوق مائدة الطعام وحولهم بعد قليل إلى نمل وصراصير .
رفع الأثر رأسه وهو يستمع إلى كلمات الإمبراطور ، ثم عاد إلى وضعه السابق.
لكن الأيام كانت سريعة الجريان .. وعندما دب التعب إلى روح الإمبراطور أدرك ان الانتصارات لها أثر مدمر أكثر مما تفعله الهزائم حتى قال بعض السحرة كلمات غامضة أعترف بها كبيرهم قبيل حرقه في كأس الخمر بأن أحلام جلالة الإمبراطور غائمة ، وأنه صار لا يقدس ألا الأشياء التي لا وجود لها . كذلك كان هذا هو موقف العرافات التاريخي حيث أعلن عن تساوي الشر مع الخير ، وأن دهراً لا حساب له من الزمن والصمت سيمضي على الوجود قبل ان يظهر المنقذ . وكانت العرافة الكبرى ، وهي ابنة الإمبراطور التي كتب لها الخلود قبل ميلادها لأنها ولدت من العدم بعد ان هبط كبير الآلهة إلى المعبد المقدس وضاجع أمها سبع ليالِ فيما كان الشعب يحتفل بذلك الزواج الجليل ، قالت ان الآلهة يزعجها ان بعض الملوك أفرطوا باستعمال صلاحيات الآلهة حتى دنسوها وكادوا يشنون الحرب ضدها ، كما فعل الإمبراطور ذات يوم لكنه هزم قبل ان يشن الحرب ، لأنه كان يشم رائحة موته مثلما كان يعرف ، ويحرس ، بطرق شتى ، مصائر الناس تلك حتى قبل ميلادها . وقالت العرافة الكبرى ان جلالة الإمبراطور غير قادر على تجنب قدره بعد الآن . وإنما عليه ان يذهب هو وشعبه إلى العدم وكأنه يذهب إلى مرحاض . صفق لها جلالته لكنه أمر ان توضع في قفص مع كلاب جائعة . وكان ذلك من الأيام المشهودة التي كتب عنها الكثير ، وتناقلت أخبار الواقعة جميع وكالات الأعداء التي كانت تصور المشاهد عن بعد مليارات من السنين الروحية . وللحق فأن السنة الروحية لم تحسب بالدقة مثل السنة الضوئية ، ألا أنها في الحالات كلها تساوي حجم الكون كجذر روحي في استغراق مرور الزمن ، وتلك معادلة لن يحلها أحد في جميع الأحوال : ولكن أخبار ذلك الحدث الجلل بدأ عندما نهضت زوجة الإمبراطور الرسمية ودفعت بجسدها البلوري إلى الكلاب .. بعدها ، حسب أدق الوثائق ، لم تبق امرأة في الأمة لم تفد نفسها وتستشهد من أجل العرافة الكبرى التي كانت بمصاف كبير الآلهة في الأعالي . كان الإمبراطور يضحك لسبب واحد وهو يتساءل أين تذهب تلك الأجساد بينما الكلاب تحافظ على أجسادها النحيلة الرشيقة . فقال كبير الوزراء أنها غير قابلة أو لا تمتلك الاستعداد الغريزي للسمنة . فغضب الإمبراطور كثيراً مما جعله يطلب من كبير الوزراء ، مع عصابته الوزارية ، وكل العوائل ، والأتباع ، حتى الدرجة الألف ، الذهاب إلى الفرن الأعظم .. فرن الموت .. ثم سمع كلمات تفسر الأمر: صدرت عن حارسه الشخصي ، بعد ان فشل الجميع في إرضاء جلالته .. فقال الحارس بأن تلك الأجساد تتحول ، حال دخولها القفص ، إلى ذرات روحية ، ومثل تلك الذرات ، كما في العدم ، لا وزن لها ولا أبعاد ولا أثر ، فهي مثل الشيء الذي لا وجود له لا في الماضي ولا في الغد ، فصفق الإمبراطور له وسأله:
- لماذا جعلتني أضحي بشعبي كله إذاً ؟
- لأني قلت ، يا جلالة الإمبراطور ، ما تريده .. وهو الذي يدور في ضجات روحك الشفافة .
- حسناً .. حسناً .. أغرب عن وجهي ..
فهتف الحارس الأمين :
- إلى أمام .. إلى أمام .. إلى أمام ..
رفع الأثر نفسه وقال يخاطب الإمبراطور:
- لا أحد يعرف .. أهو مصيري الذي يدعو إلى الأسى ، أم هو مصيرك أنت ؟ أنت خربتنا كلنا .. وخربت نفسك .. وهاهي الحصيلة .. أنك ، مثلي ، في المتحف . ربما تستطيع ان تغادر ، وتتجول في البلاد الخالية حتى من الطيور والأحلام والأساطير ، وحيداً وحيداً بين الأنقاض ، والخرائب ، لا تتذكر ، ربما لا تتذكر حتى هزائمك أو انتصاراتك ، حيث تساوت النهايات ، وتلاشت .. أما أنا فما زال خيالي يعمل ، فأنا أتجول معك أينما تذهب ، أن رقدت تراني في أحلامك ، وان استيقظت فأنا في كل مكان مخرب من هذا العالم . هو ذا الفارق ، أو هو ذا اللا فارق ، أي أنك صرت أحد العلماء ، أحد هؤلاء العلماء الكبار ، الذين فكروا في إنقاذ الناس بوسائل صارت وبالاً عليهم . هذه هي النهاية . وأنا لا أعرض قط على فتح باب هذه الخزانة الزجاجية الشفافة وتتركني أتنزه وحيداً ، ذلك لأنك ستكون معي أيضاً . أما إذا رغبت الجلوس في مكاني فأني سأزورك يومياً وأتأمل تاريخي في مرآة الأحداث . ليس من أسف ان نولد في الجحيم أو نموت فيه ، ليس من فارق ان نتكون في رحم امرأة أو في ذاكرة آلة جبارة .. وإنما في تصوّري دائماً أننا في متحفين للمزابل والأوساخ ، أحدهما هذا الذي يضم ، بلا نهاية ، إبداعاتك ، وابتكاراتك التي فاقت كل خيال ، هذا المتحف الذي سيراه ، في يوم ما ، نفر من الصبية والبنات ، وهم يلهون ، بلا استذكار ولا تذكر ، أي درجات ما بعد الذرية حولت الروح والجسد والأماني والمقدسات إلى بول عفن، إلى فراغ ، إلى أثار تخجل رعباً النطق بما عملت وما جرى لها ، وهناك المتحف الأخر ، الأرض ، والإمدادات الخربة ، البحار والصحارى والجبال التي اتحدت لتشكل أرض الرماد .. ذلك المتحف الذي يضمك ، ويضمني ، بلا جدران ، وبلا أبواب ، وإنما من سينظر أليه ، سيفقد البصر ، مثلما ، أنا وأنت ، فقدنا ، بدافع العلم والجوهر ، وبدافع إلى أمام .. إلى أمام .. الاستبصار.
نهض جلالة الإمبراطور، وبصمت فتحُ باب القفص، وردد، بصمت مطلق:
- إلى الأمام .. إلى الأمام .. إلى أمام !
1991