عادل كامل
§ الجانب العملـي :
بيد أن هذا الإنجاز لم يتحقق. أو بالأحرى، لم يترسخ خارج تلك الجهود الكثيرة التي بذلها عشرات الرواد، منذ الفنان محمد صالح زكي ، مروراً بجواد سليم وفائق حسين، وانتهاء ً بضياء العزاوي ومحمد مهر الدين وكاظم حيد ومحمد عارف.. الخ ويمكن القول، كقاعدة أساسية، أن الجانب النظري من دون جوانب تطبيقية يبقى مبتورا ً. ومن زاوية أخرى يمكن أن نتعرف على أسس الحركة التشكيلية في العراق من خلال هذه الإنجازات التي اتخذت القاعدة الفنية المدرسية ـ الواقعية، وسيلة لها في الإبداع. وان الناقد ليكاد يعجز عن ذكر التجارب دون أن يتحول إلى مؤرخ .. ! ولهذا فإن التطرق إلى أهم التجارب بحد ذاته، لا ينفصل عن التجارب المهمة. وبهذا الصدد ـ وهذا يعود ـ أو يرتبط بمشكلة لا بد أن نناقشها هنا، مجدداً ، ألا وهي مشكلة توقف الفنان عن العمل والمتابعة الفنية، أو عدم العرض والمشاركة، وهناك أمثلة كثيرة لهذه الظاهرة. بيد أن الناقد يضطر إلى إهمال بعض التجارب، أو المرور بها سريعاً. وقد يكون الناقد مخطئاً، في بعض الأحيان، لكن وجهة نظره، على أية حال، لا بد أن تلعب دوراً في هذا الأمر. إن كان بالإيجاب أو سلبا ً. ومثل هذا الدور أو الموقف لا يشكل قيمة نقدية تاريخية دون أن يكتسب شرعيته من صدقه وعمق رؤيته بمرور الزمن ، ومن خلال الدراسات النقدية الجديدة.
وإذا كنت، هنا، قد كتبت عن بعض التجارب ذات البعد النظري كتجربة، جواد سليم، أو محمود صبري، وشاكر حسن آل سعيد، فإنني لم أجد أي فنان آخر يمكن أن تتوفر عنده هذه الانشغالات، بنفس العمق والتأثير ذاته . أكيد، عبر ربع القرن الماضي( 1975 ـ 2000)، ظهرت عشرات التجمعات والاتجاهات، تجارب واقعية ، انطباعية ، رمزية، تعبيرية..الخ والكثير من المحاولات الفردية: إسماعيل الترك، كاظم حيدر، رافع الناصري، إبراهيم العبدلي وغيرهم. إلا إن هذه المحاولات، بشكل أو آخر، بقيت محدودة أو أقل تأثيراً من التجارب التي تحدثت عنها . ومثل هذا الحكم ، لا يرتبط بوجهة نظر ذاتية ، بل ينتمي إلى وجهة نظر موضوعية . وإذا كان هذا محض افتراض فعلى النقاد أو الفنانين أن يسهموا بكتابة تاريخنا الفني بشكل أدق ، وأكثر أمانة .
من جهة أخرى ، بصدد الجانب العملي – التطبيقي فإن الفنان في القطر العراقي ، عملياً ، استطاع أن يثري الواقع الاجتماعي، وان يسهم الفن في تعميق الكثير من المنطلقات الفنية، ومنها الإحساس بالجمال على سبيل المثال، فضلاً عن الأسس التقنية، الحرفية، التي شاعت بين الرسامين. بكل هذا الإنجاز المهم، حدث، على الرغم من التخلف الواضح الذي صاحب الحركة التشكيلية، وبالرغم من العراقيل التي واجهت الفنان: وسيلة الحياة: الوضع الفني/ الثقافي/ خامات الفن/ وسائل الفن/ والمعارض.. الخ فإن الرسامين كانوا ينتجون، وكان ثمة هدف يجمع تجاربهم بشكل عام. وإذا بحثنا عن أسباب هذه الحقيقة فإن حصيلة الخبرة التي تعلموها من خلال دراستهم بأوربا ، ومن خلال شعورهم العميق بالموروث الفني العربي ، وبضرورة جعل الفن قضية تأسيس لكيان فني وفكري مستقل ومعاصر ، كل هذه الأسباب تكمن وراء تلك النتيجة ، بشعور ، أو دون شعور واع . بمعنى أن الاتجاه الوطني ( السياسي ) والقومي استطاع أن يجتذب الفنانين إلى مثل هذا الموقف . فأعمال غالب الناهي ، غازي السعودي ، إبراهيم العبدلي ، ماهود أحمد، علاء حسين ، حميد العطار وغيرهم كثير ، كلها تعمق مثل هذا الموقف. وقد تقودنا إلى نتائج رائدة وذات قيمة فكرية وتطبيقية.
إننا، على أية حال، لا نغامر بإصدار الأحكام النقدية، لكننا، بالمقابل نلفت نظر المهتمين بالفن، والرسامين بالذات ، لإجراء حساب جديد لواقعنا التشكيلي ، منذ ربع قرن مضى ، على الأقل . إنها دعوى لا لتأسيس التاريخ الواقعي فحسب ، بل لخلق وتعميق الاتجاهات التي لا تنفصل ، عن بنية المجتمع العربي المعاصر.
والنماذج التي سأتحدث عنها، هنا، تعبر عن الاتجاه (الواقعي) أو المدرسي الذي يكشف، عملياً، عن طبيعة الرسم الحديث في العراق. أي عن هذا الاتجاه الحرفي أصلاً، والذي، لهذا السبب، استطاع أن يشكل قاعدة واقعية للفن التشكيلي.
فائق حســن
لم يغامر الفنان فائق حسن، بالبحث عن الأسلوب، كما كان زميله جواد سليم. فقد اختار فائق حسن أكثر الأساليب تجسيداً لفكره الواقعي. وبالرغم من التناقضات الأسلوبية العديدة التي مر بها الفنان، إلا إنه كان قد توصل إلى قناعة مفادها أن الفن الواقعي، المستمد من الحياة، هو الأكثر تعبيراً عن أفكار الفنان ، وأكثر صلة مع المتلقي.
وستكون طبيعة الرسم في العراق ، والى حد بعيد، قد خضعت لتأثيرات فائق حسن – مع زميله جواد سليم – وهذه التأثيرات لم تأت من خلال الأعمال الواقعية الفذة ، فحسب ، ولكن من خلال بحث الفنان الدائم عن خلاصة منطقية للأساليب والتأثيرات المتعددة إن كانت تراثية أو أوربية . ومثل هذه الحصيلة عالجها الفنان ببصيرة تميزت بحساسيتها الخاضعة لخبرة طويلة ، ومدركة لمسؤوليات الفنان بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة .
فخلال رحلة طويلة ، كان الفنان قد أرسى عدة قيم في مقدمتها انجاز الفنان الواقعي، والمطالبة بتقديم تقنيات تناسب هدف الفنان من جهة، وهوية الحركة التشكيلية من جهة أخرى . فعلى الصعيد الأول عبر فائق حسن عن ذاته ، أفكاره ، أحاسيسه ، بطريقة تخلو من التناقضات الحادة ، المتباينة . وعلى الصعيد الآخر ، كانت فعالية الفنان أساسية لا في تربية أجيال من الفنانين، فحسب، بل في خلف تقاليد فنية موضوعية (1) .
وعلى أية حال، فإذا اقترنت الجوانب النظرية، والاجتهادات الفكرية، بعدد من الفنانين – جواد سليم، شاكر حسن ، محمود صبري – فإن واقع الرسم، العملي ، اقترن بفائق حسن ، لا بصفته أمهر فنان موهوب، وأستاذاً كبيراً في صناعة العمل الفني فحسب، وإنما لأنه كان رائداً للواقعية في الفن التشكيلي . ومثل هذه الواقعية ، لا يمكن أن تكتسب كل هذه الأهمية دون وجود نظام فكري واقعي رصين كان الفنان يجسده
بأعماله، بدل أن يتحدث عنه، نظرياً، ويحوله إلى اجتهادات فكرية خالصة، ومن ناحية أخرى، فإن دراسة هذه الواقعية لا بد أن تقودنا إلى فهم الأسس التي أعتمد عليها الفنان ، تلك الأسس الموضوعية في فهم البيئة وتجسيدها فنياً ، وسيأتي اليوم الذي تكشف فيه الدراسات التحليلية عمق هذا المسار الذي شكل القاعدة العملية للفن التشكيلي في العراق ، والملامح الواقعية التي لا تنفصل عن الأهداف الأساسية للحركة التشكيلية عامة : أي تأسيس الفن الوطني ، وجعله مرآة أصيلة تعكس طبيعة الواقع ، بفن واقعي متطور.
حافظ ألدروبي : رسام المدينة
يمكن اعتبار الفنان حافظ ألدروبي (2) ، من أغزر الرسامين العراقيين نتاجاً، وأكثرهم قلقاً وحباً للمغامرة الأسلوبية. والدراسة النقدية الشاملة لأعماله لا تكشف عن هذا فحسب ، ولكن عن رغبة متجددة لدى الفنان بإعطاء المفهوم التجريبي بعداً حرفياً – شكلياً – لا يمكن فهمه دون فهم خبرة الفنان بتحديد أسلوبه أو اتجاهه الفني بالمعنى الأدق. ولكن ألدروبي الذي جرب أغلب المدارس الفنية، وتنقل بينها استطاع أن يكشف العديد من خصائص فنه، أي ذلك البعد الحرفي الواقعي الظاهر في الكثير من أعماله، ورغبته المستمرة باعتبار الطبيعة مصدراً مهماً لإغناء تجربة الفنان.
إن النتائج التي قدمها حافظ ألدروبي، تصب، في الاتجاه العملي للفن التشكيلي في العراق. بمعنى أدق: إن تجارب ألدروبي، رغم تباين أساليبها واتجاهها، فإنها تعكس لنا تلك الرغبة الخاصة ببناء العمل الفني، والاهتمام ببنيته، كعمل مستقل ومرتبط بحدود فنية خاصة. ومع أهمية هذه النتيجة فإن حافظ ألدروبي تمكن أيضاً من خلق (مناخ) احتفالي في كثير من أعماله، وهذا المناخ، لم يتجسد إلا لسببين . الأول: اهتمام الفنان بالبعد الجمالي. والثاني: الاهتمام الحرفي بالعمل الفني. وهناك سبب آخر أيضاً وهو رغبة الفنان بخلق (بنراما( واقعية لفنان كشف عن الجوانب المشرقة في الحياة، بدل أن يلتزم الجوانب الأخرى، المظلمة، أو ذات الطابع المأساوي .
إن ألدروبي ، صفته أستاذاً للرسم، وخلال فترة طويلة من الزمن، يعد، عملياً، أستاذاً مؤسساً للعديد من الجوانب التشكيلية في الرسم المعاصر بالعراق: تلك الجوانب التي ظهرت فيها خصائص الطبيعة، وغناها السحري، وأبعادها الجمالية أخيرا ً.
عطا صبري : الطبيعة وعناصرها الجمالية
" مادة مواضيعه من واقع العراق الطبيعي، من بيئة المدن الشمالية ومن هضاب جنوبه الممتدة نحو الأفق " كما يقول شوكت الربيعي . وأنا أتفق معه، كذلك، في أن أعمال عطا صبري تتسم بالواقعية. انها واقعية تتجاوز كل ما كان قد أنجز في العقد الثالث، وهي، تسير في الاتجاه نفسه الذي سار فيه فائق حسن، وفي محاولة لخلق أسلوب أكاديمي بالرسم. بيد أن عطا صبري، الذي درس الرسم الأكاديمي، سيحاول من خلال ذلك، أن يبتكر أو أن يتوصل إلى نتائج خاصة به. فمن خلال التأكيد على الموضوعات الواقعية يحاول الفنان أن يشخص البيئة. وخصائصها الجمالية. بدل أن يحولها إلى ( رمز) كما فعل نوري الراوي مثلاً. انه، بهذا المعنى، بدل أن يغامر بتقليد الأكاديميات الغربية، وجد في الأسلوب المدرسي وسيلة مثلى للتعبير عن حساسيته اللونية، التي عالجت مختلف المشاهد الطبيعية، والرسوم الشخصية(البورتريه)، والموضوعات الواقعية الأخرى.
إن عطا صبري، الذي توقف عن العرض، في سنوات حياته الأخيرة، لأسباب لا نعرفها ، لم يطور أو يتابع منهجه الفني، انه تركنا ضمن ما كان قد قدمه من أعمال واقعية. وهي أعمال قليلة إذا ما قورنت بأعمال زملاء آخرين له ، كخالد الجادر أو فائق حسن. وربما لهذا السبب أثر في عدم تعرف الجيل الجديد على أعماله. ولكنني، ضمن موضوع [ طبيعة الرسم في العراق] أجد أن الفنان، صبري، قد نجح في تشكيل عدة قيم أساسية للفن التشكيلي: قيم خاصة ببناء العمل الفني، والتأكيد على أصوله، أو الأساس الواقعي الذي سيشكل، بعد فترة، الأساس المتين للتجارب الحديثة، ذات السمة المتطورة، و الحديثة.
د.خالد الجادر : الاحتفال بالرسم
إن خالد الجادر، كرسام ، استفاد من خبرته الحرفية، قبل أن يستفيد، أو أن يوظف هذه الخبرة لأغراض نظرية. فأعماله الكثيرة التي رسمها لقرى الشمال، والجنوب ( أي الطبيعة) والحياة الجامدة، والصور الشخصية.. الخ، كلها تبرهن انه كان يمتلك رؤية فنية في حقل الرسم. أي انه يمتلك تطبيقات عملية لفكرة أساسية عنده. وتلك الفكرة لا تنفصل عن( عين) الفنان المرهفة الحس، والتي تحيل المشهد، اللوحة، إلى مهارة حرفية وجمالية معاً.
ولا بد أن نفهم، أصلاً، أن الإنجازات الرائدة لا يمكن أن تحدث من دون قواعد وتقاليد الفن الأكاديمية. فالرسم، بلا قواعد وشروط، لا يغدو إلا فوضى. وكلنا نعرف، أن ( بيكاسو ) لم يكتسب شهرته إلا من خلال إتقانه لقواعد الفن وشروطه، لأنها كانت الأساس الذي أعتمد عليه بتجاربه الخلاقة. لهذا فقد حاول الدكتور الجادر في مرحلة ليست متقدمة فنياً ، أن يسعى لخلق قواعد حرفية، واتجاه واقعي. ويمكن القول. بان أعمال خالد الجادر، بحسها اللوني، وتكوينها الواقعي في الغالب، وتوجهها السليم لخلق مثال أو نموذج للعمل المتقن، أن تكون القاعدة الأساسية للتجارب الأخرى، الأكثر تحرراً من القواعد الأساسية .
بعد هذا، فإن إهمال أعمال الفنان، لأنها مدرسية، لا بد أن يضر بالنتائج الحقيقية لواقع الرسم في العراق، فأعمال الجادر، مع عدد من الرسامين تشكلت قاعدة أو أساساً للحركة الفنية عامة، وللرسم بشكل خاص وغدت دراستها، وتأملها، وتحليلها، مسألة لا تنفصل عن فكرة تطوير الرسم المعاصر بالعراق. (3)
إن الفنان الجادر، رسام موهوب. ولهذا لم يغامر بالبحث عن الأساليب، أو الاستسلام للتأثيرات الخارجية، والهرولة وراء الجديد غير الأصيل ! إنما على العكس من ذلك، اختار السبيل الواضح: فعرف ماذا يعمل ، وأخلص للفن كأساس للتعبير عن الأفكار والرغبات الداخلية والموضوعية . وأعتقد، أن قيمة أعمال خالد، تبدأ من هنا ، أي من واقعيتها ، من التزامها بالكشف عن جماليات الطبيعة، وبحساسية نادرة، لا نجدها إلا في أعمال قليلة، لفنانين آخرين.
* د ∙ نوري مصطفى بهجت :
الرسم بصفته متعة جمالية!
لمناسبة احد معارض الفنان د ∙ نوري مصطفى بهجت – قاعة الرواق – قال الفنان محمد غني حكمت :
" حتماً سيأتي جيل ينحني باحترام وهو صامت ومتأمل في الصور الزيتية والمائية والتخطيطات التي رسمها فنانون صادقون بألوانهم وتجاربهم .. حاولوا في مرحلة بناء الفن التشكيلي في العراق أن يثبتوا مقدرتهم وإمكاناتهم في الخلق والإبداع والإصرار على الاستمرار في الرسم ، ليخطوا ، طريقاً جديداً لأجيال طويلة من الفنانين كان ذلك في الأربعينيات من القرن الماضي وقبله بقليل، أن الدكتور نوري مصطفى بهجت فيها نشوة الفنان في عالمه الخاص الصادق من خلال ألوانه ومواضيعه .. وحبه للرسم مباشرة عن الطبيعة العراقية من خلال البساتين الخضراء ولون التراب والنخيل المتعددة الألوان . كان ذلك أثناء سفرات جماعية مع شلة من رفاقه الرسامين وخاصة أيام الجمع المشهورة والمتعاقبة سيراً أم على الدراجات الهوائية أو في سيارة تسير رغماً عنها ! "
ان هذا التقييم الدقيق يصدر عن نحات متمرس .. ولو لم يكن الفنان د ∙ مصطفى مبدعاً لما قال الفنان هذا الحكم . وعلى كل إننا إزاء ظاهرة مدهشة وأصيلة في مجال حب الرسم الذي امتازت به الشخصية العراقية بمنجزها الحضاري وما تركته من علامات جمالية وفنية عميقة الصلة بالحياة.
كما يعبر عن تطلعها الجمالي في بناء حياة راقية .. والفنان الطبيب نوري مصطفى ، كما يبدو ، لا يختلف عن زميله الدكتور خالد القصاب في حبه للفن .. وللرسم على وجه التحديد . وربما هو الآخر كان يود أن يدرس ويختار الفن بدل أن يكرس حياته للطب .. إلا انه وهو يمارس مهنة الطب فترة طويلة لم يتخل عن ولعه وعشقه لفن الرسم ، الأمر الذي يجعلنا لا نشك بان المواهب الصادقة لا يمكن إلا أن تعبر عن نفسها في جميع الحالات .. وهو ضرب من البطولة إزاء حياة ليست سهلة غالباً .. فحب الفن الذي أظهره الطبيب منذ الأربعينيات وحتى يومنا هذا إشارة واضحة لموهبته وحساسيته ورهافته الجمالية.. وأود أن أقول هنا ، لا دفاعاً عن حب الحياة أو الحالة التفاؤلية التي نراها في تجارب الفنان المبكرة، بل عن الجانب الموضوعي الذي اختاره الطبيب في رسم الحياة المدهشة وفي تصوير سماتها الجمالية .. فالطبيب من أكثر الناس معرفة بالقوانين التي تخص مصائرهم، منذ الميلاد حتى الموت؛ حيث الإنسان يواجه الأمراض والعلل والنكبات .. أي الإنسان الضعيف غالباً تجاه قوى غامضة ومجهولة والتي تدفعه إلى صراع دائم ومرير من أجل أسابيع أو أيام أو حتى ساعات! ان هذه الحقيقة تنعكس في لوحات الطبيب مصطفى بهجت من زاوية تجديد حيوية الرؤية وعدم الانغلاق أو الكف عن تأمل الحياة .. وهي رؤية موضوعية لكنها تتضمن عمقاً ذاتياً يرتبط بحساسية الفنان واختياره للرسم تعبيراً عن جماليات الحياة .
أذكر بهذا الصدد ان الفنان د ∙ خالد القصاب ، هو الآخر ، يمثل هذا الاتجاه في الرؤية .. فيما نرى د ∙قتيبة الشيخ نوري أو د. علاء حسين بشير ينحازان إلى زاوية مغايرة تماماً في مجال النظر والبحث عن هذه الحقائق. وعلى العموم أن هذا التنوع يفصح عن حقيقتين : حقيقة أن الحياة تبقى بلا حدود .. وحقيقة أن الذات المبدعة لا يمكن أن تكون منغلقة أيضا ً. وقد نجح الفنان الحكيم مصطفى في بلورة رؤيته بالتعبير عن الدهشة المستمرة إزاء حقائق الحياة الجمالية : الغابات .. الطبيعية الألوان .. والأسرار الكامنة في موسيقى أكثر الأشياء وخصوصاً وغموضاً.
ولا أريد أن يقال ماذا سأكتب عن ( بونار ) مثلا ً ؟ لكني أقول أن كفاح الطبيب المغرم بالرسم، يستحق منا وقفة شاملة ذات مغزى على الصعيد العام للتشكيل الحديث في العراق، وعلى المستوى الشخصي، واعتقد أننا لم نفعل!
ولنستمع إلى كلمات زميله الطبيب، والفنان خالد القصاب حيث قال :
ـــ " لا تدع لي الصداقة الحميمة في خضم الأيام والسنين ، مجالاً لأن أكون ناقداً محايداً متجرداً من حبي العميق لصديقي، إلا انها أعطتني مجالاً فريداً تعرفت من خلاله على صفات (نوري) وخفايا شخصيته التي شدتني إليه ما يقارب من نصف قرن .. ولو سألتني عن أهم هذه الصفات لأجبتك صفة الإصرار، الإصرار المستمر، بدون تهاون أو هوادة، لتحقيق ما يراه صائباً، بفكره وبعينه: إصرار يزيده قوة .. الإخلاص والصدق اللذان قلما نجدهما في غيره ".
وهنا نتعرف على جانب لا ينفصل عن إصراره في ممارسة الرسم، درجة العشق، في تجاربه التي قدمها خلال اكثر من نصف قرن، حيث أضاف الفنان القصاب .
ـــ " يصر على تعلم الموسيقى على كمان قديم وهو حدث صغير .. يرسم الطواحين في كركوك مع صديقه زيد صالح في محيط لم يعرف الفن ، يعزف ) باخ) لطلبة الطب في الأربعينات .. ثم تجمعني معه ومع زيد جولات رسم في غابة الملك وبساتين الأعظمية .. ونجد طريقنا سوياً إلى بيت رائد ( الرواد ) فائق حسن حيث بداية جماعة الرواد مع جواد وإسماعيل وعيسى وفاروق (.
وهنا يشخص القصاب :
" وتشاء الأيام أن يتجه نوري الطبيب إلى اختصاص لم يطرقه أحد في بغداد في معالجة المشلولين والمعوقين فيدفعه إصراره العنيف نفسه لأن يهب كل وقته للعمل والتأسيس والعطاء ويترك الرسم إلى حين ! ثم تشاء الأيام ان يرجع إلى الفرشاة والألوان والإخلاص المعروفين عنه فيمتعنا بلوحات كثيرة تعبر عن حبه للطبيعة : حب بسيط وعميق وبأسلوب متميز) يظهر هذا النص ، كما قلت قبل قليل ، تطابق الطبيب مع شخصية الفنان الكامنة فيه، وبالتالي نحن إزاء حقيقة متكاملة : ان الحياة متنوعة مثلما الموهبة الصادقة لا بد ان تعبر عن جوهرها بفعل الإرادة : إرادة الإبداع .
ولعل حياته تفصح عن هذه الحقيقة ، فقد درس الموسيقى أولاً .. ثم درس الكمان في قسم الموسيقى العربية في معهد الفنون الجميلة (1941 – 1946) … وكان أحد أعضاء الفرقة السيمفونية العراقية وعضو الجمعية الموسيقية في الكلية الطبية في الأربعينات .. ثم عمل محاضراً في معهد الفنون الجميلة وفي أكاديمية الفنون في موضوع التشريح للفنانين (1959 – 1968) .. أما علاقته بالرسم فتعود إلى المرحلة الابتدائية حيث شارك في معرضه مدرسته ( المأمونية ) عام (1934) ، وحصل على تقدير لتميزه .. ثم معرض الكلية الطبية الأول عام (1944) حيث اعتبر فنان الكلية الأول .. ثم معارض جماعة ( الرواد ) (1950 – 1964) الخ .. الخ ..
وعلى أية حال فإننا إزاء تجربة تؤشر للفنان أصالته في رسم جماليات الحياة ، ودهشتها ، الأصالة التي جعلته لم يغادر عالم الفن ، عالم الرسم الذي هو عالم الموسيقى ، بعد ان أمضى سنوات جليلة في خدمة المرضى في مجال الطب .
بين الرسم والمعرفة الجمالية
ويظهر هذا في مشاركاتها المبكرة مع أساتذتها فائق حسن والشيخلي، وانتمائها إلى جماعة (الراد) وإقامتها لأربعة معارض شخصية بين عامي 1964 حتى عام 1971..
لكن الفنانة نعمة حمود حكمت ستكرس معظم زمنها لطلبتها ـ كما لبيتها ـ ففي المجال الأول كانت من العناصر الفاعلة في اغناء طلبتها بطرق البحث والمعرفة التاريخية، وإثارة أسئلة تخص الفن ومكانته المعرفية التي يتطلبها دارس الفن والفنان تحديدا ً، وفي المجال الثاني، كانت انشغالاتها غير مثمرة على الصعيد الفني... وهنا ـ كما في تجربة غالبية الفنانات ـ يظهر هذا الشرخ، وكأنها تؤكد: أما الفن.. وأما العائلة! ومع ذلك فإنها واصلت الكتابة والنشر في الحقل الفني، والتعليمي، كما مكثت تشارك في المعارض، استكمالا ً لبداياتها كفنانة انشغلت بتطوير أسلوبها، بين الواقعية والتعبيرية، واستكمال رسالتها الإبداعية في الرسم، وفي الثقافة الجمالية.
بعد رحيله .. خالد القصاب
مهارات الطبيب في الرسم والريادة
إشارة : في حدود الواقعية
لم يحترف د . خالد القصاب فن التصوير ، ولم يشغل نفسه بالإعلان عن دوره في حركة الرسم المعاصر في العراق ؛ مع انه ، كان ذاكرة تحتفظ ، مع إسماعيل الشيخلي ونوري مصطفى بهجت وعيسا حنا ، بعد رحيل الأستاذ فائق حسن وباقي أعضاء جماعة الرواد ، بأول تجربة عرض للجماعة البدائية في العراق ، أقامها القصاب في داره عام ( 1950) : الجماعة التي حملت اسم [ الرواد ]
ففي صيف عام 2002 ، في الحفل التأبيني الذي نظمته جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين ، للراحل الشيخلي ، تحدث القصاب عن سنوات تبلور أصول التحديث في الرسم ، ونضج التجارب الفنية ـ استنادا ً للموهبة والخبرة والتواضع . الكلمة الأخيرة ، عند هذا الرعيل ، وعند القصاب ، لها مغزاها في بناء نصوص تحمل قدراً نادرا ً من الوفاء للأرض ، وعزوف نادر عن استخدام أقنعة الحداثة ، موضّحا ، ان فنه ـ مع الاتجاه الذي بلوره فائق حسن والشيخلي ـ لا يستند إلى المحاكاة، ولا إلى تدمير الواقع: ثمة صلة حية بين نبضات قلب الرسام والبيئة، والبشر: إلفة، ومودة كانت تحرك بصرهم وأصابعهم لصياغة لوحات لا تتنكر، ولا تستبدل الصدق، والخبرة، بنصوص مبهرجة استنادا ً للموضة والمحاكاة، بل، قال القصاب، أن الجيل الذي عاصره ، كان يتوخى عدم الاستنساخ ، وبناء تجارب لا ينقصها التحديث .
التواضع ، مع وقار نادر ، عند خالد القصاب ، لم يستمده من صديقه فائق حسن ، ولم يتعلمه من جيل أسس ريادة مازالت أسسها تمتد في صياغة تجارب جديدة ، تحديدا ً على صعيد منح اللون مكانة تتوازن مع البناء الفني فحسب ، بل ، بالعزوف عن التعالي ، والانصراف لأداء دور البنّاء العراقي .. فالرسم ، عنده ، كما تبلور عبر جماعة الرواد ، لم يغادر القواعد ، والمرجعيات المشتركة بين الملونين ، والمصورين المشغولين بالمكان ، وتفاصيل الحياة الفنية بالأساطير والمشاهد الشعبية .
ففي استذكاره الحميم لصديقه الشيخلي ، قال : ـ " وفي سنينه الأخيرة حمل إسماعيل فوق جسمه الهزيل ثلاثة أمراض مستعصية كانت ترهقه في كل لحظة . أمراض أية واحدة منها تكفي لأن تجعل الإنسان يائسا ً من الحياة، قانطا ً، لا يقوى على العطاء أو الإبداع لكنه استمر في عمله ليل نهار حتى آخر يوم في حياته " ولا أعرف ما إذا كان خالد القصاب ، الذي ترأس لسنوات طويلة جمعيات مكافحة الأمراض المستعصية ، كان يحس بالمرض .. ام .. كان اصلب من أن يجعله علامة ضعف ..؟ في الحالتين ، وبعد مدة ليست طويلة ، وحتى يوم 22 / تموز / 2004 ، قاوم اغرب حتمية كان قد أدرك إنها تحمل عللها في ذاتها ، حتمية التحول . ولكنه ، وخلال أكثر من نصف قرن ، عمل طبيبا ً ماهرا ً ورساما ً عاصر رواد الفن في العراق ، وكان عضوا ً فعالا ً في جماعة الرواد ، أقول : لم يأخذ منه الموت إلا الذي لا يقدر أن يحتفظ به احد . ولكن مغزى الوجود ، سالت الأستاذ خالد ، قبل ثلاثين سنة ، فقال، ألا تأخذ إلا الذي ترده مضاعفا ً.. فقد كان، في رؤيته الفنية، وفي تأملاته ، وعمله الطبي، منحازا ً لجذور حضارة وادي الرافدين: اللا إيذاء .. والعطاء .. فكلاهما، قال : صنعا المتحف العراقي ، على صعيد الذاكرة ، وتجاوز المحن. وعندما حدثته عن عمل برمجيات الموت، كنظام يتجاوز الوعي والإرادة الذاتية أو الجماعية، تحدث، عن نظام الانبثاق والتجدد في توازن لا ينفصل عن نظام الكون وتكامله وجلاله.
الطبيب فنانا ً
خالد القصاب، لم يختر الطب، مصيرا ً أو مهنة، بل، لأن العائلة ـ آنذاك ـ كان لها الحسم. ومع هذا الاختيار ، بشهادة زملائه أساتذة الطب ، لم يجعل الطب محض مهنة أو وظيفة ، بل فنا ً يذكرنا بجذور أقدم طقوس العلاج: جماليات لا تعزل عن فن السحر، والاشفاء. ترى من ذا يقدر أن يبعد شبح الموت عن أجسادنا ـ لحين ـ التي صاغتها الأحلام وتفاعلات عناصر الكون وخفاياه .. خالد القصاب ترك أنامله تعمل في القلوب ، وعقله ، في مكافحة آثار الإشعاعات ومخلفات أسلحة حضارات الموت ، كي يلقي مصيره ، بعد أن ترك ذاكرة الأحياء ، تتحدث عن فن الطبيب في أخلاقياته النبيلة ، بصبر من تدرب على ســر جدل الموت والانبعاث ؛ جدل الليل والفجر . وفي هذا السياق لخص الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا تجربة القصاب بين الرسم والطب ــ : والغريب ، واللافت ، ان هذا الجراح البارع ، الذي يعرف عن التشريح الإنساني ما لا يعرفه أي فنان مهما انخرط في رسم الجسم البشري ، انصرف في رسمه نحو تشريح الطبيعة دون الإنسان ، حتى لتكاد رسومه ـ الا فيما ندر ـ أن تخلو من الناس . انه يضعنا بين الأشجار ، والمباني ، وعلى ضفاف الأنهر ، ليقدمها لنا خالصة ، صافية : خطوطا ً ، وكتلا ً ، وألوانا ً ، فتعيدنا في النهاية إلى وعينا الإنساني وروابطنا العميقة الغامضة بالمكان ، بالأرض ، بالخضرة ، بالمياه . وسواء أكانت مشاهد المدينة قائمة في بغداد أو البندقية أو أية حاضرة أخرى ، فإنها تستثير فينا صلة الإنسان بما تصنعه له الطبيعة ، أو بما صنعه هو لها : وهي صلة عشق مقيم دونّه عشق الشعراء .
إن الطبيب الجراح ، الواقعي بوقار ، جعل عمله الاشفائي سلسلة من الإجابات: أسئلة مكتومة . فهل كان فنه ، مغايرا ً أم معادلا ً أم محض ( تتمات ) لموجودات تكمل مسارها في الوجود ؟ فنه ـ هوـ وحده الذي لا يفصل الشكل فيه عن محركاته : لا قطيعة بين الصورة ـ الخارج ، وتلك الدينامية التي تكتفي بصيرورتها .. لكن خالد القصاب لفت نظري ، في حوارا ته المتأخرة، إلى اختيارات وجدها تنسجم مع وعيه : لقد رسمت هذا الذي لم يعد يكترث له الناس ! لقد أعادنا إلى زمن يسبق تشكل الذاكرة : لا بحثا ً عن سكينة مستحيلة بعيدا ً عن ضجات عصرنا ، في حدود الوطن ، أو في العالم ، بل ، للوجود البكر ، لكن زميلنا الناقد كفاح الحبيب ، في تقديمه لمعرض ( عبير التراب وسحر الأشجار والسماء ) ـ 1986 ـ ألتكريمي ، دوّن : ـ " ما الذي يصنعه فنان أرعبته الطبيعة بكل موجوداتها القائمة ، وسكنه جنون تقلباتها الفيزيائية الساحرة التي لا يدركها إلا الذين تطورت مواهبهم الذهنية عبر مران حسي طويل .. " كي تمثل لوحات القصاب ضربا ً من الإرضاء السحري : هذا التوحد مع العدو ! الغامض ، المجهول . ألا يمثل فن الرسم ،والتخفي المعلن مع عناصر الوجود البكر ، ممارسة ارضائية تتوخى التوحد، والامتنان العميق ؟ أم أن القصاب ، وهو يتأمل الأرض ، لم يكن يجد فيها أكثر من ( أنثى ) في أداء دورها المزدوج : التوليد .. والدفن ..؟ فحواء ، وحدها علمّت ادم فن الحب ، في الوقت نفسه ، وضعت الموت شرطا ً للنعيم الزائل . إنها الأنثى / الطبيعة / والأفكار ، اشتغلت شغلها وصاغت أهدافها . هو ذا الموت يكمن ممتزجا ً عميقا ً في لذائذ الصيرورة ، كأن الموت ، وحده ، لا يموت : انه القطب المغاير للزمن الوجيز . وخالد القصاب ، الطبيب المصور ، والرسام الطبيب ، أستمد ، عبر لا وعيه ، ووعيه ، مغزى بناء واقعية سحرية تتضمن كل الذي يتخفى داخلها . ألم يكن القصاب ، في عمله المتواصل يوازن بين ( سيزيف ) وبين ( تموز ) : لا ولادة جديرة بالدهشة ، والتأمل ، والعشق ، إلا التي لا يكون فيها زوالها إلا عاملا ً يجعلها جديرة بالإنجاز ، والإجلال . وإن وقار الفنان ، حتى وهو يستسلم لرحيله ــ كما استقبل كاظم حيدر برضا نهايته ــ كان يتمثل تجربة لم يكن فيها العطاء إلا واجبا ً. ألا يمثل هذا درسا ً لا ينتمي إلى جيل منتصف القرن الماضي ، جيل الرواد إبداعا ً وزمانا ً فحسب ، بل قدوة لجيل يتكون خطابه بمخيال تتوازن فيه المتضادات ؟
الراحل يتذكر
يتذكر القصاب ، بداياته : لم يكن لي وأنا طالب في سنتي الأولى في كلية الطب ، من هوايات فنية الا القليل .. نشأت في عائلة محافظة لم تعرف الفن ، حتى اتاح لي رشاد حاتم المجال للعمل في مرسم متوسطة الكرخ . ومن بعده شجعني شوكت الخفاف في تخطيطات الرسم الهندسي في الثانوية المركزية . وللأستاذين الكريمين الفضل في بداية حبي للتلوين والتخطيط .. وفي كلية الطب وجدت في زميلي نوري مصطفى بهجت ميولا مماثلة ، ووساطة للتعرف بزيد محمد صالح ، طالب الكلية العسكرية ، الذي اخذ عن أبيه صالح زكي براعة راسخة في الرسم ، وقد جمعت عائلة زيد وعائلة نوري علاقات قديمة في بغداد وكركوك . وباجتماعنا نحن الثلاثة وجدنا الاندفاع الأول للرسم سويا ً في غابة ( الملك ) قرب الباب المعظم ، كما تلمست خطواتنا الطريق الى بيت فائق حسن على مقربة من كلية الطب . )) وحول نيران الموقد في بيت فائق حسن ، وتحت سحر الألوان والخطوط والأنغام ـ يقول القصاب : تجمعنا بشكل مستمر ، يومين كل أسبوع على الأقل ، نتحاور ، ونسمع الموسيقى ، ونرسم . ويتابع : وبعد أن تراكمت أعمالنا على مر السنين ، سأل احدنا ونحن نستعرض صورنا بعد أحدى سفرات الجمعة . الم يحن الوقت لكي نعرض ما رسمناه سويا ً؟ كان ذلك في يوم من أيام ربيع عام 1950 ، وبعد عشرة أعوام من الرسم الجماعي المتواصل , وهنا خرج فائق باسم لجماعتنا هو ( سوسيتي بريمتيف ) بمعنى إننا نتوخى الفن الأصيل البدائي بدون تأثيرات مصطنعة ، وضحكنا كثيرا للتسمية وتبنيناها ، ووجدنا بعد ذلك اسم ( الرواد ) بديلا مناسبا ً بالعربية . وهنا عرضت داري في كرادة مريم لاستضافة معرضنا السنوي الأول ، وبقي المعرض مفتوحا لثلاثة أيام ، أثار خلالها اهتماما كبيرا ً في المجتمع البغدادي ، بعد خواء فني دام أربعة أعوام منذ معرض أصدقاء الفن الأخير ..
ولكن ما هي نهاية جماعة الرواد .. الجماعة الفنية الأولى التي تشكلت في بغداد .. عام 1950 ؟ قال القصاب : عند أواسط الستينات ترك فائق ( الرواد ) لمعارضه الخاصة ، وتركهم زيد محمد صالح ليعيش في صومعة أراد منها حل مشاكله الفنية التي وجدها تقف بينه وبين طموحه ، وترك محمود صبري العراق ليرسم بعيدا ً عن طريقه الثائر المأساوي . وبقي علي ّ وعلى إسماعيل والشيخلي أن نقرر فيما إذا كانت تلك هي نهاية الرواد ؟ الآن وأنا التفت إلى الوراء بعد مسيرة طويلة مع الرواد ، سقط خلالها البعض واختفى الآخر ، أحس في يدي حرارة أيدي صحبتي المتشابكة ، تتلمس خطواتنا الأرض الطيبة .. نلتهم اللون ونشم عبير التراب ، وحناجرنا تشق السماء بأناشيد الشكر والثناء للأرض الكريمة والإنسان الخير ، ولحياة عشناها حتى الثمالة ) !
نوري مصطفى بهجت : شهادة
صديق العمر، الفنان والطبيب نوري مصطفى بهجت، كتب الشهادة التالية ــ : كيف يتسنى لي أن اسطر بكلمات علاقة إنسانية مع خالد ذات غور يمتد إلى أكثر من ستين عاما ً بصيفه وشتائه ، بخريفه وربيعه ، بأفراحه وأحزانه ، هذه العلاقة التي تمحورت بشكل خاص حول الفن ، بدأت مع زميلي خالد في الثانوية المركزية ، واستمرت بالعمق ، خلال دراستنا الطبية ، ابتداء ً من عام 1940 وحتى غيابه قبل أيام .. فقد جمعت الآلفة ـ حينذاك ـ بين عدد من الهواة أمثالنا وطلاب الفن ملتفين حول الرائد الأول فائق حسن .. واثر عودة فائق إلى بغداد متخرجا من المدرسة العليا للفنون الجميلة في باريس ، حيث جعل من بيته المتواضع ـ حينذاك ـ منتدى يعمه الأصدقاء الجدد المتعطشين للفن يلتفون فيه طوال أيام الأسبوع ليتسامروا في نهايته لملاقاة الطبيعة بشكل منتظم .. ووجد ، بعدها ، الأستاذ فائق أن تكون هناك هوية لجماعته ، فأطلق عليها اسم جماعة البدائيين أو الرواد .. بصفة أن كل فن أصيل يجب أن يكون بدائيا ً ..
ويبدأ المعرض الأول عام 1950 ، وفي بيت خالد نفسه ، ثم تستمر المعارض السنوية الـ 24 .. ومن بعدها أقمنا عشرة معارض أخرى حيث تابع إسماعيل الشيخلي ــ بعد رحيل فائق ــ هذا النشاط حتى غيابه هو أيضا ً .. ولابد أن اذكر أن خالد كان أكثر الجماعة حماسة والتزاما ً بطقوسها الشديدة أحيانا ً .. واذكر ان ( منتدى ) فائق في حينه لم يكن ليرتكز حول الرسم فقط ، وإنما كانت الموسيقى العالمية ، أو هذا الضرب من الموسيقى ، يطرق أبواب بغداد حال ظهور معهد الفنون الجميلة .. كان من ضمن طقوس هذا المنتدى التمعن في تفهم معاني هذه الموسيقى الجديدة حينذاك .. ومن الغريب ان يكون عدد المنتمين لصفوف الموسيقى العالمية في هذا المعهد كان يضم نسبة عالية من طلاب الحقل الطبي ، أمثال: غانم عقراوي / يوسف عقراوي / سامي الشيخ قاسم / مصطفى إبراهيم ادهم / محمود الاوقاتي / ونوري مصطفى بهجت .. هؤلاء الذين شكلوا أول جمعية موسيقية في الكلية الطبية الملكية العراقية عام 1942 ، حيث كان خالد من أهم أعضائها الناشطين .. ويبدو لي ، شخصيا ً، ان اهتمامات خالد الفنية وتحسسه لها ، كانت عاملا ً مساعدا ً لبلورة شخصيته العلمية .. وتميزه في مهنته وعطاءاته كطبيب جراح ، وكان غيابه خسارة كبيرة ليس فقط لذويه وأصدقائه ، وإنما لجميع مرضاه الذين كانوا ينتظرون عودته إليهم .. ))
مؤشرات
عمل خالد القصاب طبيبا ً ، لكن هذا العمل المجهد لم يمنعه من الاحتفاظ بالمبادرات الفنية .. ففي فترة الخمسينات ـ يذكر شاكر حسن ـ أضحت مرحلة جديدة للجماعة البدائية التي اكتسبت تسمية الرواد منذ 22 كانون الأول عام 1950 ، حيث أقيم أول معرض .. في بيت الدكتور خالد القصاب .. وقد شارك( فيه) عدد من جماعة بغداد للفن الحديث ( فيما بعد ) كلورنا وجواد سليم . أما التسمية ( الرواد ) فقد اقترحها يوسف عبد القادر ، وهو واحد من الجماعة . خالد القصاب شرح لي هذا الموقف ، انطلاقا من استحالة جمع قطبي الحركة التشكيلية في جماعة واحدة . فبعد المعرض الأول ، بعام ، أسس جواد سليم جماعة بغداد للفن الحديث . ومع ان خالد القصاب هو العنصر الفعال في الجماعة ، واقرب أصدقاء فائق حسن ، الا ان هذا لم يمنعه من بلورة أراء جديرة بالتدوين . سألته عن الفارق بين فائق و جواد ؟ فقال : إذا كانت هناك معضلة فنية توضع أمامهما ، فان جواد كان يتمتع بمهارات يختزل فيها الزمن في وضع الحلول .. أسرع .. من الأستاذ فائق حسن . لكن ماذا عن فائق حسن ..؟ قال القصاب : انه ابرع من صاغ نسيج اللوحة الفنية .. وهو .. عن حق .. رائدنا في الرسم . لكن خالد القصاب كان قد نال أعجابا من لدن فنان إنكليزي رافق القوات البريطانية التي احتلت العراق هو ( كنث وود ) حيث قال : انه يتمتع بوضع الحلول الفنية المناسبة .. فضلا عن براعته في التلوين . وقد قال الدكتور نوري مصطفى بهجت، الذي عاش معه منذ مرحلة الدراسة الثانوية، والطبية، انه كان يستشيره في كثير من المشاكل، كي يجد لها الحلول الصائبة .. فكان هذا: دلالة على عمق تفكيره.
وقد كتب الأستاذ سجاد الغازي عام 1956 تحليلا ً نقديا ً ذكر فيه براعة خالد القصاب في استخدام الفرشاة .. بينما كان الأستاذ شاكر حسن قد تحدث عن أسلوبه الوحشي على طريقة ( فلامنك ) نجد الفنان نوري الراوي يشخص تجاربه الفنية على النحو التالي (( لا حلم هنا ولا خيال .. بل هي المداناة الأنيسة لشعر الطبيعة ، وهو يصف المطر والضوء واختلاجات النفس في حضرة الطبيعة .. ولا عجب في ذلك مادام فن خالد هو الطبيعة ، مضافة إلى الإنسان )) وهو ما ذهب إليه الخزاف القبرصي ( فالنتينوس كارالامبوس ) ــ : رسومه واضحة التعبير ، جيدة التنظيم ، نقية ، عذبة ومتحررة بصفاء من الكوابح المتأصلة في صلب المران الأكاديمي .. تعبيراته على قماشة الرسم جريئة غير مترددة ، مصنوعة بقناعة وإيمان راسخ وفي ذات الوقت فهي مكتنزة ، صادقة ومباشرة .
الذاكرة والأرض
لقد غادر القصاب مرجعيات الرعيل الأول ، رسومات عبد القادر الرسام ، وعاصم حافظ ، ومحمد سليم ، التسجيلية ، نحو أداء أسلوبي لا يغيب فيه الواقع : الفيضانات ، الفقر ، متأثرا بضفاف حداثات أوربية كانت تزحف مع النزعة التوسعية للجيوش المحتلة وما تركته من انكسار في الأعماق ، فقد كانت الطبيعة ( المكان / الذاكرة ) تعمل عملها . فالطبيعة لا تقع بعيدا عن القلب ، لأنها ، كانت جدران الوطن المشيد بنبضات قلوب السكان ، وهوية الطبيعة ، لها هذا الامتياز في النص : علامة ينجزها الوعي بوحا ً للخفايا ، ونظاما ً في البناء . فواقعيته ليست مائلة أو مقلوبة ، وليست استنساخا أو دمجا أو توليفا ً ، بل هي واقعية متوازنة بين امتدادها وعمقها ومخيال الرسام. فثمة: رائحة ، وموسيقى ، وتعرجات ، وخصائص لونية وبيئية وسكانية وثقافية تكمن متداخلة كي تنتج شفراتها المتجانسة .. واقعية نسجتها حكمة الرسام وعفويته الشفافة ، حيث صار الحلم سمة لها ، وكي تصير الطبيعة ، باختزالاتها وعلاماتها لغة تتجاوز مفهوم الإيصال نحو الامتلاء . أي حلم هذا الذي وحّد الحالم بمكونات عناصر الواقع : أشجار وجداول وغيوم لا يمكن أن تتكون إلا برهافة من عشق الموسيقى، وتولع بالشعر في الشعري، وصاغ شفافية الحلم بعناصر صلا بات ــ ومعطيات الواقع. إنها، في الخبرة، لا تنفصل عن تجارب فائق حسن ومحمود صبري وزيد محمد صالح ونوري مصطفى بهجت والشيخلي وعيسا حنا، مع إنها، تكف أن تكون إلا منفذة بيد الجراح المشغول بأدق قضايا القلب، أي ترابط بين قلب العالم وقلب الإنسان جعل من الطبيب رساما ً، ومن الرسام عاشقا ً..؟ ألا نجد في مسيرة فنية طويلة رافقت فاتحة التحديث الفني في العراق( مع أصدقاء الفن 1941 والرواد 1950 وتأسيس جمعية التشكيليين العراقيين 1956 ) كل إبداع تكاملت فيه عناصر البناء بالبوح، وبكل الذي يبقى يحمل أطياف المرور عبر أزمنة تبتكر ما هو ابعد من زوالها؟
محمد علي شاكر : مهارة الرسام ورهافته
إن صفة المعاصرة لم تظهر في الرسم بالعراق، إلا في حدود ضيقة. بيد أن هناك افتراضاً يقول بان المعاصرة مشروطة بالبيئة كواقع اجتماعي ونفسي وروحي وان على الفنان البدء من المناخ الروحي، القومي. انها فرضية قالها الشاعر الفرنسي ( اراغون ) في دراسة له عن الواقعية. وهي تتعمق عندما ندرك فكرة الصراع القائم بين العام والخاص ، بين الأساليب الأجنبية والوطنية ، بين الحقيقي والمزيف الخ بالتالي نفهم: إن الفنان في قطر حديث الاستقلال مطالب بامتلاك لغة أخرى لا تتبع النهج الغربي في المعالجات ، وحرص على إبداع وتجديد تراثه برؤية أصيلة .
إذن، فالاتجاه الأكاديمي ، الذي هو وليد تأثيرات الأساليب الأوربية ، لا بد وان يدرس ضمن الفرضية الأخيرة ، وان لا يكون الرسم ، أو مهمة الرسام، التقليد .
وقد يقال بأنني أجد تبريرات لهذا الاتجاه. ولكن الحقيقة الجازمة هنا، تشير إلى العكس: أن هؤلاء الرسامين الذين لم يجرفهم التيار الغربي، هؤلاء أنجزوا أعمالهم بمستوى تقني متقدم إلى حد بعيد، أي أنهم، على آية حال، استفادوا من الموروث الحضاري الشامل، والمرتبط بإبداع الشعوب، وأنهم استطاعوا، من خلال هذا الموروث، أن يدرسوا بيئتهم وخصائصها، في محاولة للتعبير عن وجهة نظرهم إلى العصر، وفهمهم الخاص للتراث والمعاصرة.
ان محمد علي شاكر ، الوريث الشرعي لفائق حسن ، يبدو أكثر تصميماً ، من كل رفاق جيله ، بتأسيس واقعية وطنية متحررة من القيود ، ولكن بالارتباط بقيود إبداعية جديدة !
فهو ، مثل عطا صبري ، والدروبي، والجادر، رسام من الدرجة الأولى، وهو مثلهم ، راح يتأمل في البيئة وعناصرها لخلق لوحات ذات مناخ عربي ، إنما من خلال رؤية تمتلك عدة عناصر : فالبعد الذاتي ، الاجتماعي ، النفسي ، وهذا ما أتاح له أن يستغل كل إمكاناته الفنية ، وبصبر فريد ، لتجسيد القيم الإجمالية ، والحرفية باتجاه متحرر من الأسلوب الأكاديمي المحدود . إن محمد علي شاكر ، بلا نظرية واضحة الأسس . انه رسام، بيد أن حساسيته وحبه للرسم ، دفعاه إلى معالجات لا بد أن نستنتج منها ، بعض القواعد – الأسس – النظرية . انها قواعد ترتبط بالرسم ، أي بخلق اللوحة المعبرة . ومن هذه الأسس اهتمام الفنان بالأعمال الفنية العالمية ، أولاً . ودراسة الوقائع ثانياً . ومحاولته للتعبير عن الجوانب الخفية ، الداخلية ، للذات الإنسانية.
لكن أهمية محمد علي شاكر ، تكمن ، في كفاحه الدائم لفهم شروط اللوحة الكلاسيكية ، والمعاصرة في آن : فالفنان يستفيد من عدة تيارات فنية معاصرة ، لكنه ، يخضعها غالباً لرؤيته الشخصية ، ومن خلال قدسية فريدة للقواعد . والشروط التقنية الصارمة . وستغدو، دراسة أعمال محمد علي شاكر ، ضرورة لكل طالب فن، لما تتمتع به هذه الأعمال من محاولة للخروج على القواعد الكلاسيكية ، بقواعد كلاسيكية جديدة ، ومعاصرة .
غالب الناهــي : بين الكرافيك والرسم
الفنان غالب الناهي، في الأصل، صائغ، وقد درس فن الكرافيك المرتبط بالصياغة. بيد أن الناهي لم يترك الرسم، بل راح يستغل إمكانات الكرافيك في تقنيات العمل الزيتي.
إن مشكلة غالب الناهي، لا بد وان ترتبط بالموضوعات القليلة التي عالجها، والتي كررها غالباً: المرأة، الحياة الساكنة، وبعض الدراسات للطبيعة. هذه الموضوعات، كما أعتقد، هي التي حتمت على أسلوبه أن يتطور كثيراً. لكن الناهي استطاع أن يرسم عدداً كبيراً من الأعمال ذات الإتقان الفني المتميز: فمعالجاته لمادة الزيت ، وإدخال عناصر أخرى عليها ، بتكنيك خاص، جعلت من لوحاته، بشكل عام، نتيجة بحث حرفي تجاوز بعض الشروط التقليدية. انه مثل محمد علي شاكر، بيد انه على العكس من محمد علي شاكر – الذي فرق بين الكرافيك والرسم – حاول الناهي أن يدمج الأسلوبين في أسلوب واحد، حتى تغدو اللوحة عنده، تركيبية في المعالجة، وفي الإيحاء. وأعمال الناهي، في مسارها العام، تنتمي إلى المستوى العملي، المدرسي، ولكنه، في الوقت نفسه ذات مكانة خاصة بصفتها حاولت أن تمتلك خصائصها لا على الصعيد التقني فحسب، وإنما بالتعبير عن الجوانب النفسية، بمهارة فنان أخلص للعمل الفني.
إسماعيل الشيخلـي: الرسم بروح الشعر
إن عشق إسماعيل الشيخلي، في معالجة موضوع القرية، ودراسته المستمرة للنساء القرويات والرجال، وتصميم اللوحة، واختيار الألوان، والتكنيك، يبدو لي قد ارتبط بفكرة كان الشيخلي على علم بها. إن هذا التكرار، خلال تجاربه الطويلة، يكشف عن (ملكة) خيالية حافظ عليها بطريقة فريدة حقاً. انها ملكة سحرية. يقول الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا عنه " فإسماعيل ، في تعلقه بقيمة اللون قريب من فائق حسن، الذي كان أستاذاً له قبل أن يكمل إسماعيل دروسه في باريس"، هذه مسألة، والأخرى أن الشيخلي درس الرسم في باريس وتأثر بالمدرسة الباريسية. ولكن الشيخلي، خلال أعماله الكثيرة، يلفت نظرنا إلى قضية القرية، الرمز، القرية الفاضلة، الباذخة في جمالها. والشيخلي واحد من الفنانين البارزين الذين وظفوا الأسلوب لصالح الأفكار. ولهذا السبب لم يجر الفنان تغييراً جذرياً في أسلوبه. وإنما راح يدرس ويعمق ويطور فكرة القرية عنده، كما عبر عن رمز الفضيلة والجمال والخير الكامن في ذات الإنسان. وقيمة أعمال إسماعيل الشيخلي، ستبدأ من هذه الفرضية. فرضية: أن الفن يمتلك رسالة، لا يمكن فصلها عن مثله وحياته الروحية.
ملاحظة :
على أية حال ، تقودنا فرضيتنا السابقة، إلى فهم حقيقة أن هؤلاء الرسامين ناضلوا باتجاهين .
الأول: إنهم كانوا متأثرين بالحداثات السائدة في أوربا، وإنهم كانوا يسعون للتخلص من تأثيراتها شرط الحفاظ على القواعد والأسس المنطقية للمفهوم الفني، والجانب الثاني: أن يكسبوا هذه الأبعاد الفنية طابعاً وطنياً وهوية غير مستعارة.
والجانب الأخير، بالتأكيد، كان يتماشى، ضمنياً ، مع الجانب الفكري » العام « الداعي لخلق مدرسة وطنية بالرسم: مدرسة تعتمد على الموروث في غناه، وعلى الفن الشعبي، والأفكار الوطنية، وخلق الأسلوب المعاصر، المعبر عن فكرة امتداد التراث، وليس الانفصال عنه. وهذا السعي العملي المبذول، في المحصلة ، شكل، مع الجوانب الفكرية لدى جواد سليم، وشاكر حسن، ومحمد صبري ، وغيرهم ، الأساس المتين لتجربة الرسام في العراق، خلال النصف الثاني من القرن الماضي. ويمكن القول، أن طبيعة الرسم في العراق، كانت وما زالت مرتبطة بتأسيس رؤية مستقلة ومتطورة، ومرتبطة بمجمل التحولات الاجتماعية والسياسية وطنياً وقومياً، وعامياً.
ولا بد أن أنوه، هنا، بوجود قسم ثالث من الرسامين، يقعون بين طرفي الاجتهاد النظري، والعملي، في آن. ومن هؤلاء على سبيل المثال ، لا الحصر : محمد مهر الدين ، ضياء العزاوي ، رافع الناصري ، صالح الجميعي، نوري الراوي، محمد عارف الخ ولا بد أن أعترف، أن هذا التقسيم قد وضعته لتقريب وتبسيط الصورة لأن هذا نسبي تماماً. ولأننا نستطيع أن نجد تقارباً بين فنان من القسم الأول مع فنان من القسم الثاني أو الأخير، لكنني وضعت هذا التقسيم، كما قلت، لفهم طبيعة الرسم، وطبيعة الإبداع من خلال الرسم، ولوضع فرضية قابلة للنقاش، ولتطوير بعض الأفكار المركزية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ فائق حسن : شوكت الربيعي ، دائرة الفنون التشكيلية ، بغداد 1982 ، المقدمة وما بعدها .
2 [حافظ ألدروبي] شاكر حسن آل سعيد. دائرة الفنون ـ بغداد 1982 .
3 ـ [ آفاق عربية ] : سهيل سامي نادر ، العدد الأول ، 1975 ، ص 136 .