الحفيدة الأمريكية
د.ثائر دوري
يتساءل ايمي سيزار "هل حقاً وضع الاستعمار الحضارات في تماس مع بعضها.أجيب كلا..لا تماس إنساني،بل علاقات سيطرة و خضوع "
لا تماس إنساني بين الطرفين،لكن الاستعمار يُشكل جسوراً و معابر من البشر الذين وجدوا أنفسهم بين الطرفين : المستعمر ( بالكسر )،و المستعمر ( بالفتح )،إما بحكم عملهم ،أو بسبب الهجرة،لكن هؤلاء ليسوا محايدين بل هم معبر يعمل لصالح أحد الطرفين.فإما أن يكونوا في خدمة المحتل،أو في خدمة أبناء البلد.
رواية الكاتبة العراقية إنعام كجه جي هي رواية عن العراقيين الذين وجدوا أنفسهم في المنتصف،عن العراقيين الهجينين،الذين وجدوا أنفسهم في أحد الخندقين المتحاربين.لكنهم لم يقطعوا جسورهم مع الخندق الآخر رغم حالة الصدام الفظيعة التي خلقها الغزو الأمريكي للعراق.فزينة بهنام حفيدة العقيد في الجيش العراقي التي هاجرت مراهقة مع أهلها إلى أمريكا بعد اعتقال والدها المذيع التلفزيوني بسبب وشاية كاذبه و خروجه من المعتقل محطماً عادت إلى العراق مترجمة مع جيش الاحتلال.
قضت زينة أكثر من نصف عمرها في أمريكا فتحولت بخيالاتها،و عاداتها،و سلوكياتها إلى مواطنة أمريكية تشهق عند انهيار برج التجارة العالمي،تنظر إلى ما حولها مثل سلسلة من الأفلام الخام " كل فصل أعيشه يغريني بالبحث عن العنوان المناسب له ".
تعود زينة إلى العراق مترجمة مع جيش احتلال بلدها بدون أوهام ، أو أفكار كبيرة تتبجح بها ، فقط من أجل 97 ألف دولار.و هو مبلغ يكفي لمعالجة إدمان الأخ من المخدرات و إرساله إلى الجامعة ، و أيضاً لانتشال الأم من بؤسها و غسل صدرها من سخام السجائر الرخيصة،و لا بأس بقشرة رقيقة - لن يصدقها أحد - عن الحرية التي ستذهب للمساهمة بنشرها هناك.لكن الهجانة التي أهلتها لتحوز وظيفة مترجمة مع قوات الاحتلال و لتكون جسراً يمر عليه المحتل ليست بلا ثمن " رغم حماستي للحرب أكتشف أني أتألم ألماً من نوع غريب يصعب تعريفه.هل أنا منافقة،أمريكية بوجهين ؟ أم عراقية في سبات مؤجل مثل الجواسيس النائمين المزروعين في أرض العدو من سنوات ؟ لماذا أشعر بالإشفاق على الضحايا و كأني تأثرت بالأم تريزا،شريكتي في اسم القديسة شفيعتي ؟ كنت أنكمش و أنا أشاهد بغداد تقصف و ترتفع فيها أعمدة الدخان بعد الغارات الأمريكية،و كأني أرى نفسي و أنا أحرق شعري بولاعة سجائر أمي،أو أخز جلدي بمقص أظافري،أو أصفع خدي الأيسر بكفي الأيمن "
و في النهاية تعود هي الأخرى من العراق محطمة بعد أن تطلع على واقع الاحتلال و الدمار الذي أصاب وطنها و موت جدتها،لكنها تعجز أن تعبر عما جرى لها " أقوى أفلامي يمر أمام ناظري و لا أفلح في إيجاد عنوان يليق به " فتبقى معلقة في الفراغ لا تسندها سوى بغداد " أراني على الشاشة قديسة مخزولة تحمل حاجياتها في كيس خاكي على الظهر،ترتدي خوذة صلبة و بسطالاً مترياً و تسير وراء جنود مهزومين يرفعون شارات النصر.أين رأيت مثل هذا المشهد من قبل ؟ أليس هنا في العراق،أيضاً،في زمن ماض و حياة أخرى ؟ هل تتناسل الجيوش المهزومة على خصب هذه الأرض و بين هذين الرافدين ؟"
كُتب على غلاف الرواية تعريف بالكاتبة يقول أنها "صحافية و كاتبة،مصرة،رغم إقامتها الفرنسية المديدة على عراقيتها ".و كأن الكاتبة بهذا التعريف تتبرأ من زينة بهنام و تؤكد أن هناك هجانة أخرى ناجمة عن ترك الوطن إلى المنفى الطوعي أو الإجباري لكنها ليست في خدمة المستعمر،و تأكيداً لهذه الفكرة نجد في الفصل السادس صراعا بين المؤلفة و بين زينة فكل منهما تريد أن تقول روايتها.تقول زينة " لا أرغب في الاستجابة لهذه المؤلفة اللجوجة التي تزاحمني على الكمبيوتر و تجلس لصقي،الكتف للكتف،كأننا ثنائي يعزف،مرغماً على بيانو واحد.إنها تريد أن ننقر معاً،بأربع أيد و عشرين إصبعا،قصة الحفيدة الأمريكية العائدة إلى بيت العائلة في بغداد ".تتصارع في هذا الفصل المؤلفة و زينة " تراني المؤلفة ربيبة الاحتلال،و ترى جدتي من نفائس المقاومة.أنا مجدلية خاطئة و شابة ترجم بالحجارة،و جدتي عذراء في الثمانين تحبل بلا دنس ".
في ريف الموصل بينما تمر القافلة العسكرية ببعشيقة يمتزج حاضر زينة كمترجمة مع جيش احتلال لبلدها مع ذكرياتها،فتتذكر ترنيمة جدتها "ديل..ديل...ديلاني..بعشيقة و باحزاني..."
اصطفت الفتيات أمام البيوت وهن يعدلن أوشحتهن البيضاء.تتمنى زينة أن تعمل عنهن فيلماً " حمائم و مناديل".فالمشهد يشبه أفلام الحرب العالمية الثانية حين تلوح بنات نابولي و باريس للجنود الأمريكان،لكن الفتيات هنا لا يلوحن بل وجوههن مصمتة فلا يمكن استشفاف مشاعرهن.
كيف يحدث الاتصال مع الجدة ؟ الجدة التي تجاوز عمرها الثمانين عاماً.الجدة التي لا أستطيع إلا أن أراها رمزاً للدولة العراقية الذي نشأت قبل ثمانين عاماً،الدولة التي كان عمادها و رب أسرتها هو الجيش العراقي ( الجد عقيد في هذا الجيش )،و يؤكد ذلك إصرار الجدة على إخراج بدلته العسكرية و تنظيفها كل عام في عيد الجيش في السادس من كانون الأول.الحفيدة الأمريكية لا تستطيع الاتصال مع الجدة العراقية إلا بشكل سري كأن تأتي بالعباءة السوداء بعد أن تنكر أنها تعمل مع الجيش الأمريكي بل تتذرع بأنها مع الأمم المتحدة دون أن تستطيع خداع الجدة التي لا تفقد الأمل باستعادة هذه الحفيدة الضالة بالحكايا و الطعام و الذاكرة،و تطلب معونة طاووس والدة زينة بالرضاعة،و يساعدهما على ذلك واقع الاحتلال و المقاومة فقد ظهرت فضيحة أبو غريب ، ثم توالت فضائح الاحتلال بالظهور ، كما شاهدت زينة إذلال العراقيين و العراقيات أطفالاً و شيوخاً أثناء المداهمات التي تشارك بها كمترجمة،و بعد ذلك فشل مشروع الاحتلال كمشروع نهب بسبب المقاومة الضارية التي جوبه بها.
تذهب الجدة إلى عمان لإجراء عملية تبديل للمفصل برفقة مهيمن أخو زينة بالرضاعة،الأسير السابق في إيران،العضو الحالي في جيش المهدي،و هناك يلتقي بزينة التي ذهبت بإجازة دون أن يعلم مهيمن أنها تعمل مع جيش الاحتلال،أو أنه كان يعلم لكنه فضل تجاهل الأمر.تبدو العلاقة بين زينة و مهيمن ملتبسة مزيج من الغربة و التمنع ، و تتراوح بين الرفض و القبول،فهي تقع بحبه،و تحاول أن تجذبه لعلاقة يقاومها لأنه يعتبرها آثمة،فزينة أخته بالرضاعة،لكنه بالمقابل لا يمانع أن تتزوج أخيه حيدر على الورق كي تذهب به مهاجراً إلى أمريكا.و مهيمن هو مهجن آخر لكن بطريقة أخرى فهو أسير حرب سابق في ايران ذهب شيوعياً و عاد متديناً طائفياً يتحدث الفارسية.و هنا يصبح الصراع على العراق بين مهجنين.يقول مهيمن مخاطباً زينة :
- أنتم الأجانب تحبون النارجيلة لأنها فلكلور غريب
- لست أجنبية
- اسمك زينة لكنك أمريكية الجنسية
- و اسمك مهيمن لكنك تتكلم الفارسية
لم يبد عليه أنه بوغت،لكن عضلة تقلصت في خده الأيسر و زفر زفرة خرجت متقطعة من صدره.
- تعلمتها عندما كنت في ايران...أسيراً.
بعد اللقاء في عمان يعود كل مهجن إلى مكانه مهيمن إلى جيش المهدي،و زينة إلى المنطقة الخضراء و يتفاقم الموت و الخراب،لكن الإيميلات لا تنقطع بينهما.هي تقول له إنها تراسله من ديترويت و هو يقول إنه يفعل من شارع حيفا.لكن يبقى كل واحد في مكانه،فمهيمن مصر على أنهم سيخرجون من البلاد كما خرجوا من فيتنام،و يخاطبها كأمريكية فلم يعد يستخدم كلمة " أختي".
و هنا لا يسعني إلا أن أترك لنفسي حرية الانتقال بقراءة الرواية و شخوصها إلى مستوى آخر فأجد نفسي أمام إشكالية سياسية – فكرية كبيرة،فحسب هذه الرؤيا السياسية كأني بالكاتبة تقول إن الصراع في العراق هو بين الأمريكان و الإيرانيين بأدوات محلية.و من الأمور التي تشير إلى أن الكاتبة تعمدت هذه القراءة السياسية قيامها بحذف كل التفاصيل التي تمنع تظهير الصورة بغير هذا الشكل،فرغم مرور الرواية على أمور شتى من تفصيلات الاحتلال اليومية:من فضيحة أبو غريب إلى خطف الجنود الأمريكان و قتلهم جنوب بغداد إلى تفجير معسكر الغزلاني في الموصل الذي اضطر رامسفيلد للحضور على أثره.رغم كل ذلك تجاهلت الكاتبة المقاومة التي تقوم بهذه الأعمال،كما تجاهلت أهم حدثين فاصلين في تاريخ الاحتلال الأمريكي للعراق :معركة الفلوجة الأولى و الثانية.كل ذلك كي لا تختل الصورة التي تحاول أن تُظهر ما يجري على أنه صراع بين الإيرانيين و الأمريكان بأدوات محلية،و هي صورة تتبناها وسائل الإعلام السائدة التي تحاول مستميتة نفي وجود أي مقاومة عراقية وطنية،فمرة تقول(و سائل الإعلام)إن المقاومة هي من صنع القاعدة الغريبة عن العراق،و مرة من صنع إيران.و لتسمح لنا الكاتبة أن نختلف مع هذه الرؤية.
ماتت الجدة " من الحسرة حسب نشرة أخبار طاووس الإخبارية،كلامها لا يرقى إليه الشك.......
- بيبي رحمة راح تموت بحسرتج.
- إنها أقوى مني و منك....لا تتفاولي عليها
- ألا ترين كم ذبلت من القهر...طولة العمر لها ؟
هل يمكن أن تكون طاووس على حق ؟ لعل جدتي ماتت بحسرتي.بحسرة عملي و بدلتي العسكرية.
ماتت بسبب عاري
عار الحفيدة الأمريكية."
و تعود زينة إلى ديترويت لكن بعد أن تغيرت إلى الأبد،فهي باتت تحمل بغداد في داخلها
شلت يميني إذا نسيتك يا بغداد.
رواية تمس شغاف القلوب،و قد أجادت الكاتبة بلغة بسيطة،و عبر بنية روائية سلسة بعيدة عن التعقيد استطاعت أن تصور الخراب الذي خلفه الاحتلال الأمريكي دون أن يستطيع تدمير روح العراقيين.
شلت يميني إذا نسيتك يا بغداد.