قصة قصيرة

 

البروفسور [ ك ]

 

عادل كامل

 

     عندما دعاني الدكتور [ ك] إلى منزله، كنت بأمس الحاجة لمثل هذه الدعوة. فأنا سكير منذ ولدت، مثل تلك التي قالت أنها قحبة قبل أن تضعها أمها. وليس من المؤمل أن أترك هذه العادة التي تحولت إلى إدمان مطلق ألا بالموت، ولست بصدد الحديث عن هذه الحالة، إنما كنت بأمس الحاجة، كما قلت، للخمر، كان الدكتور، وهو بدرجة بروفسور، أستاذاً لي قبل ربع قرن .. وكان يأمل، ومازال يصر على ذلك، أني سأغدو شخصية لامعة في المجتمع. إلا أن شيئاً من هذا لم يتحقق وخاب أمله مثلما خاب أملي. وللحق لم تكن لديّ رغبات بالبروز والتقدم في هذا السلم الاجتماعي. إن عقلي دمر دفعة واحدة. وأنا سعيد لأني أعيش بلا ذاكرة.

     كان البروفسور [ ك]، كما عرفته، متعدد المهارات، وأذكر أنه كان يتحدث عن اختراعات ستنقذ البشرية، في الألف الثالث بعد الميلاد .. اختراعات غريبة وغامضة. فهو مثلاً، على حد قوله، كثّف الزمن وحوله إلى قوة مساندة للروح القلقة. صحيح هو لا يؤمن بالروح أو النفس ألا أنه توصل إلى قناعة أن الأشياء التي لا أسم لها هي الروح وهي النفس. وان الزمن ليس بحركته كما تعلمنا في الطفولة، بل الزمن هو الموت الآخر نفسه. وهكذا بدأ يحدثني .. وأنا كنت لا أريد ألا أن اعوي .. أعوي .. أعوي .. عن اختراعاته العجيبة! لم أكن أفهم منه إلا الغموض الذي أراه في وجوه البشر .. في تلك الوجوه النحيفة الصارمة التقاطيع. أنه الغموض الذي جعلني أنعزل عن البشر، وأكف عن إثارة الأسئلة، ذلك الغموض الذي يطاردني، مثل شبح الانتحار، وأنا في الواقع حاولت إنهاء حياتي يوم كان البروفسور أستاذاً لي في الجامعة. إلا أن مصادفة عجيبة منعتني من التنفيذ .. فقد سحبت أقسام المسدس وهممت بإطلاق الرصاص في رأسي، لكن الباب فتحت .. انتظرت لحظة .. فلم يكن هناك إلا نسمات هواء بارد. هكذا .. ومنذ ربع قرن .. صرت أكن لنفسي الخذلان والازدراء .. وعلى كل كان البروفسور يحدثني عن اختراعاته .. وأفكاره .. ونظرياته. ولم أكن أفهم من كلامه أي شيء. كان يتكلم .. وأنا كنت أريد، بكل ثمن، بلوغ مرحلة التوازن. فجأة قال أنه استطاع جلب أرواح عدد من القدماء، وأنها تسكن في منزله. لم التفت إلى جهة .. أو يثرني كلامه في أول الأمر، إلا أنه حدق فيّ، وصرخ:

-         لديّ ، يا تلميذي ، ثروة من الأرواح ..

     وطلب مني أن أنهض وأزور المناطق التي تسكن فيها الأرواح، تلك، فقلت له بهدوء:

-         أرجوك ..إني أريد أن أتوازن .. أولاً ..

     إنما كنت أسأل نفسي: أية أرواح يتحدث عنها البروفسور .. ما معناها .. وهل ثمة صلة ما لنا بالماضي على هذا المستوى ؟ لقد تذكرت أن جدي الذي عاد من الحرب كان يتحدث مع الموتى .. وعندما طلبت منه أن يسمح لي بمشاهدتهم أمتنع. لكنه كان يسحرنا بكلامه العجيب عن مئات الموتى وهم يزورون بيتنا .. وأتذكر بوضوح أنني عندما سألته: ومن يوّفر لهم الطعام يا جدي؟ بكى. لا أعرف لماذا بكى. كنت في التاسعة من عمري. إلا أني كنت، ومازلت، لا أصدق هذا الكلام.

     قال البروفسور :

-         هيا تعال وشاهد الآثار ..

     فقلت بهدوء:

-         أني أرتجف .. صدقني ..

     وقلت له أني غير راغب بمشاهدة هذه الاكتشافات. أبتسم وقال:

-         لم تتغير .. يا ولد !

     كانت جملة بلا إثارة . وفي هذه اللحظات دخلت السيدة زوجته ، وهي امرأة شابة وجميلة، عرفّها البروفسور بي، وقال لها أني شخصية بارزة في المجتمع، ولديّ مؤلفات كثيرة. قالت أنها تعرفني، وسبق لها أن شاهدتني وتحدثت أليّ شخصياً .. لم أنف ذلك .. إنما كنت مسحوراً بعطرها .. وكنت ما أزال بحاجة إلى الخمر .. كنت أريد أن يتحول الهواء إلى خمر .. وسألت الدكتور، بدافع المزاح:

-         علينا .. أن .. نحول .. الهواء .. إلى خمر .. أليس كذلك ؟

     قال : كلا .. علينا أن نحول الخمر إلى هواء ..

     لم أفهم شيئاً . قالت السيدة زوجته:

-         الأستاذ من عشاق الآثار ..

     فقال لها :

-         أنه خبير في هذا الأمر ..

     فقلت لهما أن لديّ مقتنيات تعود إلى الألف الخامس قبل الميلاد .. رأس ملكة .. وبقايا ملك .. وآثار إمبراطورية ..

     فجأة صرخ:

-         سأشتريها منك .. حالاً .. أين هي الآن .. ؟

     ابتسمت . وشربت. وقلت:

-         لم آت لهذا السبب .. أيها البروفسور ..

     فقال حالاً:

-         تعال أنظر .. ماذا سترى في القاعة ..

     قالت زوجته:

-         دعه .. قليلاً ..

     قالت له:

-         سأنهض بعد قليل ..

     كنت لا أريد أن أنهض، ونصف قنينة من الخمر لا تساعدني على الفهم ، ثمة ضرورة للبقاء والتأمل .. فالسيدة زوجته، مازلت بحاجة إلى هدوء .... فأنا شعرت بأن الأرض كلها تنشطر .. وتتناثر .. وان مشكلة الانتحار مازالت ترن في رأسي .. وان أرواح جدي وجدي الأخر كانت تزورني .. ثم سألت نفسي فجأة: لقد مات جدي منذ زمان بعيد .. فهل ثمة من يقدم لهم الطعام ؟ ابتسمت بفم مغلق، وبادلتهم الحديث، عن شيء محدد أو عن لا شيء .. إلا أني كنت أفكر في موضوع آخر. فأنا من الكسل أني لا أغادر  كرسيي ألا للنوم، ولكني شعرت بضرورة مشاهدة مقتنياته الأثرية لإشباع رغبته. ولكم كنت أود لو مت، عندما تأملت السيدة زوجته بثوبها الشفاف، ألا أنها محض رغبة عابرة. فقلت بلا ذاكرة وبلا عقل، والمشكلة كلها تكمن في الآخرين .. أي في هؤلاء الذين يعتقدون بأني مازلت عاقلاً .. وهكذا نهضت .. ومشيت في ممر مزّين باللوحات الفنية النادرة. ثم دخلت القاعة الأولى .. كان البروفسور يتكلم ويشرح لي .. وكنت قد أفقت تواً .. كانت المقتنيات الجديدة مثيرة عملياً .. فقد حصل على قلادة ذهبية لأمير من الهند .. وعلى قلائد نادرة لزوجة إمبراطور جزيرة الشمس .. وعلى أساور أميرة الصحراء .. كنت أتأمل بلذة وهو يحدثني عن الأشياء التي تركتها زوجة أحد الأثرياء قبل خمسة قرون .. ملابس حريرية كأنها صنعت تواً .. وفضيات متقنة الصنع .. وأشياء تخص حمامها الخاص .. أنها فتاة ماتت منتحرة لأن زوجها الأمير هجرها. وكنت أراها أمامي ! لأن زوجها صنع لها آلاف الصور بمختلف المواد .. بل يقال أنه أحتفظ بهيكلها العظمي ودفن معه.

قلت للبروفسور:

-         أنها مقتنيات لا تقدر بثمن.

     فقال على الفور:

-         أني اشتريتها بنصف مليون دينار ..

     فقلت :

-         أعتقد أنها لا تقدر بثمن ..

-         أجل .. أنها لا تقدر بثمن .. ولكن علينا أن نزور القاعة الأخرى ..

     وكنت أقف أمام تماثيل لم أرها من قبل .. وكنت أسمعها تتكلم .. سألته :

-         هل تسمعها ؟

-         نعم .. أحياناً ..

-         أني أسمعها الآن ..

     وقلت لنفسي : كفى .. قد يعتقد أني سكرت .. لكنه قال إن تأملاتي رائعة . فقلت له بحزن عميق:

-         منذ ربع قرن وأنا أستمع إلى عويل الحجارة ..

-         جميل ..!

     فطلبت كأساً آخر من الخمر. قلت له أني لا أحتمل. فجاءت السيدة زوجته بالخمر .. كانت التماثيل تتكلم، تهمس .. وهي تحدق فيّ .. وهنا تذكرت جدي الذي كان يقول: الحجارة تنطق. ولها روح، مثل أرواح البشر . وتذكرت والدي الذي قال كل الأشياء تنطق. شربت الخمر. وجلست فوق الأرض .. فجلس البروفسور أمامي .. وكانت السيدة زوجته لصقه .. كانت رائعة .. ثم عدت أحدث التماثيل .. قال البروفسور فجأة:

-         أتعرف كيف حصلت عليها ؟

-         لا .. طبعاً لا أعرف ..

-         بعت المزرعة بمليون دينار .. أنها قصة طويلة .. المهم أني حصلت على هذه الآثار ..

-         وماذا تفعل بها ..

-         أحاورها .. أحاور أرواح الماضي ..

     كدت لا أفهم من كلامه أي شيء، إلا أني سألته:

-         ألم تقل لنا، قبل ربع قرن، ان الروح محض خرافة .. ؟

     فقالت زوجته بصوت عالٍ:

-         أنه قالها لي أيضاً .. لكنه الآن ..

فقاطعها:

-         أني أصغي إلى صوت الحجارة .. انها تتكلم !

     شربت قليلاً .. وكنت قد صحوت .. بل ورحت أتحدث عن أعقد القضايا الخاصة بالآثار .. لكني، في الوقت نفسه، كنت أعيش في أزمنة هذه الرؤوس الحجرية التي فيّ . أنها رؤوس قطعت من أجسادها تواً . وتولول .. وأحد هذه الرؤوس يبتسم .. والأخر يضحك .. ثم بهدوء قالت السيدة زوجته:

-         أنني هنا .

     أرتج جسدي . لكني كنت أستمع إلى أصوات تلك الرؤوس. كانت مدوّية . ضاجة .. صاخبة .. مع ذلك قلت لها:

-         غريب ان تكون جميع هذه الرؤوس هنا ..

فقالت:

-         أنك لم تزر القاعات الأخرى ..

نهضتُ. لم تكن القاعة الثالثة إلا متحفاً لملابس وأغراض النساء والأشياء الأنثوية الخاصة بهن: حلي وقلائد وأساور وجواهر وملابس داخلية وسجادات للصلاة وحاجات الحمامات وطاسات وأحجار سود ومناشف، وأمور أخرى لا تحصى .. وكدت أقول للبروفسور: أريد ان أبقى في هذه القاعة إلى الأبد. لولا أنها قالت:

-         هو ذا الذي تتركه المرأة ..

     فقلت بصوت مبحوح:

-         أسرارها ..

-         بل الأشياء كلها ..

     لكنها حدقت فيّ كأنها تريد ان تفترسني. وقالت:

-         أنكم لا تفهمون المرأة ..

     قلت حالاً:

-         بل أنا لا أفهم الإنسان نفسه!

-         جميل .. هذا هو كلامي.

     ثم حدقت في محيا زوجها الشاحب، وقلت له:

-         والآن ماذا تقول؟

حدق في مكان مجهول. لم يتكلم. كان هو الأخر قد شرب على نحو لا يسمح له ألا بالحديث عن الأشياء التي أراد ان يتحدث عنها. هكذا نهض وقادني إلى القاعة الرابعة. كانت صالة من زجاج .. ليس فيها ألا ثلاثة تماثيل .. وحالما شاهدتهم شعرت بالمسرة .. لقد كان أحدهم صديقاً لي قبل آلاف السنين .. ورحنا نتحدث عن المعارك وكيف انتصرنا على الأعداء .. فضحك .. وقال أنها كانت معركة فحسب .. أما الذي عشناه معاً فكان العمر كله .. صفقت. وأعتقد أني قبلته أو هو الذي قبلني، إنما طلبت من السيدة ان تأتي لي بقليل من الماء، والخمر .. لا .. لي .. بل للسيد الإمبراطور الذي كان قائداً لنا في حروبنا الغابرة .. وشربنا .. كان الإمبراطور غير مكترث بأي شيء .. وتحدث بلا مبالاة عن الكتب التي كتبت عنه .. وقال أنه ضجر من المدائح .. وأنه لا يود إلا أن يبقى وحيداً .. إلا ان الزمن سار على اتجاه مغاير .. فقال البروفسور:

-         هذه هي نظريتي ..

     قال الإمبراطور، بهدوء، آمراً:

-         غادر قاعتي ..

     وشعرت بالوحدة، على الرغم من وجود زوجته البروفسور. كانت عزلة قاتلة .. وكنت أحس بأني غير قادر على عمل أي شيء. أنه الإحساس القديم الذي تأصل في أعماقي .. إلا أني لم أبح لها بذلك .. إنما رحت أستمع إلى كلام الإمبراطور:

-         اخرجي أنتِ أيضاً.

     غادرت القاعة .. فشعرت بتعاسة مضاعفة .. ترُى لماذا يحدث هذا كله .. ؟ لم أجب . بل خاطبني الإمبراطور:

-         أنك تعرفني إذاً ..

-         أجل .. أعرفك ..

     فقال بصوت مؤلم:

-         ولهذا السبب تحولت إلى تمثال ..

     فقلت له بصوت حزين:

-         أقسم لك أني لا أعرف الإجابة ..

     ألا أنه راح يحدثني عن حروبه .. والمدن التي فتحها، وعدد قتلاه، وخسائر الأعداء. لقد كان يتلذذ بذلك الحديث. أما أنا فكنت أود أن أموت، لكنه صرخ فيّ:

-         لا .. تشجع .. تشجع ..

     ولا أعرف عن أي المعارك راح يتحدث، إنما لفت نظري حديثه المؤلم عن امرأة غدرت به. امرأة تزوجها وأحبها لكنها وضعت السم له في طعامه من أجل فلاح في قصره. ولم يمت، بل عاش فترة طويلة من الزمن، وكانت جمجمتها كأسه، كان يتحدث معها يومياً، ثم أخذ يضح كطفل:

-         لقد ضجرت من الأشياء كلها .. من العالم كله .. ومع ذلك صنعتم لي هذا التمثال:

-         لم أصنعه أنا ..

-         أعرف .. يا ولدي .. يا طفلي المسكين ..

     وصرنا نتحدث كأصدقاء. حتى أنه طلب مني ان أحطم تمثاله، فقلت له أني غير مسؤول عن تنفيذ هذا الأمر.

     لكني قلت له :

-         اقتلني !

     سخر مني بلا كلمات.

     وأستمر الحوار فترة لا أعرفها من الزمن. لكني نجحت بإقناعه بعودة البروفسور. فعاد البروفسور مع زوجته. وكنت لا أود أن أشرب قطرة خمر إضافية، لأني كنت أتمتع بنشوة نادرة ، ألا أني شربت ، كتلك التي قالت أنها قحبة قبل ان تولد!

     قال البروفسور:

-         هذا التمثال وحده .. هذا .. كما تراه .. اشتريته بنصف ثروتي ..

-         أعرف .

-         وكيف عرفت ؟

-         هو نفسه الذي أعترف لي بذلك .

     صمت طويلاً .. ولم يتكلم .. ألا بعد ان قالت زوجته له:

-         تكلم .

فقال:

-         أن مسرتي تكمن في وجود هذا التمثال .. هنا .. في بيتي .

     وكنت أنا الأخر، قد ضجرت من الأشياء كلها، كانت عزلتي مطلقة. أبدية. وكنت منشطراً إلى أجزاء، وكنت ثقيلاً مثل الوهم فوق الوهم ..

-         والآن ماذا تفعل أيها السيد البروفسور؟

     لم يجب. وفي الواقع لم يكن في القاعة إلا التمثال .. نهضت بهدوء، ورميته من النافذة ..إلى الحديقة ..

     قال الإمبراطور :

-         شكراً .

     ثم دخلت إلى القفص الزجاجي، ومنذ نصف قرن إلى الأبد كنت أستمع إلى أحاديث الزوار.

1991