عادل كامل
الفصـل الثالـث
* نظرة إلى الجيل الأول
إذا كان الفن، حرية وإبداعاً، كما يقول مالرو، أو ان الفن شكل أو معرفة، كما يذهب هربرت ريد إلى ذلك ، أو ان الفن رمز ومعنى ، كما يقول سوزان لانجر ..الخ فإن كل هذه النتائج ، لن تتحقق ، دون بعض الشروط . ان الحرية في الفن ، لا تتأتى في ظرف تاريخي يفتقد إلى أبسط مقومات الحياة ، فضلاً عن غياب أبسط التقاليد والعوامل الأولية للفن . يجب إذن ، ان نعترف بالواقع السائد ، حتى إعلان الحكم الوطني ، حيث عاد بعض العسكريين ، من المنفى إلى بغداد ، وبضمنهم عبد القادر الرسام ومحمد صالح زكي والحاج محمد سليم إذ سيكونون الطليعة الأولى للتجارب الفنية في بغداد . ففي عام ( 1931) أقيم المعرض الصناعي الزراعي ، وفي عام ( 1939) عاد عدد من المبعوثين إلى الخارج . وكان قبلها قد أقام حافظ ألدروبي معرضه الشخصي الأول ، أي قبل ثلاثة أعوام ، كما أقام سعاد سليم معرضه الشخصي في عام ( 1938) . بيد ان ما تبلور ، حتى نهاية العقد الثالث ، وبداية العقد الرابع لا يشكل قيمة فنية ذات قيمة جمالية أو فكرية . ان كل ما تبلور يمكن ان يتحدد ببعض الإنجازات الفردية وببعض التأثيرات التي ستتوسع وتتسع في الجيل التالي .
ويمكن تحديد أبرز سمات تلك الأعمال الفنية ، بالشكل التالي :
أولاً : انها لم تعكس الغليان السياسي ، الاجتماعي ، النفسي ، الذي جرى منذ دخول الإنكليز الى بغداد ، مروراً بثورة العشرين ، وانتهاء ً بالعديد من الحركات القومية والوطنية .
ثانياً : ان أغلب هذه الأعمال ، كانت مدرسية ، أو ضمن هذا الأفق المدرسي.
ثالثاً : وإنها كانت محدودة المواضيع . فهي أما طبيعة جامدة ، أو مناظر ، أو في الحالات الجيدة تصوير لبعض الشخصيات أو المواضيع .
رابعاً : وإنها كانت تفتقر إلى التقنية . فإذا كان الرسم في العراق قد بدأ ، في أواسط العقد الثالث – أي الرسم بالمعنى الأولي أو الابتدائي – فإن الرسم في العالم ، كان قد شهد ثورات وانقلابات كبرى كثيرة .
ونستدل من هذا ان الواقع ، ما يزال متخلفاً بشكل عام ، وفي الفن بشكل خاص . فالفن ، ما يزال أسير بعض البيوت ، أو بعض الأفراد . فهو لم يتحول الى ظاهرة اجتماعية ولم يرتبط بالناس بالشكل الذي سيحدث ، بعد عقد أو عقدين . ولو تساءلنا عن أهم إنجازات هذا الجيل ، لحددنا أو قلنا انها قائمة في نفس النقاط الأربعة السابقة . ان الجانب السلبي قائم في الجانب الإيجابي ، وفي حالتنا ، هو العكس . وعلى سبيل المثال نستطيع القول ان هذا الجيل ، ( وكله من الهواة ) حقق بعض البدايات : أي بوجود الرسم ، وان كان المستوى الرمز . ولكن لهذا الرمز ، كما يبدو ، كان ثمة دور في الجيل التالي ، بعض المبادئ قد وضعت ، في رسم الطبيعة أو في الرسم عامة ، حب الفن والثقافة ، وإيجاد صلات في الواقع الاجتماعي .
ان هذه الحصيلة ، وان كانت متواضعة ، لكنها هي التي شكلت نواة الانفجار الذي سيحدث بعد عقد من الزمن.
* فرضيـتان
المرحلة التالية ، والتي تبدأ ، عملياً ، بتأسيس بعض الجماعات الفنية ، هي التي تدفعنا لاستنتاج جد مهم وواضح من خلال جماعة الرواد ( البدائية ) ، وجماعة بغداد للفن الحديث فجماعة الرواد ، منذ تأسيسها ( 1950) وحتى الآن ، برهنت عن وجود اهتمام مشترك لأغلب أعضائها . ان الاهتمام بخلق رسم جديد ، يمثل قفزة في المستوى والعمق قياساً بالجيل الأول ، وما حققته هذه الجماعة ، خلال أكثر من ربع قرن ، يشكل ، العمود الفقري ( التنفيذي ) للأفكار التي اقترحت يومها لحل أزمة الإبداع ، ولخلق حركة تشكيلية توازي التطور السياسي والاجتماعي . قلت سابقاً : ان الحديث عن الفن في العراق ( أو في أي قطر عربي آخر ) ينبغي ألاّ ينفصل عن الإمكانيات المتاحة ، وعن دور الفنانين العظيم في تجاوز عشرات السلبيات ، والحدود المصطنعة . وهذا ما يجعلنا ان نصدر بعض الأحكام التي تبدو للبعض ، مبالغ فيها ، فإذا قلنا ، ان هذه الجماعة قد اعترفت بضرورة إتقان الرسم ، منذ البدء ، والتركيز على موضوعات الطبيعة ، القرية، الريف ، ولكن بأساليب ، متقاربة . ( وعلى العكس من فرضية الأستاذ نزار سليم ) فإننا بالأحرى نشخص الدور الذي قامت به الجماعة . وهو دور نجح في ترسيخ العديد من التقاليد الفنية ، دونها لا يمكن للحركة الفنية ان تكتسب هذه الشهرة العربية ، أو المحلية .
ويمكن ان نفهم دور هذه الجماعة ، بالشكل التالي : بعد عودة فائق حسن ، وعدد آخر من الرسامين من الخارج ، اقترحوا خلق تجمع لهم ، كما يقول إسماعيل الشيخلي ، تجمع يحب الرسم ، والموسيقى ، والطبيعة . فتكونت الفكرة . بيد انها ، على أية حال، كانت مناسبة لتطوير الرسم ، ومناسبة لتطوير المعارف الجديدة التي حصلوا عليها من مدارس أوربا . انها فكرة أكاديمية تغذي المواهب الفردية ، وفي نفس الوقت ، تواكب فكرة التطور والثورة المعلنة بشكل خفي بين الناس ، أو بشكل علني . صحيح ، ان هذه الجماعة لم تركز على موضوعات الثورة ، أو الصراع الاجتماعي ، لكنها ، بالمقابل ، كانت تسعى من خلال الرسم ، لخلق رؤية أكثر عمقاً للواقع ، بل أكثر تطوراً وتقدماً لا من السابق فحسب ، بل من نفس الفترة . ربما هي رؤية جمالية ، أو فنية ، ولكن أفي هذا خلاف ؟ ولو عدنا إلى إجراء تحليل ، ومقارنة ، لهذه الأعمال ، فماذا نعرف ؟ في البدء ، أولاً : هناك تركيز على الطبيعة ، ولكن من خلال منظار جديد . فعلى الفنان ، ان يشخص طبيعته ويرسمها من خلال ذاتيته . ثانياً : ان يتم خلق تقاليد في الرؤية الأكاديمية ذاتها . فهؤلاء الفنانون الذين تعلوا الرسم في أكاديميات أوربا ، كانوا على علم ظن بأنهم يتحملون مسؤولية الخلق ، لا التكرار أو الرسم من وجهة نظر أوربية ، أو غربية بالذات . ثالثاً : وان يتقنوا عمل اللوحة .. الخ وكل هذه المشكلات ، والجواب عنها ، يشكل أهمية ودور هذه الجماعة .
أما جماعة بغداد للفن الحديث ، فإنها امتازت بالتطرف ، والسعي إلى التجديد. لربما كان جواد سليم قد لعب الدور الأهم في اتجاه هذه الجماعة. لكننا – وان كنت أتفق مع رأي الأخير – نلاحظ فعالية الجماعة بشكل عام ، وموقفها النظري أو ألتنظيري ، ويكفي ان يكون شاكر حسن ، وعدد آخر من الفنانين ، فيها . حيث لعبوا خلال السنوات التالية ، دوراً في منح هذه الجماعة قيمة تناسب بدايتها .
ان جواد سليم الذي عانى قلقاً فنياً ، والذي تأمل الكثير من المدارس ، القديمة والوسيطة والمعاصرة ، كما يقول عباس الصراف ، استطاع ان يبلور ، من خلال تناقضات التي عاشها ، فكرة عن الفن : إنها فكرة لها عدة شروط : اعتبار الماضي كأساس للفنان ، والاستفادة من التيارات التقدمية في العالم ، وفهم الواقع الاجتماعي ، وهذه المنطلقات ، أصلاً ، هي التي تشكل قيمة أعمال جواد سليم في الأخير ، انها الجواب عن عدة أسئلة ، التي ما تزال قائمة حتى الآن .
مثلاً ، فكرة تأسيس فن عربي ( وهذا ما قصد به جواد سليم ، بالفن البغدادي ) : أي فكرة تحرير الفن من التقاليد والرتابة ، وأساساً ، من الخضوع إلى المدرسة الغربية ، ان جواد سليم سعى لخلق فن وطني ، وهذا السعي ، تجسد في عدة أفكار نظرية صاغها هو ، أو بالتعاون مع شاكر حسن آل سعيد ، الذي كان يفكر بخلق مثل هذه الجماعة ، وبنفس الأفكار ، كما قال لي الفنان محمد الحسني . على كل حال ، نفهم من هذا : ان تمرد هذا الجيل قد ارتبط بهذه الجماعة الفنية ، وان جماعة الرواد ( كجماعة ) قد عبروا عن موقفهم الوطني ، بخلق فن سعى لتطوير الواقع ، وتحرير الرسم من التقاليد الغربية .
بيد ان هناك ، وبعد ان تبلورت العديد من المشكلات ، والقيم ، وبعد عام ( 1958) ، ظهرت عدة اتجاهات فنية : منها ما يتفق مع فكرة جماعة بغداد . ومنها ما يسير أو يرتبط بجماعة الرواد ، وهناك اتجاه ثالث ، نحاول هنا ، ان نحدد بعض سماته . بالطبع كما قلت سابقاً: ان هذا الافتراض ، غير نهائي أولاً ، وثانياً : انه لا يقسم الفنانين أو يضعهم في اتجاهات ، دون ان يدرك الصلات المشتركة بينهم . وهذا أكيد دون شك . بيد ان الدراسة الأكثر دقة ، هي التي تقودنا إلى مثل هذه النتائج . وإذا كانت ثمة افتراضات غير صحيحة في الأصل ، فإن نتائجها الأخيرة غير صحيحة بالمرة ، أو مثيرة للسخرية ، ولكني أعتقد ، ضمن الافتراضات الثلاثة ، ان طبيعة الرسم في العراق قد تحددت بها وان الناقد لا يجد غموضاً في مثل هذا التقسيم الذي قمنا به ، هنا وهذا التقسيم ، على أية حال، قابل للنقاش ، من قبل الرسامين أو من قبل المهتمين بالجوانب النظرية أو النقدية عندنا .
* الاتجاه الثالث
لقد لعبت الأحداث السياسية ، دائماً ، الدور الخطير في الحركة أو اتجاهات الأدب والفن في العراق . فالحركات القومية والوطنية ، غالباً ما كانت وراء التغييرات الإبداعية ، والتجديدية ، لدرجة ان الناقد يصدر حكماً مفاده ان تجربة المبدعين في الفن ، ما هي إلا تجربة سياسية ، دون خوف أو حذر . فقد كانت فكرة الجيل الذي شهد الحرب العالمية الثانية ( عن بعد طبعاً ) فكرة تأسيس للفن الوطني ؟للرسم ، وللرسم الذي يقدس البيئة التي كانت غائبة من قبل في أعمال الرسامين أو في أذهان الناس. وبعد عقد أو أكثر من السنين ، وبعد ثورة ( 1958) بسنوات قليلة ، تحتم على الفنان في العراق ، ان يتوصل إلى نتائج تعبيرية جديدة .
مثل هذه النتائج، على كل حال ، غير منفصلة عن الماضي ، بل قد لا تكون إلا تعبيراً عن نفس الأفكار . ولكن الواقع الجديد ، وخاصة في سنوات حكم ( العارفين ) حتم على الفنانين ، العديد من الاتجاهات الفنية ، التقدمية منها والتراجعية أيضاً . ولكن ما دام الفن ، هو مستقبلي ، فإننا سندرس أبرز تجارب الرسامين الذين كان لهم الدور المتميز من خلال هذه الفرضية .
بالطبع ان الاتجاه الأخير ، الذي استفاد من التجارب الأوربية ، من وجهة نظر أكثر عمقاً من رؤية الجيل السابق ، له عدة مميزات في الفهم : منها :
أولاً : ان هذا الجيل استفاد من تجديد بعض المشكلات الأساسية ، التي وضعها الجيل السابق ، فضلاً عن التطبيقات العملية .
ثانياً : وإنه ، تعرف على مشكلات معاصرة في أوربا ، كما ان رؤيته ، قادته إلى فهم أدق للتجارب السابقة ، أو المعاصرة .
ثالثاً : ان الواقع السياسي آنذاك ، دفع بالفنانين إلى إجراء مغامرات مختلفة : انها تارة بالاتجاه إلى التجريد ، وتارة بالاتجاه إلى التعبيرية ، أو الرمزية ، وأحياناً الى الواقعية بكل أقسامها ان كانت اشتراكية أو نقدية ويمكن القول باختصار ، ان هناك تمرداً سلبياً وتمرداً آخر، بطولياً .
ولكن هذا الاتجاه ، بشكل عام ، كان يسعى للموازنة بين الاتجاهات السابقة ، النظرية والعملية ، وبين ان يتوصل إلى نتائج فنية أو فكرية فنية جديدة . وإذا لم يبرز من هذا الجيل ، فنان متميز وبعيد النظر كجواد سليم أو فائق حسن ، فإن هذا لا يرتبط بالمواهب الأقل عمقاً ، أو بالشعور الأقل حساً : إنما هذا يعود للوضع العام القلق .
ومعنى هذا ، بصدد ( الوضع العام القلق ) : ان السلبيات الكثيرة ، وتعدد الرؤى ، وتشعبها ، والوضع الاجتماعي غير المستقر ، والتدمير الذي لاقته القوى الوطنية والقومية ، كلها كانت أسباباً منحت الفنان رؤية لا تنفصل عن طبيعة هذا الواقع .
ان طبيعة الرسم ، في العراق ، لا تنفصل عن الطبيعة السياسية أو الاجتماعية ، بأي شكل كان ، فإذا عدنا إلى ما قبل (1958) ، فإن رؤية الفنان لم تكن منفصلة عن الأفكار الأساسية للقوى السياسية التقدمية . بيد ان الواقع الجديد ، الحاد أو المفكك ، كاد يلغي الرؤية المتطورة الأفكار السابقة . بالطبع هناك نقاط أخرى ، لا بد ان تقال : منها : ان الفنان في هذا الجيل ، لم يعد مرتبطاً بتلك القوى ، إنما كان ، إما غاضباً عليها أو متماشياً روحياً معها ولكن عن بعد . وأيضاً هناك تقاليد فنية محضة . ونقطة أخرى برزت ، وهي ، ظهور الاتجاه الفردي ، الذاتي المتطرف بالتجارب الإبداعية التي قصدت رد الفعل ، أو قصدت رد الفعل والتمرد ، والاستفادة من التيارات الغربية ان كانت نقدية أو متمردة في محاولة للتعبير عن الواقع (4) .
ان هذا الاتجاه التجريبي ، والذي استفاد من تجارب جيل الرواد ، ومن الحركات المعاصرة ، ومن أزمة الواقع ، راح يعبر عن كل هذه الحالات ، بأشكال عديدة ، ومتغايرة في الغالب . ولكن هدفه ، بشكل عام ، لا ينفصل عن الواقع العام ، أولاً ، وثانياً :ان ما قدمه ، لا ينفصل ، في الأفكار ، عن أهداف الجيل السابق. وثالثاً: انه عبر عن فكرة التمرد بعدة أشكال ، متطرفة ، أو غير متطرفة . وأخيراً : حاول هذا الجيل ، ضمن هذا الاتجاه ان يعبر عن رؤاه من خلال الرسم ، دون ان يجرب أية وسيلة أخرى تذكر . وهذه مسألة تلفت النظر . ترى لماذا حافظ الرسام العراقي على طبيعته المعروفة في استعمال مواد الرسم ، وشروط اللوحة ، وشروط العرض ؟ ترى لماذا لم يفكر بوسائل أخرى ، تناسب عمق وأزمة الواقع ؟ أعتقد ان الجواب ، مرتبط ، بطبيعة الواقع الاجتماعي وخوف الفنان من المغامرة أو عدم امتلاكه للشجاعة الكافية . كلها أسباب أدت بتمرده ان يتحدد بطبيعة الرسم في العراق : انها طبيعة تأسيسية ، وحتى هؤلاء الذين بالغوا ببعض تجاربهم ، فإنهم كانوا مأسورين بشروط اللوحة الواقعية . ان هذه الظاهرة ، ستبقى ، بل ستبرز بحدة في الجيل الجديد ، جيل ما بعد حزيران (1967) وبالذات بعد سنوات قليلة من هذا التاريخ ، حيث سنتعرف على أزمة الرسم ، من خلال الرسم ، ومن خلال الرؤية المحدودة لشروط اللوحة .
§ كاظــم حيدر
ان ملحمة الشهيد ، وهي سلسلة من الأعمال الفنية التي تروي قصة الحسين ، هي العمل الأكثر جرأة في هذا الجانب . فقد كانت نظرية الفنان ، استمراراً لفكرة رسم أسطورة تستثمر الرموز لصالح المعاصرة . ان حيدرا ً يذكرنا بجواد ، ولكنه ، بهذا العمل ، حاول ان يعبر في شيء من البطولة ، والتحدي الإيجابي . لقد حافظ حيدر على الرسم ، بيد انه وسع من أفق اللوحة ، وجعلها تؤدي وظيفة تعليمية ، فكل شيء في هذا العمل أخلاقي ، ولكن علينا ان لا نهمل الجانب الجمالي ، وطريقة التعبير عن المأساة ، بدراما قريبة إلى المسرح . يمكن القول: ان كاظم حيدر خرج على حدود الرسم الشائعة ، بهذه الخاصية ، بل والمبالغة فيها . بالطبع ان الفنان الذي درس الأساليب الغربية ، والذي تأثر بها ، نجح في استثمارها ، من خلال هذه الأسطورة أو القصة الشعبية ، حيث وظف خبرته من خلال قصة عربية ، توظيفاً عبر عن تحرره ضد الواقع السائد ، وضد الرسم السائد أيضاً .
__________________________________________________________________
(4) » جريدة الشعب « : نوري الراوي ، عدد 579 ، عام 1962 [ الفن العراقي الحديث ] .
* إسماعيل فتاح
ان اللوحات البيضاء التي عرضها في عام (1965) كولبنكيان ـ عبرت عن حس بالتمرد السلبي فاق التجارب الأخرى. ان إسماعيل الترك ، ومنذ ذلك المعرض ، سيعبر عن ضرورة وجود ( خلق ) فني خاص بالفنان وباللوحة كذلك . وهذه الفكرة الأوربية أصلاً ، استخدمت لتلائم طبيعة الفنان العربي ، ويمكن ان يشكل هذا المبدأ ، دعوة حديثة لفهم روحية العمل ، ولطبيعة الرسم.
ان عمل الرسام ، ليس مجرد وضع الأصباغ وتلطيخ سطح اللوحة ، وليس مجرد الرسم ، بل هناك هدف أعظم من كل ذلك : انه هدف المعاصرة والتعبير عن جوهر الأشياء ، وعن شخصية الفنان . فلقد نجح ( الترك ) ، أولاً في التعبير بأسلوب لما يزل أوربياً ، أو غربياً بشكل أدق ، عن الأزمة والمعاصرة . ثانياً وان يتجاوز الأنماط التقليدية ، التي اعتمدت المحاكاة أو الزخرفة أو التسطيح .. الخ وأخيراً ، فإن الفنان لم يهمل شخصيته ، وتجسدها في العمل . ان إسماعيل فتاح ، منذ هذا المعرض ، وحتى الآن ، حافظ على تجسيد هذه القيم : القيمة الأخلاقية ، والقيمة التجديدية ، والقيمة التعبيرية ، وأعماله في الرسم ، أو في النحت ، تعبر عن هذا التمرد الذي يمتلك تلك الشروط . وإذا كان تمرده ، كما يقال ، سلبياً ، فإن هذه السلبية ، كانت قد تجاوزت عشرات الاتجاهات الفردية الأخرى ، لا في التعبير عن الواقع حسب، بل في الإخلاص لفكرة الفن المعاصر .
*ضياء العزاوي
لا أعرف ما إذا كان لحافظ ألدروبي تأثير على ضياء العزاوي ، فرضه عليه من خلال جماعة ( الانطباعيين ) أم أن ضياء العزاوي ، ذاته ، قد وجد في ميوله تلك الصلات المشتركة بين الأستاذ والتلميذ. على كل حال يجد الدارس لفن كل منهما بعض الصلات المشتركة . فالعزاوي ، قبل ان يستخدم التراث القديم أو الإسلامي مناخاً تعبيراً له ، قبل أن يستخدم التراث المعدل . فأعماله في جماعة ( الانطباعيين ) تشير إلى ميول الفنان الانطباعية وما دامت كل محاولات الفنان العراقي ، في هذا المجال ، غير خالصة أسلوبياً ، فكذلك نرى ان العزاوي بنفس القوة والوحدة التي يميل بها الى الألوان الانطباعية ، فإنه سيرسم مناخ الصحراء ومناخ المدينة المغبرة ، بألوان مغيرة ، لكنها متجانسة في المناخ والدلالة . إن حب الرسم عند ضياء العزاوي ، مكنه من الخروج على العديد من القواعد الشائعة ، وهذا ما كان قد فعله حافظ ألدروبي ، بيد أن العزاوي الذي عمل في متحف الآثار القديمة ، اكتشف طريقاً واسعاً للتعبير عن أفكاره . انه بهذا الاتجاه سيسد بنفس دعوات جواد سليم . لكن العزاوي ، ومنذ البدء ، كان يحقق عمقاً أو بعداً جمالياً يفوق المضمون المقصود أحياناً . فالطابع الجمالي الذي يسود أعماله ، وهو طابع تراه في اللون ، والتخطيط ، وفي أناقة التصميم ، يكاد يلغي الفكرة التي رامها الفنان ، وحتى في معرضه المشترك ، الذي أقامه في عام (1974) أو (1975) ، فقد برز هذا الجانب بوضوح .
لربما أراد ضياء العزاوي ان يحقق من ( الصناعة ) والتكلف الواضح ، عمقاً أو قيمة فكرية لمضامينه ، أو لربما أراد ان يوحي بالجمال أو يشير إلى بعض المقاصد . ولكني أعتقد بأن أثر دراسة الفنان ، وحساسيته اللذية القادرة ، ورهافة معالجته للوحة ، كلها أسباب أرغمت الفنان بهذا السلوك أو بهذا الطراز من طراز الفن . ولكن قيمة الفنان تكمن في انه ما يزال يسعى للتعبير عن المضامين المعاصرة ، تارة من خلال الأساطير القديمة ، وهذا ما فعله عبر أعماله عن ملحمة جلجامش ، وتارة في التعبير عن الفلسطيني الثائر أي المقاتل ، وتارة أخيرة ، عن الحالات الإنسانية .
لقد ذكرت في البدء صلة العزاوي بالدروبي ، وقد قصدت منها ان أقول ان العزاوي ، مثل الآخر ، لا يتمتع باستقرار أو انه لم يتوصل إلى نتيجة أسلوبية ، كما كان قد توصل إليها فائق حسن من الجيل السابق ، أو محمد عارف ، من جيل العزاوي . انه فنان يسعى لتجاوز ما توصل إليه . وقلقه واضح في تعدد الرؤية عنده ، وفي نتائج الأعمال كذلك . وآخر أعمال العزاوي ، التي تتخلى عن الأساطير القديمة ، تعالج عدة أفكار إنسانية معاصرة . بمعنى انه سيحاول تحديد من خلال الأفكار ذاتها . وهذا لا يعني انه سيتكلف الأسلوب ويصطنع اللوحة اصطناعاً ، بل يعني ، انه فنان مشغول بفنه . ولا يرغب ان يترك للأفكار حرية الظهور إلا من خلال التقنيات المتقدمة . وإذا كان ضياء العزاوي ، حتى الآن ، قد مر بعدة مراحل ، وعدة مستويات ، فإنه ما يزال في كل هذه المراحل ، تجريبياً ، قلقاً ، وغير قانع بأية مرحلة من مراحله . لكن الناقد الذي يجري مقارنة بين أعماله في أواسط الستينات ، وبعد عقد من السنوات ، سيكتشف القفزة الكبيرة التي قفزها هذا الرسام الموهوب ، وهي قفزة لم تحدث إلا لقلة من الرسامين في العراق . ولعل أبرز سمة من سماتها ، ان العزاوي حاول ان يجد أو ان يعثر على معادل بين الحالة ( المأساة / أو الفكرة ) وبين الجمال ، أي بدل أن تبقى اللوحة في حدود الزخرفية أو الجمالية .
· محمد عارف
إذا كان محمد عارف ، قد أحب القرية والطبيعة والعلاقة المشتركة بينهما ، أي بين إنسان القرية وواقعه ، فإنه سيستفيد من خلق منظار جديد لمكونات القرية . وسيعمقه دائماً بعدة اتجاهات . فلقد رسم ، في البدء ، مناظر القرية ، ثم ، الموضوعات الرمزية المختلفة والتي تمتلك مناخاً أسطورياً تارة وفلكلورية تارة أخرى .
إن قضية محمد عارف الأساسية ، لا تخص الرسم إلا بصفته يتضمن انشغالات خارجه ، كما يخيل لي ، إنها ترتبط بعالم تتكامل واقعيته. ولا أقصد بهذا المعنى إن محمد عارف يقترح علينا أفكاره من دون الرسم، ولكني أقصد، إن الرسام يوظف فنه للأفكار أو الحالات القريبة منه . فإذا رسم لنا الأكراد البسطاء وسط الوادي ، أو رسم الأطفال فوق الجبل ..الخ فإنه ينوي أن يذكرنا ببيئة يحياها هو، وهي بيئة لها وجودها الحقيقي. إن قضيته هي الكشف عن هذا الواقع، وبعدة طرق. فتارة تراه تعبيرياً ، وتارة رمزياً، وأحياناً يعود إلى الواقعية . بمعنى انه متعدد الاتجاهات . بيد ان هناك سمة مشتركة فرضها الفنان في جميع هذه الاتجاهات ، وهي سمة لا تنفصل عن طبيعة أفكاره أصلاً . ان الحنين الذي صوره محمد عارف ، والمشاهد الإنسانية الكثيرة تبقى تذكرنا بان الفنان لم يختبر التجريد ، أو السوريالية ، أو الواقعية التقليدية . بل انه عبر عن واقع خاص في الفن بالعراق : لنه واقع رسام أحب فنه ، وأحب موضوعاته ، وانه سعى للتعبير عن ذلك ، في أناة وهدوء .
§ إسماعيل خياط
تكمن أهمية تجربة إسماعيل الخياط ، في اكتشاف العلاقة السرية للرسم ، كرسم ، وكبحث في أسرار اللاوعي الإنساني . وفي الحالتين كان يبحث عن خلاصة أسلوبية مستمدة من دراسته للطبيعة ومحاولته لاختزال الأشكال . وهي محاولة جعلت من تجربته شديدة التركيز والكثافة . ذلك لأن إسماعيل خياط ، مزج الشعر بالعمق الروحي في بناء اللوحة . وفي بلورة رؤيته ، شبه الصوفية ، رغم جذرها الواقعي .
§ د∙ قتيبة الشيخ نوري
ترتسم المأساة في أعمال الدكتور قتيبة الشيخ نوري ، منذ البدء ، وحتى النهاية . وعلى الرغم من حبه للطبيعة المنظور لها بأسلوب تجريدي ، وحبه للأشكال ، ومنها الحرف العربي . إلا انه كان أقرب إلى التعبيريين والرمزيين منه إلى الواقعيين . فهو رسام استثمر خبرته النفسية في الرؤية وببناء عالمه التشكيلي. فضلاً عن المضامين الثقافية والروحية المعاصرة . مما جعل تجربته متميزة وعميقة وغريبة أيضاً .
§ رافع الناصري
لقد شكل رافع الناصري، مفهومه الأولي للفن، عندما درس في الصين مدة أربع سنوات، أي المفهوم الواقعي: بيد أن الناصري ، بعد سنوات ، سيعترف بشكل آخر قائلاً : » تجربة الأربع سنوات في الصين أعطتني دعماً كبيراً لأن أتحرك ضمن الإطار الواقعي المكشوف الأسرار الذي يعطي كل ما عنده من خلال السطح الواحد « .
وستكون التجربة الجديدة ، حلاً سيطور فيه الفنان أسلوبه . أو بالأحرى ، سيكون الحل ، هو اكتشاف أسلوب شخصي متأثر بالمدارس الأوربية . وليس في هذا نقيصة أبداً . بل كما قلت طريقاً ينظر به الى مجال حديث لم يكشف خفاياه في الرسم بالعراق .
فالمغامرة باتجاه التجريد ، عنده ، لا يبررها بالعودة الى التراث ، إنما بالتوصل إلى رؤية خاصة . يقول الفنان : » كانت تجربتي في أوربا قد وضعتني أمام مادية العلاقات وميكانيكية الحياة وهندسية المعالم في كل شيء . جاء التفاعل بطيئاً ومن خلال الممارسات والتفتح ، تمكنت من خوض التجربة موفقاً بين المعصرة والحداثة وبين الرومانية والأصالة الشرقية « .
وأفهم من هذا ان الفنان تمرد على حصيلة ما تعلمه في الصين ، عدا الخبرة ، وانه سعى لاكتشاف ذاته من خلال الاهتمام والصرامة في إخراج العمل . فالدقة عنده ، والمعالجة الصارمة ، والاختزال ، كلها تذكرنا بالحل التجريدي الذي تبناه . ان الفنان الذي لم يعد يرسم » الفكر « » الإنسان « ، أصر بعناد في دفع مغامرته إلى معالجات جمالية ، تبدو للوهلة الأولى ، ذات هم تصميمي أو هندسي ، لكن الفنان ، بهذه الدقة ، وبالأسلوب التجريدي ، عبر عن واقع الرسم ضمن الحلول الأخرى الموجودة . فالرسم التجريدي عنده لم يتجرد عن المضامين العاطفية العميقة ، وعن التعبير الرمزي ، عن أزمات الذات ، وعن حزنها غير المحدود . ويمكن القول ان رافع الناصري أراد ان يكتشف رؤيته بهذه الوسيلة الغريبة عن واقع الرسم التقليدي عامة ، معبراً عن تمرده الفني والاجتماعي في آن ، ذلك انه سعى ان يخلق رؤية أخرى تتجاوب مع رؤيته . ومع انه ما يزال يعمل بنفس الأسلوب ، إلا إني رأيت له أعمالاً لم تعرض بعد أو انها قد عرضت خارج القطر ، فيها عودة الى رسم الإنسان ، ومحاولة تفصح عن تفكيره الدائم بالمعاصرة . وأعتقد ، ان الناصري لو واءم بينهما ، أي بين التشخيص والمعاصرة ، فإنه سينجز أعمالاً تعبر تعبيراً جديداً عن المعاصرة ، دون إسراف في التجريد ، الذي يقود ، غالباً ، إلى المجال الجمالي المحض.
§ راكان دبدوب
أتفق مع قول الناقد ، جبرا إبراهيم جبرا ، في ان راكان دبدوب » يمتاز بحسية يجازف بالكثير من أجلها ، والحسية لديه متصلة بالفكرة التشكيلية نفسها التي يستخلصها تجريدياً من معرفة الأجسام والأشياء معرفة حارة ، فرحة « .
ولكن راكان دبدوب ، المتعدد الاتجاهات ، يكتشف في رؤيته المختلفة ، وسيلة لدمج عدة نظرات في العمل الواحد . فهو كرسام ، يعمل كنحات ، فضلاً عن استخدام فن الخزف ، على الأقل في اللون أو الشكل أحياناً ، في اللوحة ، فهو يضع حلاً يجمع فيه عدة تجارب ، أو عدة أنماط من الرؤية .
ان الشكل في عمله ، غريب ، ويصل أحياناً إلى الإيحاء بالسوريالية ، أو بالرمز ، أو بالتجريد ، بيد أنه لا يختار السوريالية أو الرمزية أو التجريد ، بل أنه لا يختار أية مدرسة من المدارس ، إنما على العكس يحاول ان يتوصل إلى نتيجة جديدة من خلال هذا الدمج ، الذي يبدو أحياناً ، أو غالباً ، مضراً باللوحة .
ولكن راكان دبدوب الغزير الإنتاج كما أعتقد ، يهمه الإنتاج الفني ومواصلة العمل ، وأفضل إثبات لهذه الفرضية ان أعماله الأخيرة تتمتع بإتقان حرفي ، انه إتقان للأجزاء لا للعمل كاتجاه أو كتعبير عن فكرة محددة ، كما أن معارضه أو مشاركاته تشير إلى ذلك.
§ صالح الجميعي
ومع أن جبرا إبراهيم جبرا ، في نقده الفني ، ينتمي إلى الانطباعية أو إلى النقد الأدبي ، إلا أن العديد من تشخيصاته ، موضوعياً غاية في الدقة والصواب . فما كتبه عن صالح الجميعي ، ومنه مثلاً : » … منذ ان كان يستعمل طريقة الطبع في أوائل الستينات ، غموض لا مرد له ، أعماق مظلمة يقعد فيها أشخاص مجهولون في حيزات مجهولة ، أشبه بأشخاص يقيمون على تخوم أحلام رهيبة ..الخ « .
إنما يعبر عن حدود تجربة الفنان ، المعبرة عن واقع سنوات الستينات . ان الجميعي الذي يبدو غامضاً، أو مظلماً ، إنما كان يعبر عن مشكلات لا تحل إلا بهذا الشكل ، وهو شكل مزدوج . في الجانب الأول : كانت المشكلات آنذاك ، معقدة ، فضلاً عن إنها تتطلب وسيلة جديدة للتعبير . وهذه الوسيلة ، أي الجانب الثاني : كانت تدفع بالفنان إلى اكتشاف وسائل وإمكانيات أخرى للرسم ، وللتعبير عن التطور الفني .
فعندما أستعمل الألمنيوم ، ربما لأول مرة ، لم يقصد الفنان التجديد فحسب ، أو المعالجة الشاذة والغريبة ، بل قصد أصلاً ، ان يجد وسيلة فنية تناسب الأفكار . لهذا لا يمكن فهم طبيعة الرسم عنده ، دون فهم فكرته الأساسية عن الإبداع ، وهي فكرة أن يكون مخلصاً للرسم وللأفكار في آن . وإذا كان صالح الجميعي لم يعبر عن فنه بالأفكار ، كما هو حال الأغلبية ، فإنه استطاع ان يعبر بفنه عن اتجاه لم يتبلور ، فكرياً وفق نظرية فنية متكاملة ، فلقد عبر أسلوبه الشخصي المتأثر بالأساليب الغربية ، عن رؤية تجديدية ، رؤية قريبة إلى التجريد ، وقريبة إلى الرمزية ، ولكنها في الأصل ، رؤية حاولت ان تكتشف مجالها الخاص ، والذاتي ، من خلال الواقع المتشعب ، والمتعدد الاتجاهات .
§ نوري الراوي
لقد تعرفنا على عدة تجارب متباينة مختلفة في النظر وفي الأداء . فإذا كان ضياء العزاوي يستلهم التاريخ ، ورافع الناصري يتخذ من التجريد أسلوباً له ، فإن نوري الراوي ، الذي تأثر بجواد سليم فترة من الزمن ، وبفائق حسن أيضاً ، سيكتشف لنفسه طريقاً خاصاً به . ويبدو ان الراوي لم يتكلف في البحث عن هذا الطريق الخاص ، كما حصل عند ضياء مثلاً ، أو عند صالح الجميعي ، إنما عبر عن مشاعره بوسيلة أقرب إلى الشعر منها إلى الفلسفة أو إلى القصة – كما عند كاظم حيدر - . فقد أعتمد الفنان فكرة إحياء قرى طفولته . قرى الصحراء في راوه . ولا يمكن للمشاهد أن يتجاهل تأثير سنوات العقد السادس ، في مناخ هذه القرى المرسومة برهافة ودقة . هذا التأثير الواضح في القرى شبه المهجورة . ففي النادر ان يرسم الفنان بشراً بين أطلال قراه وأزقتها . إنها قرى مهجورة ، قريبة إلى ديكور المسرح الذي شهد مأساة . ويمكن ان نستنتج عدة ملاحظات لهذا الأسلوب . مثلاً : ان الفنان استفاد من البيئة الواقعية وحولها إلى فن . وان طبيعة الشعر الكامنة في الفنان ، قد ساهمت مساهمة عظيمة في خلق مناخ شعري ، قريب إلى تصورات الطفولة . بيد ان هذه الطفولة ، غالباً ، ما تكشف عن نظرة حزينة ، فهذه القرى المهجورة ، الضائعة ، والتي توحي بالتاريخ القديم ، والأطلال ، لا تفتقد المعنى الرمزي . بيد ان نوري الراوي ، في الأعمال الأخرى ، التي يكرر فيها موضوع المرأة ، وتلك الحالة من التأمل ، والنظر إلى جسد المرأة كقيمة مقدسة . يكشف لنا عن جانب آخر من تجربته. قلت ان موضوع المرأة عنده يكشف عن حالة يأس ، وعن شهوة مستحيلة ، أو عن رغبة لا سبيل لتحققها . لكن اللوحة ، بحساسيتها ، ومناخها الذي يكاد يبعث تلك الرائحة الخاصة ، الرائحة المرتجفة ، تمنحنا رؤية جمالية ، ويمكن أن نرى اكتمال هذه الرؤية في أعماله التجريدية والتي يختزل الفنان فيها الكثير من التفاصيل.
ان تجربة نوري الراوي ، في التعبير عن رؤيته الذاتية إلى الأشياء ، والعلاقات ، كشف عن عدة حقائق نفسية واجتماعية . كما انه استطاع أن يعبر عن طبيعة الرسم عنده ، بإدخال النظرة الشعرية ، ومزجها بمادة الرسم ، وتكراره لموضوعات محددة هي القرى ، والمرأة ، والنظرة التجريدية التي كانت ، كما أعتقد ، النهاية المنطقية لأسلوبه ، وكل ذلك يعبر عن نظرة جمالية ، لا تخلو ، في الغالب ، من محنة أو حزن عميق .
§ محمد مهر الدين
عندما عاد هذا الفنان الشاب ، الحاد المزاج ، والمتقلب ، والعاطفي لحد الإسراف ، من بولونيا ، في أواسط الستينات ، استطاع ، بعد عدة معارض ، ان يجعل فنه مؤثرا ً ، وان يشكل مع عدد آخر ، هذه الظاهرة التي أسميتها : بالطريق الخاص .
ان محمد مهر الدين ، لم يرسم بواقعية أو تعبيرية أو تجريدية ، بل رسم بأسلوب نلاحظ فيه العديد من المدارس . لكن ذكاء الفنان ، أو النتيجة التي توصل إليها ، تختلف عن النتيجة التي قدمها راكان دبدوب . فظاهرة الأخذ من كل الأساليب ظاهرة حقيقية ، وتاريخياً يمكن تبريرها . بيد ان النتيجة الجيدة عند البعض ، أي النتيجة المتكاملة والتي لا يظهر فيها هذا الدمج نابياً أو شاذاً ، مثل تلك النتيجة تهمنا .
فأسلوب محمد مهر الدين ، المستفيد من المدرسة البولونية ، أو قل ، من بعض الاتجاهات وبعض الطرز، قد عبر عن مشكلات عربية ومحلية بعمق جعل من هذه الأعمال تتحول الى طراز فني مستقل . فالأفكار الكثيرة التي عبر عنها الفنان ، والحالة التعبيرية الحادة التي يتمتع بها ، والحساسية اللونية ، كلها كانت تدفعه إلى الاستقلالية والى هذه التجارب الفنية . وصحيح ان محمد مهر الدين ، قليل الإنتاج ، إلا ان لأعماله شهرتها وتأثيرها أيضاً . لربما هذا يعود إلى فكرته الأساسية عن الإبداع : أي أن تكون اللوحة ، معبرة بأسلوب رمزي يجمع بين العام والخاص من خلال الأسلوب الفردي . فلقد عبر ، ومنذ سنوات عدة ، عن قضية نفي شعب فلسطين ، وصور الكثير من الحالات المأساوية ، ببشاعتها ، ولكن دون تبسيط أو إعلانية مجانية أو زائفة ، ذلك لأنه يرى في هذه القضية ، قضية أساسية وخاصة ، كما يرى فيها ، قضية عامة . فعمله عن » تل الزعتر« مثلاً ، يوحي بوجود قضية . إن عنوان العمل ( تل الزعتر ) يذكرنا بهذه المجزرة ، بيد ان قليلاً من التأمل لهذا العمل ، لا بد أن نحال إلى قضايا أخرى .
ان محمد مهر الدين سعى للتعبير عن المعاصرة ، من خلال موضوعات مختارة بدقة ، فقضية التعبير عن الشعب ، عنده ، هي الأساس والدافع الحقيقي لتعميق موهبته . ويجب ان أقول ، باعتراف فائق حسن ذاته ، ان مهر الدين واحد من الرسامين الجيدين في العراق ، لكنه ، لأسباب كثيرة ، أهمها ، قلة أعماله ، اكتفى أو توقف عن تطوير أسلوبه ، الذي أسميه : بالأسلوب الرمزي المشحون بالتعبيرية ، وبالأفكار ، والحالات النفسية المعقدة .
§ ملاحظات أخيرة
الفن المعاصر في العراق ، وعبر نصف قرن ، على الأقل ، استطاع ان يعبر عن عدة ظاهرات ، كمسألة البحث عن الشخصية الوطنية ، وثانياً : ان يؤسس قاعدة حرفية ( تقنية ) مرموقة ، وأخيراً ، ان يعبر بتجارب فردية عن مختلف المراحل التي مر فيها العراق ، من الناحيتين السياسية أو الاجتماعية .
فالفنان في العراق ، ساهم ، وسعى ، لتأسيس فنه الوطني ، كما ساهم بوضع قاعدة فنية ، وبخلق تقاليد في العمل ، أو في العرض ، وأخيراً ، لم يهمل الجانب التجريبي في البحث .
وبمعنى أدق : انه كان يفكر بطريقة الفنان العربي ، مساهماً بخلق نواة الفن الوطني والقومي ، المستقل الشخصية ، والمعاصر في آن . لكن الفنان في العراق ، لأسباب ما تزال مجهولة أو غير محللة ، استطاع ان يحقق الكثير من النتائج الإبداعية ، قياساً بالنتائج التي حققها الفنان العربي في باقي الأقطار .
ولربما هناك سبب مهم جداً ، وهو : ان تجربة الفنان هنا ، قد كانت تجربة لصيقة بالواقع السياسي والاجتماعي ، وهي تعبير عن مجد قديم أراد له التاريخ ان يبقى في حيز الظلام ، فترة طويلة من الزمن ، لكنها ليست أزلية أو خالدة . وذلك لأن تجربة هذا الفنان ، كانت قد عبرت عن هذه المشكلات ، كقيمة أولى لأسس العمل ، دون ان تترك الابتكار يؤخر معانيه ، وبأكثرها معاصرة .
ولهذا السبب ، افترضت ، فرضياتي الثلاث السابقة، أي التي سعى الفنان إليها:
أولاً : ان يضع قواعد فنية .
ثانياً : وان يبتكر لفنه اتجاهات ونظريات .
وثالثاً : ان يستفيد من الفرضيتين السابقتين ، وان يتحرر من التقاليد ، في محاولة شخصية يتجاوز بها الوضع الفني السائد، كي تأخذ التحديثات مجالها نحو الحداثة، كعلاقة جدلية بين الموروث والمعاصرة، كما لفت النظر جواد سليم إلى ذلك.
وقد قلت في هذه الفرضيات الثلاث ، ما ذكرته قبل قليل ، وقد جئت ببعض أو أغلب الأمثلة التي تبرهن على هذه الفرضيات الثلاث . كما ذكرت ، خلال الدراسة ، بالحدود المشتركة بين الفنانين ، ذاكراً ، ان أية فرضية من الفرضيات ، قد نجدها عند هذا الفنان أو ذاك ، دون حدود صارمة أو اختيارات دقيقة جداً . وإذا كنت أرغب ان أقول شيئاً لم أذكره ، هنا ، فهو : ان تجربة الفنان في العراق – وفي باقي الأقطار كذلك – كانت تسعى ، بادئ ذي بدء ، لبناء الشخصية الفنية المستقلة ، وهذه الشخصية ، بمعناها العام ، هي شخصية العربي وكيف ينظر إلى العالم ، والعصر ، وكل القيم المرتبطة بهما . وثانياً : ان يتحرر من التأثيرات القاتلة ، أقول قاتلة ، لأن ما يعانيه الفنان العربي ، في المقام الأول ، هو خضوعه للفن الغربي في قواعده وفي تقاليده الجديدة ، خضوعاً يبلغ حد التقليد وفقدان الخلق بأبسط شروط الخلق . كما قلت : ان هذا الفنان سعى عبر وضع القواعد لتعميق الجوانب الفكرية المتعلقة بالشخصية الفنية ، وبالأخلاق ، وبالأسلوب ، كما قلت ان هناك تجارب فردية متصلة بالجانب الأول ، أو بالجانب الثاني . لكنها سعت دائماً ، أو في الغالب لخلق رؤية أكثر تعبيراً عن الواقع ، وأكثر عمقاً فنياً ، وتفرداً في الأسلوب .