بهيجة الحكيم: في ذكرى رحيل الغابة!

[ من الوردة إلى نصوص الأمل ]

 

عادل كامل

 

 

*  أيهما جرجر الآخر إليه: الفنانة أم البستان..؟ أم كان علي ّ أن أتساءل: أيهما أضفى على الآخر لغزا ً من السحر، الغابة أم رسامتها؟ الفنانة بهيجة الحكيم (1938 ـ 2008) وهي كرست حياتها كلها في تصوير الورود،  تجعلنا نتساءل: أم أن الورود والبساتين، كلما خطر ببالنا الفردوس، لا نتذكر إلا بهيجة الحكيم.

* قد لا يجد بودلير، أو أي شاعر عظيم في ملغزاتها إلا مدخلا ً مموها ً لعالم آخر، غير الشفافية، وغير ملامسة العطر لزمن الإنسان الضائع. ففي غاباتها يكاد الجحيم يؤجل، أو يتوارى، لولا أن سرا ً ناء ٍ لا يكمن إلا في الجمال: المرارة. ذلك لأنها لا ترسم فرحا ً عابرا ً، بل لذّة يصعب تذوقها إلا عندما تغدو بمصاف المستحيلات. فالغابة بمكوناتها لا تطردنا، بل تنذرنا، لأنها لا تقول إلا ما تقوله الهة الحب والموت، إنانا: الدفن. ومن ثم إقامة الأعراس.

* ورود، وبساتين، وغابات بهيجة الحكيم تحكي قصة فنانة نسجت علاماتها، كما فعل فنان الشرق: القداس. فالموت سبقها، مثلما تكّون، قبل بدء بذور الخلق. الموت وقد سكن الزوال: في العطر، كما في النسيم، وهو ينقش تاريخ العشق. فهما، الموت والعشق، يتوحدان بعيدا ً عن الشغب، والضوضاء، والغش.

* واذكر ـ لمناسبة عودتها إلى الجذور، وتحولها إلى ذبذبات ـ انها لفتت نظري للمرة الأولى في لوحة صوّرت فيها الحرب الأهلية في لبنان ..إذ ْ لم تصّور إلا غابات الأرز، والجمال في ذروته: الموت، وكأنه كتم صرخته الأزلية: لا!

* ففي تجارب نصف قرن من الرسم، لم تصّور الرسامة إلا كفنا ً طرزته بتراتيل وخيوط وألوان لجسد اسمه: العطر. فالجمال، هو الآخر، احد أفعال الموت!

* فإذا كانت ليلى العطار لم ترسم إلا جسدها في الغابة، عابرة من المجهول إلى المجهول،فان بهيجة الحكيم توغلت في الغابة،عميقا ً، ومعها رموزها: استحالة أن يكون الموت إلا وقد سكننا في العمق. هذا الانشغال حد فقدانه، لم يكن ترفا ً، أو بذخا ً، أو نعيما ً، بل استذكارا ً غامضا ً للاعتراف بان ما هو قاس ٍ، وصلب، وجائر، استحال إلى أثير! ألا تبدو نصوصها، منذ لطّخ إنسان المغارات استغاثاته ـ فوق الجدران ـ وبين عالمنا ـ وفي أجسادنا وأرواحنا ـ : رفيف لرحمة لا تبلغ ذروتها إلا في الغابة، ولكن، ليس إلا في ذروتها: الجذور والغياب والورود!

 

 

 

 

 

 * إشارة:

      تذكر المصادر المسندة إلى الحفريات [ لا إلى التأويل ] إن أقدم  فعل دفن له خصائص التشفير والرمز جرى في  شمال العراق : لقد وضع الرأس باتجاه غروب الشمس ، في حفرة مستطيلة  مشيدة بعناية ، والى جوار الراحل ، وضعت فخاريات ، وطعام ، وباقات  من الزهور البرية  .. الخ : هذا المشهد ـ الذي يعود إلى مائة ألف سنة ـ يدمج ، مقارنة ، بين الموت والطبيعة . انه ليس مشهدا ً مثاليا ً ، بل يتضمن أقدم بذور الصلة بين المجهول والمرئيات .  وسيتكرر نظام وضع الزهور ، في حضارات مختلفة . وبعيدا ً عن عمليات استنطاق الأثر ، فان  النقوش المصرية ، والعراقية ، والصينية ، والأفريقية .. الخ  تكون أدركت مغزى هذه العلاقة ، بما تتضمنه من تكرار مختلف .

     وتصنيف أنواع الزهور ، وتطور  سلالالتها ، وجمالياتها ، وأشكالها ، ليس قضية فنية محض .  لكن الذاكرة الجمالية ، حتى في أشدها  مرارة ، ارتقت بالمشهد نحو رمزيته . لقد  غدت البرية ، والحول ، والبساتين [ من الطبيعة إلى المصنع ] موضوعات لا يمكن للمخيال الاستغناء عنه . فالزهور ـ كالكائنات ـ  لا تندثر بزمنها : إنها تحمل سر انبعاثها أيضا ً .. وان  العالم المؤجل ، للسعداء ـ الأكثر شقاء ً في الأرض ـ سيتمتعون بالحدائق الغناء والوجوه الحسنة .  ولقد رسم رسام المغارات والكهوف ، في فتراته المتأخرة ، الزهور ، فوق آثار أسلافه .. كي لا نجد ، في أي متحف كبير للفنون الاثارية ، نصا يخلو من وردة !

     وكقطيعة مع الرمز ـ أو الاستعمال الرمزي ـ أحدثت الانطباعية  اختلافا مازالت امتداداته معلنة : ان الخروج إلى الفضاء ، حتم اكتشاف مملكات النبات الغناء . لكن الانطباعية  التي شرحّت ، وفككت ، الطبيعة [ والطب أسهم بتفكيك الجسد ، هو الآخر ، وغادر بنية الأسرار والمحرمات والأقنعة ] لم  تقلل من شان نص سعدي الشيرازي [ البستان ]  ولا من  أزهار بودلير [ أزهار الشر ] لكن الانطباعية  استندت إلى الفضاء ، والى الضوء [ الذي فككه نيوتن في القرن السابع عشر إلى أطياف  ] : لقد تم تحليله وإرجاعه إلى وحداته . بيد ان علوم ما بعد اينشتاين ، وهي تضعنا في أبعاد يتم اكتشافها تباعا ً ، بعد البعد الرابع ، تنظر بحذر لقضايا لم تعط إلا بحدود  ملكات المشتغلين فيها .  عالم الورود ، وقد رافق أقدم التجمعات السكانية ، وأقدم القرى وصولا إلى مدن الحداثة والمدن النووية ، ومدن الفضاء الخارجي ، لم يفقد جاذبيته ولم يفقد سريته : انه لا يغادر عفن / وعطر / فرضية بذور الحياة الأولى : الرائحة ، أو اللاشكل ، وجدت مأواها في الوردة . ولا احسب ان من يتتبع هذه الكلمات قد نجا من شم حبيبات وردة ما ، لها ذكرى   تحدت زمن غيابها ، رائحة ما للماء أو النار أو التراب عند سقوط المطر أو رائحة جذور الأشجار أو العملة إن كانت ورقية أو معدنية [ رائحة أقدم الأسرار ـ حيث بريق الذهب يجرجر أتباعه إليه ، كما يجرجر الموت الجميع  ] وهي الرائحة التي ستتشكل عبراشكالها المنتقاة . وقد أشار جيل تولوز إلى ـ: ان قصة الزهور في الرسم هي بمثابة الإبداع الدائم ، المتكرر والمستمر للمؤثرات الانفعالية والادراكية الخاصة  بالأزهار . والفن هو لغة الاحساسات أكانت بالكلمات أم بالألوان أم بالأصوات أم بالأحجار .

     ولا أغزر من الذائقة الجمعية في بناء هذا المتحف : النقش المباشر ، والتحوير . ففي كل اثر ، وفي كل أداة ثمة وردة أو أجزاء استمدت منها : في المنسوجات ، والجدران ، والكتب ، والفخاريات ، والملابس ، والأسلحة ، والأضرحة ، والحمامات ، والصالونات .. الخ تضع علامة الانبثاق.. منذ وردة عشتار ـ بعد ان بعثت ببعلها إلى العالم السفلي ـ إلى جوار حياة لا تكف عن الزوال  ، وليس انتهاء ً بورود مانيه .

     هذا التضاد ، منذ بارك البصر عمل النقاش ، والسمع عمل الكتابة ، توحد ـ ووحد ـ اختلافاته كبنية مغلقة ، وممتدة ، لا تقبل الفصل . فمنذ  وردة جلجامش وأزهار بوتشلي وعصر النهضة ، مرورا ً ، بالاحتفالات الأسبانية في لوحات فلاسكيز وكويا ، واستذكارا ً لحدائق  رينوار وبونار ، وليس انتهاء ً بحداثق لا تحصى ، مكث الرمز يعيد صياغة مخيال الواقع ، ومكثت الواقعية ، في تجددها ، تبتكر طرقا ً للامتداد . وهل قلت إلا الذي لا يحصى في ذاكرة المتابع ..؟ أجل !  لقد بلورت أقدم الحداثات ـ وأحدثها ـ أجناسا ً للخطاب تكاد تبدو انها لا تحمل إلا عطراكوانها المجهولة : عفن نبتت داخله أقد الزهور ، وأقدم الخلايا الأحادية والمركبة ، وأقدم البرمائيات  والطيور .. لكن هذا المخفي ، الذي  يتدرج بالظهور ، يزداد نأيا ً ، كلما خضع للتشريح والتفكيك . انه يزداد ، كما أزهار الموت والفردوس ، جاذبية واتساعا ً . فالورود  لا تخفي إلا عندما يغدو عجز الإدراك إدراكا ً ..! لكن الرسام او الصائغ او صانع النصوص المعاصر ، يتحدى هذه الاستحالة . انه يعمل بها ، لأنه ، وهو يعيّد ، ويحتفل ،  لا يكترث لمعسكرات الابادة ، وكوارث القمع الجمعي ، وزلازل الطبيعة ، بل ولا يلتفت لعزلة  المحتضر ، لأنه لا يستطيع إلا ان يلعب لعبته : انه يجعل المشهد كعلامة لهوية  لا تقول إلا الذي يتضمن هذا كله : كل الأضداد : وكل الاختلافات . فالفخ  لا يختتم بإمساك الضحية ، بل ، للمضي  بعيدا ً في التتابع . ان أزهار العفن ، تنقلب ، وتغدو ، في مشاهد لا تحصى ، نذورا ً وعقارا ورموز محبة . فالوردة ليست العطر أو  رمزا ً للوفاء والعشق ، إنها أحيانا ً ، السم ! أليس الزمن لا يتأسس إلا بما لا يعرّف ، ولكن في وثباته وديمومته ، مثل الوردة ، لااحد يعرغ ماذا تريد ان تقول لمن حاز عليها ..؟  نتوقف عند رسامتين : بهيجة الحكيم في رمزيتها وسندس في فضاءات الانطاع

 

 

 

 

 

·       وحدة وتعاقب

     لا تشتغل خبرة الرسامة بهيجة الحكيم خارج ديمومة الزمن ، ووثباته . انها لا تخرج إلى البريةـ البستان ـ كي ترسم  مهارات البصر والأصابع والنسج ، بل تجعل موضوعاتها رسما ً تتمثل فيه الحياة  بصفتها سلاسل انبثاقات . هذه الدهشة تأخذنا إلى الأصل ، فلا هوية الا وقد عبرت من المرئي إلى الفعالية : أقدم عناصر المعرفة : أشكال وعلامات كونتها التوقدات ، كي تغدو امتنانا ً داخليلا ً  لسحر المشهد . فالرسامة  لا ترسم حياة [ السكون ]  بالمعنى  الغربي للحياة الجامدة . انها تضعنا في منطق الاتصال ، والوحدة . فهي تعيد صياغة موضوعات لم تعد مثيرة ، داخل صخب حداثات  تحدق في العدم .. ولا تقترح أسئلة ، وفوائد ، ولا تجعل ذكرى [ البستان ]  اشد صلة بذكرى أقدم الغوايات .! إنما تضعنا داخل فضاء علينا الا نحوّم  بجواره ، فهو ليس محض أرضية ـ ومساحة للامتداد ، بل  للحلم والتطهر . وهي ، إلى جانب صياغة واحاتها الصورية لكواكب ونجوم وأقمار ، تنفي  مفهوم السلعة  والربح . فالنص لا يتأسس على اثر ، ولا يسعى ان يكونه : أثرا ً للمرور ونهاية حقبة ، إنما هو  علامة لا تتكرر ، للدهشة . كما ان بساتينها ، بما تحمل من مرجعيات مخفية ، تعمل عمل اللامحدود وقد رصدت ، بعد الانبثاق ، لتبقى مساحة خارج الانغلاق ، ولا  تنجذب إلا لمركز تقع فعالياته في المشهد بأسره . ان مشروع الحكيم ، منذ البدء ، وقبل سنوات طويلة ، لا يعزل صلابة الواقع عن دينامية الرؤية الداخلية : التطهر . فالعناصر  ليست محض لحظات تحيا في عزلة ، بين سرية الماضي وفضاء المجهول ، بل هي الزمن وقد غدا يعلن عن كثافته . لقد استبدلت مشهد  الفضاءات ، ورصدها  لقلائد السماء والشذر ، إلى غابة مصغرّة لا تكف تتدفق بمخفياتها ، وبمرجعياتها غير المعلنة . فالزهور، حتى إذا بدت وكأنها واقعية ، فأنها لا تكف تعمل عمل تشتت القوى وتكونها في أشكال . انه مشهد حلم اليقظة ، وهو مشهد استيقاظ الحلم. فالفنانة لا تضع حدا ً لمتجاورات الحلم . انها  تسمح للذاكرة ان تعيد صياغة  المخيال ، وكأننا لا نستعيد الفردوس ـ بعد الطرد ـ بل نكونه . فهل ثمة غاية ، عبر الأفعال ، لا تجعل الأسطورة  ذاتها وقد غدت امتلاء ً ، كتجاور المتعاقبات ، وقد صار المركز هو كل الحركة ؟ ان الفنانة لا تشتغل بالسحر ؛ سحر استبدال العاطفة باستبدال العناصر ، ولكنها    تمسك بالسحر ذاته ، وتتركه يأخذ طريقه  إلى الاكتمال . ألا تجعلنا نستعيد أقدم ما دوّنه الرسام الأول فوق جدران المغارات : هذا الإرسال وقد غدا كامنا ً ، بمكوناته البكر ، وكأن الزمن ليس سوى المرور ، وقد ترك للرائي نشوة الانبثاق ، والامتلاء . ألا تبدو نصوص الحكيم ، وهي تعاصر  مآزق  انغلاق المعاني ، وقد غدت خاضعة لتراكمها، وزوالها . انها ترجعنا لاستنشاق العطر  قبل ان يصنّع ، وقبل ان يصبح سلعة ، وهدفا ً للاستهلاك . هذا العطر ، المجمّع برهافة من البرية والحقول والحدائق والبساتين ، ألا  يعبر ، فلسفيا ً ، عن مغزى مغايرا ً للانغلاق في مآزق  عالمنا المعاصر ، الأكثر تجريدا ً وتمويها ، ان يسمح للذات ، ان تكون مخيلا ً لنسج علامات الحالم ، مندمجة ، بحلم الحقل ـ الكون ..؟  وفي دافع لا يقبل  التأويل ، ألا تحررنا الحكيم ، بعد الذهاب ، ابعد فابعد ، في نصوصها ، لنتبع لا حافات الحافات ، إذ انها تبقى تصوّر الألفة ، المؤانسة ، والتتابع ، في مشهد لا يخضع للتجزئة ، أو التقسيم . فاستبدال أطوال موجات كل لون بباثات كل عطر من عطور حقلها البري ، يجعل الحواس وقد كفت عن وظائفها .  لقد اشتغلت الرسامة على مغزى الرسم بجعله ، علما ً للسحر ، وفي الوقت ذاته ، سحرا ً للاتصال والوحدة . فالعطر يصير منظومة حدسية لاستذكار أول بذور الخلق . والفنانة ، هنا ، لا تغادر زمنها ، ولا تكترث بالانغلاقات ، لكنها ، لا تنغلق عند الأشكال ـ كرسامة ورود ـ بل تحررها وتجعلها بوابة دخول ، لا بوابة مغادرة .  ألا تبدو رسومات المغارات ، في ـ ما بعد الحداثة ـ قد امتلكت  فضاءات اللامحدود ، في المرئيات ، أو على صعيد حبيبات الزمن ، وان الحكيم ، بذهابها إلى الفضاءات ، أعادت  بناء تاريخ المنسيات ، وسمحت لها ، في المخيال الحديث ، أن تعد للجمال طقوسه ، خارج أقنعة وهم الطوطم المعرفية ، والميتافيزيقية ..؟ وانها  ، في هذه الابتهالات الجمالية ، تمنح نقاط العبور ، والزوالات ، أبديتها ، لكن ، في حدود ما يريد العالم ـ عبرنا ـ أن يدوّنه ؟ ألا تبدو العلامات ، وقد تجمّعت ، قد جعلت فعل النسّاج ، وهو يوصل خيوط نسيجه ، يرتل ، في فعل المرتّل ، ما تريد الأصوات أن ترسله ، عبر ديناميتها ..؟

·       التمويه والانجذاب

 

     في المشهد البصري ، هل تمثل معالجة الأشكال ، بالزخارف ، تمويها ً لنا ، كي لا نرى شيئا ً .. أم .. على العكس ، من اجل جاذبية تلغي الحدود بين المرسل والمستلم .. كي يتحقق الفناء ، بالمعنى ألطهري ـ ألعرفاني ـ والوحدة ، بالمعنى الوجودي ..؟ معا ً .. تصوّر الفنانة أشكالها بعناية مزخرفة  شرقية لا تسمح للفراغ إلا أن ينشغل ، بشكل ينفي وجوده . إن  الإبعاد القصدي للفراغ ، وتشكله ، بأشكال هندسية ، حادة النهايات ، ومطرزة بأنامل تكوينية ، يفتح مكانا ً ـ مساحة ـ للسكن : للتنقل . فالأشكال الهندسية المستمدة من تنويعات لا تحصى للورود ، يثري  النص ، بقدرات  إعادة رسمه ، لدى المشاهد . فثمة جذب غير مباشر للأشكال .. ولكنه ، في الوقت ذاته ، يحافظ على ألغازه . إن الفنانة لا تصنع مفاهيما ً فلسفية ، ولكنها  تجعل نصوصها مقتربات للمحبة ، محبة ماذا ..؟ انها  ليست الطبيعة ـ كما في الوجود أو في التصوير الفوتوغرافي ـ بل في تحولاتها إلى شذرات : علامات مختزلة ، ولكن ، زاخرة بإجابات ليست ضرورية . كما ان النص لا يتحدد بوظيفة خاصة ، بل بالدافع الذي جعل الوجود ينتج موجوداته .  فالعمل الفني ـ هنا ـ ليس الا علاقة : صلة .. وجسر بين الأعلى ـ السماء ـ والأرض : علاقة تبدأ بحقل الورد ، نحو نجوم تبقى في دينامية .. كأن الفنانة ، بحساسيتها الفنية ، تجعل الانثوي محركا ً للعناصر في الفتها ، وفي علاقتها . انها لا  تلغي الأشكال ، وهي تتنوع ، الا كي تبقى تحافظ على مغزى الحدود . فكل وردة ، في حقلها ، تريد ان تقول الذي سيشكل  نص الخطاب في تكامله لمجموع الأجزاء . فما مغزى الانجذاب ، وجرجرتنا  لنصوصها أكثر من فعل خفي للجاذبية ، في هذا التنوع  حد التمويه ..؟ ألا تبدو ألوان اسماك ما تحت المحيطات ، هي الأخرى ، بالغة الثراء لونا ً وشكلا ً وارسلات أخرى .. كلها ، للحفاظ على ألغازها ، نحو الآخر ، في انجذابات لا تكتمل ، ولن تتوقف عند نهاية محددة ..؟ الا تمثل تجارب الحكيم في مشاهد : الأرض / السماء / وما تحت المحيطات .. الخ ضربا ً من خبرة حدسية صاغتها كي يبقى سر الورود ، كسر ألوان اسماك العتمة ، ولا حافات الكون ، تتعاقب عبر الجذب ، والتمويه معا ً ..؟ ان التحليل يرصد الظاهرة .. لكن الرسامة  تجعل من أشكالها أكثر من ظواهر ، وأكثر من علاقات ، واكثرمن وحدة .. انها تجعل الرسم ـ الفن ـ ارتقاء ً بالحواس نحو العرفان . فالجمال ، ببداهات التوازن  والتجانس والاعتدال .. الخ يغدو معيارا ً ، وان تمويهات الفنانة بالرسم ، تذهب  نحو القلب : المركز . ان هذا الانشغال بما بعد ـ الوعظ ـ والتوقف عن خفايا باثات الوحدات والمفردات المستمدة من الطبيعة والتذكر والتأمل ، تنتظم ، في مساحة للنسيج ، كي تصير أرضية ، لكن تنقلب إلى الأعلى ، أو تأخذ مكانها فوق الحيطان . فثمة انتقالة من الورود الأرضية ، والبحرية والكوكبية ، نحو لغة هي حصيلة التقاء الغاز صاغتها الفنانة ، كي تحافظ على ما تريد ان تقول . انها لا تشرح لنا ذلك .. وإنما ـ بعد ان كانته ـ تريد للآخر ، المشاهد ، ان يكونه : استذكار اللغز ، في انفتاحه كعلاقة جمالية تجاور علامات السماء والحقول والبحار . فالحكيم ليست رسامة ورود ـ مع انها رسامة ورود ! ـ الا لأنها ذهبت وراء الهندسة ، نحو محركاتها : الباثات ،  أو عبر نظام الاشارات الخاصة بالروائح [ الفرمونات ] ، مثلا ً ، أو تنويعات الملمس الخاص بكل وردة ..الخ كي لا تضع أقنعة فوقها ، بل كي تزيلها ، بتثبيتها مع عوامل انبثاقها ، وبثها ، وإرسالها  الرمزي ، بعد ان منحت الأشكال وظائفها التقليدية ، وبعد ان اغتنت بالثراء اللوني ، والشكلي ، والحسي لملامس المعالجة . انها حافظت على دينامية مضافة ، عدلت استلامها للأشكال ، واعتنت بترتيبها بهاجس بناء الطير لعشه ، ثم ، لم تتخل عن الدافع  الكامن وراء السطوح . انها رسامة تجعل المرئيات ،  تعبر، كالأطياف .. فلا نتساءل ، بل نكرر قراءة النص ، من اجل ان يكتمل المشهد بين الانشغال ـ التمويه ـ وبين الانجذاب ـ الامتلاء ـ واستحالة الانغلاق أو الحذف .

 

·       من الوردة إلى التركيب : تجانس العناصر

 

     لا تفترض نصوص الرسامة عمل المرآة . فالنصوص لا توجد في الواقع ، إلا كمفردات متفرقة ، تجعل عودتنا إلى الطبيعة ، ممكنة ، بل ومتوازنة  بدوافع صياغة النص وأهدافه . ان الرسامة تعمل على تركيب وحداتها المتنوعة لعالم  النبات : أزهار البرية ، وورود  زرعت بعناية القلب واليد تكاد تكون صياغة لأفكار الرسامة وتصوراتها . لقد عرضت سلاسل من المزهريات ، وباقات من الورد ، ومصغّرات لا  تحصى ، كي تنتقل إلى مساحات تتجمع فيها  علامات لا تعكس هدفا ً فوتوغرافيا ً ، أو انطباعيا ، بل يكاد يتقاطع مع الذاتي ـ التعبيري  في الفن . هذا التدرج من الوردة الى نسيج النص التركيبي ، يعيد تقاليد راسخة موثقة عبر المخطوطات الشرقية : اختزال الكثرة ، واعادة تكوين المشاهد ، بصفتها مساحات للإرسال ـ والبث ، وليس انعكاسا ًسلبيا ً للرائي ـ أو لمباهج مشاهد البساتين والحدائق .

     لا شك اننا لا نغادر عادات الاشتغال بكيمياء العمل بعناصر الطبيعة ؛ عادات جعل العين تعمل عمل الراصد ، والمراقب ، والموثق .. وفي الوقت نفسه ، تمنح الفنانة مفهوم التحويل ، والاستبدال ، والانعكاس ، أثرا ً  لا يغادر المحركات الداخلية . فالتركيب لا يعمل كصهر للوحدات ، بل لجعلها تعرض مادتها كنعيم مستعاد ، منتشر وبري غالبا ً ، وكعمل مضاف على صعيد صياغة عادات  داخل أرضية ـ مساحة ـ اللوحة : أصان وأهلة وعيون وخلوات وقلائد واكف ووسائد  وأعشاب ومفروشات .. الخ كأنها على الضد من تجريدات عصر الحداثة ـ عصر التصنيع وتصنيع المصنوعات والقطيعة مع الطبيعة ـ تتأمل عملا ً ، بحثا ً في دينامية حياة تتعرض للزوال . ان فن الحكيم ليس بديلا لتيارات رمزية وثورية بالغة الصرامة والدقة ، وليس قناعا ً أو تمويهات  لأحداث لا يني الفن يجاورها ويستلهمها ، بل ، هي تأخذ تنويعات الضؤ ـ كأطوال موجات ـ مأخذ التنوع داخل الوحدة . فالعناصر في السحر ، كما في الكيمياء ـ لا تفنى ، مثلما لم يصر البشر أرقاما ً حتى تحت مهيمنات كبرى طاغية ـ بل تبقى فرادة الحس ، والرهافة ، تعمل بمنطق البناء  الكلي لهوية النص ، وخصائصه . هذا النزوع ، يجعل ، البنية ، في الطبيعة ، كما في الفن ، لا يهملان معادلهما بين التنفيذ ، والمحركات .  وهي أهداف الموجودات ، وقد صارت خاضعة لقانونها  في البناء الفني ، وما يشترك معه ، جماليا ً ، ورمزيا ً ، من إيحاءات وأبعاد .

·       النص الفردوسي                          

 

     ربما الجيل الخامس للرابوت ، سيمتلك قدرة الحلم . بيد أن الرؤية  الآلية [ الميكانيكية ] في هذا المجال ، طردت الشعري ، الرمزي ، الروحي ، وغادرته . لكن [ الحلم ] في تنويعاته ، كإنذار ، وإشباع ، ولعب ، وآليات تحت شعورية متنوعة  وخارج الإحصاء والترقيم ، مكث متداولا ً ، على مستوى الوعي الجمعي ، أو على الصعيد الفردي . والفن ، والرسم هنا ، يذهب بعيدا ً عن الحالم : الرسام ـ وخاماته / المشاهد ـ ورغباته . فالفن يتكون بدوافع لا تبدو خاضعة  للحصر ، كوظائف أو كمفاهيم أو كعبث محض ،أو كأوهام لها عادات المقدس ، لأنه هو ذاته صار ، خارج هذا كله ، يحلم . انه لا يستعيد  ولا يدعو الى طريق ينتهي بنقاط حجز . فالعناصر ، تأسس أشغالها ، وهي تتحدث عن رغبات ، وعن أفكار ، وعن موروثات ، وعن عادات ، وعن مخفيات ، وعن آليات أكوان ما انفكت تضع الكائن ـ الرائي ـ في الصفر . ان بهيجة الحكيم تعمل عملا ً مزدوجا ً : إنها تتذكر جنات لا تحصى ترد في مخيال الشعراء والسحرة والعلماء والأنبياء والحكماء والمعتوهين والصعاليك : لا  أحد بلا جنة ! بلا عالم مرح ، لا أقفال فيه ، يتأسس على المؤانسة وعلى قوة المخيال : عالم خارج فولاذ الاعتداء والهدم الكلي للمدن والتلوث  ؛ جنة صغيرة يرى فيها الكائن ، بكل قيود عمل التدجين والترويض والاستلاب ، انه ليس نفاية ، أو هدفا ً ، عاهة ! ألا تجعلنا الرسامة نحلم ـ بحلم نصوصها ـ ان يكون لنا هذا الحلم .. نحلم أننا نمتلك شطحات الحلم ، في الأقل ، وسط  تجريدات الفلسفة ، وأرقام الاقتصاد  المعولم ، وضحايا الابادات .. هذا الاستذكار ، ليس إعادة تشغيل مخفيات خلايا الذاكرة ، واسترجاع محتويات تاريخ الاغتراب ، في مختلف أزمنته ، وإنما بمنح الذاكرة مخيالا ً تعمل به . اننا لا نرتد .. فمستقبل الماضي لا يجعل  الراهن ـ كقيد ـ مرتدا ً ، ومنسحبا ً ، أو بصفته تأملا ً لا يتوخى التغيير ، والدحض . لماذا صار الحلم اتكاء ً ، أو عجزا ً .. أو ـ بالاحرى ـ متى وضع في هذا الموضع ؟ أليس بالحلم ـ لا بالوهم ـ تأخذ الحقائق موقعها في التحولات ، والامتلاء ..؟ وان نصوصا ً فردوسية لن تبدو فنتازية أو عابرة إذا ما أعدنا تفكيك ذاكرة الكبت : تذهب حيث أول أزمنة بذور الخلق غدت ترى ، المحيط ـ المكون لها ، داخلها ، كي تجاوره ، وتعدله ، حتى غدت احد مكوناته . إنها نصوص تغادر المشهد الواحد ، مهما شحن بألغازه ، فتعمل على جمع [ واحدات ] كما فعل السومري ـ المجاور لعيلام ـ بالحساب . انه وضع الرقم ، الى جانب الرقم ، كي يتكون المجموع . انه أقدم فردوس  لعلم الحساب . وفيما بعد ، بعد الانتقال الى ما بعد العضوي ، إلى الهندسي ، لم يعد التركيب ترفا ً : انه يتوازن بمجموع الخبرة الكلية لغير الخاملين ، والعاطلين ، والمهوسيين بالتأجيلات والانتظارات . إن الرسامة ترسم ، في إطار الاستعادة ، مناخات تنمو فيها بذور العلاقة بين الذات والمحيط ، سعيا ً ، لبناء مساحة خارج التلوث . إنها مشروعات لا ترتد إلى الحفر ، وما تحت التراب ، بل تبقى تريد استنشاق فاعلية الاتصال بمكونات الفضاء . فالجسد البشري ذاته ـ كوردة رمزية ـ لا تكونه الخلايا ومحتويات الذرة ، بل تكونه أحلامه كي يمتد ، بالعادات ، وبنفيها . فالوردة هي ،بالتفكيك ، مساحة لا حافات لها ، كالجسد ، كلاهما ، يتكونان ، ويكونان ، أسطورة واقعية شفافية إحتمال صدمات الوجود . يحصل ذلك عندما لا يغدو الحلم ، وظيفة أو  تضرعا ً ، بل ممارسة ، كما هو مشهد  مليارات مليارات الخلايا السماوية ، لا تني  تعلن عن انتظام جمالياتها بقوانينها وهي تبث ، وتهب ، شروط ظهور الآخر ، وقد صار يضعها لبنة في بناء  اتساع النص الفردوسي .  هل كان[ زاردشت ] أو [ ماني ] يحلمان بعالم لا شر فيه ولا خير بمعناه المحدود .. كما نراه ، هنا ، خارج العداء ..؟ لأن فردوس الحكيم ، خارج الميثولوجيات ، يغدو مجهريا ً ، ولكن ، تستطيع عين الحالم ان تراه كي يأخذ دوره في الدخول : التطهر . ان نصوص الفردوس الخالية  من التصادمات ، والزلازل ، وسرطانات المفاعلات النووية ، يغدو نصا ً إعلانيا ً ، لكن ، لصالح أطيافنا ، وأرواحنا . فهو مكوّن  من ذرات البلور ، ارتقاء ً بالمرئي الى الرمزي ، وبالواقعي الى  واقعية مازالت تعمل خارج قيودها .. فنصوص ، بهكذا إيحاء ، تمسك بتوقنا الى سكينة متوقدة ، متوهجة ، زاخرة بتنوع الأنواع وبمحركاتها الأقل إيذاء ً ، تضع مفهوم الفن ، الى جوار الإبداعات الأخرى ، كتوق يرتقي الى الامكان ، لا الى الحلم  المحض ! هل ثمة مفارقة ..؟ كلا ـ لأن  المنجز ، هو ذاته الحلم ، عند المشاهد ، بعد ان نسجته الرسامة بخرز وخيوط وأحجار تبقى مادتها شديدة  الصلة بدوافع الحلم ـ والحالم . والمشاهد ، هنا ، قد لا يرى إلا  كفنا ً نقشت فوقه علامات الراحل ، أيا كان ، عاشقا ً أو طاغية ، ملياديرا ً أو  شحاذا ً ، فليكن ، لأن الرسامة ، لم تتوخ ان تقيد باثات خلايا الحلم  ومكوناته .. لكنها شرعت ببناء نص الفردوس ، وكوجود قيد  المشاهدة . فهو  لا يستعاد . انه يفتتح ، في الجاني الآخر ، منافذ للذهاب .. أين ..؟ اننا إذا  عملنا على تقييد عمل الحلم ، فإننا ، تحديدا ً ، نجلس في موقف مغاير ، موقف الثبات والسكون . وهو موقف الذي يعتقد انه لا يحق للآخر ان يمتلك إلا  الموت . اننا نحلم ـ تريد ان  تقول نصوص الرسامة ـ كي يتساءل هذا ـ الآخر ـ : هل ثمة حافات لكون هو  بمثابة أبدية من الأحلام ، تتجاور ، في تكاملها ، لا في تصادماتها . اليس الحلم هو الباب الذي يصير فيه المشاهد ، عابرا ً ، بعد ان كف ان يمتلك مفتاحا ً لأنغلاقاته ، نحو فضاءات وجدت كي تصير فيها إصغاء ً لمساحات بلا حدود . اليس الحكيم ، رمزيا ً ، تستذكر ، وتستعيد ، كي تنفي ، لكنها ، في النفي تأسس مخيالا ً لمناطق أبدا ً لم تر ،  ولم تصر نبضا ً محركا ً لقلائد كونتها الورود ، والأدعية ، والأهلة ، وبقايا كائنات  تحلم ، تحلم وهي تمتلك شرعية هذا التجاور ، لا في السكن ، بل بدءا ً منه ، نحو أكثر  المناطق عمقا ً في المجهول .  

·       الحياكة : النسج والتجريد

 

حرفيا ً ، إننا أمام رسامة ترسم . انها تلطخ ، كما فعل الرسام القديم فوق جدران المغارات : فهي تصنع من خامات  الزيت بقعا ً ، ونقاطا ً ، ومساحات لونية لدنة ، قريبة  لأشغال الرسام الانطباعي .. ولكنها ، وبالخروج على الحرفة ، لا حذفها ، بل تحويرها ، تمارس عمل النقاش : انها تمارس الحفر فوق السطح ، ولكن بالفشاة . فهي تنفذ صورة ذهنية راسخة ناضجة تفصح عنها بالرسم .. على ان أهدافها لم تعد انطباعية أو حرفية .. فهي تستبدلها بالحياكة : فلوحاتها تغدو اقرب الى عمل وحدات مصغرة للسجاد .. هذه الانتقالات ، والتداخلات ، جعلتها تمارس النسج : الفعل  الأنثوي التكويني  وقد أفصح عن تشكيلات لا تعرف الاستقرار ـ مع انها متوازنة وذات إيقاع  منظم ، حتى ان ولعها يبدو مناقضا ً لحرية الأشكال وعفويتها ـ فالحركة تبقى داخلية ، تحت هيمنة فعل المساحة المحددة للأشكال . فالموضوعات تبقى قائمة على عادات لا شعورية ، ومتوارثة ، بالحفاظ على المناخ الشرقي العام لأعمالها .. وهو المسار الذي وجدت شخصيتها فيه . هذا  التكرار المضاد للتكرار . فالديمومة حتمت عملية توليدية لمنسوجاتها [ الزيتية ] : التكرار غير التام ، وغير القابل لبلوغ نهايته . فاعتماد  الرسامة رهافتها التأملية مع عنايتها بحساسيتها  التشكيلية  جعلاها تنسج ، وكأنها تكتم الكلام ، وتحوره ، من الصوت الى العلامة .  فالنصوص [ لوحة / نقش/ نسيج / ..الخ ] غير مثقلة بالكلام . انها  مشبعة  بالهمس ، وتحويمات كائنات استحالت الى أطياف ، خبأتها وموهتها ، بالتشكيلات العضوية ، والهندسية ، في إيقاع  متواصل ، لا يغادر اختزالاته . فهو على العكس من  أعمال ليلى العطار مثلا ً ، لا يتوقف عند ثيمة : الجسد ـ الطبيعة ، بل يندمج بتصورات عمل الأصابع الإيقاعي حد التجريد والشفرات الداخلية . فالحكيم تهتم بتحوير مرجعياتها الشرقية : البستان الذي هو النعيم ، وبمكملاته : موسعة عالم الطيور ، وتجاورات الرموز ، كلها ، داخل النسيج [ السجاد ] تعمل عمل  العناصر في  معادلة الخيميائي القديم : السحر الأبيض . فهي تبلغ بالنص درجة نضجه ، في نصوص متتالية .  ان لا وعيها جعلها ، تنسج ، بخاماتها المعاصرة ، ما كانت تنسجه المرأة في صناعة السجاد . بيد انها لا تكرر ، ولا تحاكي ، إلا بدافع الديمومة ، في نسج شخصيتها وأسلوبها . على انها تمارس الحذف والتحوير والتشذيب خارج  الاستعمال . فهي  لا تنتج سلعة ، بل ، على العكس ، تنتج ذاتها . انه  امتداد العادات خارج ـ داخل  زمن التقاليد الفنية . فالفن ، عندها ، لا علاقة له بالذروة ، كي يموت ، كما انه يبقى يحمل مغزى  التجاور ، كعلامة جمعية . فتجاربها كغناء طيور البستان ، لا احد يمتلك سر أغوارها كما تمتلك الغابة مفاتيح ذلك النسيج في تماسكه ووحدته ، وبنيته الداخلية . فالرسامة : ترى / تصغي / تلمس / تشم / تتذوق ، الى جانب عنايتها برصد أسرار تشابكات وتداخلات عمل هذه الأعضاء . بيد انها ، في النسج ، تغادر حواسها للسكن في خفايا باثات تلك الحواس : النمط أو الأسلوب في خلاصته الجمالية . فالنص لا يمارس دور الغواية ، بل ، على الضد ، انه مرآة تحدق فينا ، لا كي نحق فيها . فمساحة النسيج تفقد أرضيتها الأفقية كي  تنقلنا الى منظور القبة ، مرئية من الأسفل : فالشخصية  الشرقية الساكنة في جسد ـ وعقل الرسامة ـ الذهن واليد ـ جعلتها تتلقى تجارب الحداثات الغربية كعلامات تجاور ، فهي لم تصغ لها ، بما تريد ان تنسجه . فالكلام لديها بلغ درجة  صمته ، الصفر . ماذا يريد الكائن ان يقول وقد اكتشف انه في بستان سعدي ..؟ ان  الحكيم ، بمنظورها هذا ، تجرد  الفائض من التعبير ، نحو ما هو عليه ، بلا زوائد . فالنص يغدو نسيج ذاته ، بما بلغه وهو موقف من يكتشف انه لم يطرد ، بعد ، من الجنة . ان  أشغالها تولد بقدراتها ـ التلقائية ـ على الاستعادة ، وعلى ، في الوقت نفسه ، الامتداد . فالمستقبل ، لا يغادر نعيم من يتحول الحلم عنده  الى حالم ، بالصيرورة والتتابع ، لأنه وحده يمتلك أسرار الامساك بما هو خارج الحركة : هنا يصير النسج ـ والرسم إلا تعويضا ً ـ في حدود ما يخفيه النص : هذا الإعلان عن لا  حدود الحقل / البستان / بوابة لنسج مكونات الفردوس  .  

 

·       النقد : ونصوص الأمل

 

     لا تستند تجربة الرسامة الى ركائز نقدية ، معلنة ، ولا تنحاز لنظرية محددة في النقد . فتجاربها لا تخضع للتجريب ، كما انها  لا تتأسس على نفي أمثلة وعادات فنية سابقة .. بل يمكن القول ، كما انتقد الفنان الرائد محمود صبري جيل جواد سليم  في مطلع الخمسينيات ، ان فن الحكيم ، ينحاز الى مناطق خارج فعاليات الواقع اليومي ، ومكوناته  التصادمية . فالنقد الفني ، خلال نصف القرن الأخير ، لم يتوقف عند الخصائص الأكثر صلة بالتجربة الفنية ومكوناتها ، بل انشغل، بجعل الفن يمثل مرآة تقترب من الاتجاهات الفكرية ، والإيديولوجية ، مما  جعل الأحكام ، تولد ، وتغادر ، بحسب مركزية ومناخات هذه التيارات وتأثيراتها . وليس الإشكالية كامنة في ما إذا كان ايهما ترك أثرا ً ايجابيا ً أو سلبيا ً ، بل في مدى تجاوره مع التجارب الأقل تطرفا ً ، والأكثر انحيازا ً لعادات الفن ، بالمعنى الاجتماعي والثقافي . والبت في هذا الإشكال ، بحسب اجتهادي ،لا يسبق مصائر الفنون ومدى امتلاكها لأرضية  إنبات ، بدل الاعتقاد  العام ، وهو غير وهمي ، بالانحياز الى حداثات صاغتها أمثلة التحديث المختلفة . ولم تكن ، في الغالب ، متوازنة مع جذور لم تدرس ، وتحلل ، كما استندت الحداثات الغربية الى مرجعياتها ومكوناتها الخاصة .

     فهل كانت رسامة الفردوس الأرضي ، ولم نبق لها ، بحسب الإشارات الخاطفة ، إلا ان تحتفل بنصوصها في غابة ، خارج  التاريخ .. أم ان نمو الأفكار ، يتطلب نزعة مرنة ، إذا ما كانت تستند الى أرضية تقوم عليها التجارب الفنية ؟

     لقد كتبت ، في مجلة [ ألف باء ] عام 1982 إشارة حول نص للفنانة جاء فيه ـ [ في لوحة بهيجة الحكيم تبرز لبنان مدينة داخل حلم . انها تستعيد حلمها بتعبيرية متكاملة الأبعاد . لبنان المدينة ، لبنان الفردوس ، لبنان الموت ضمن رؤية واقعية . حقا ً إنها توثق الحدث ولكن بفن يجعل المشهد المأساوي أكثر تعبيرا ً ] والآن ، لا أعرف إن  كنت أقلد نفسي ـ ولا أكررها ـ في أسلوبي الحالي ، أم انني ، أنا الآخر ، كنت  أقوم  برصد لمحركات الفن ، ومازلت أجد صلات متنوعة ، حد الاختلاف ، لبلورة النص الفني ؟

     في إشارتي السابقة ، كما في المقاطع المتعاقبة ، لم أتبن ، في تجاربها انحيازا محددا ، بل كنت أجاوره . فالمكان في لوحاتها ليس مكانا ً خارج الأرض ، خارج مدينتها التي ولدت فيها : المدينة التي مازالت تتكون من البساتين ، والأضرحة التاريخية التي اكتسبت مغزاها الروحي عبر الزمن .ان هذه الصلة ، بين المكان ـ الطبيعة  [ كربلاء ] والمحرك ، الرموز ، منح تجاربها  اتساعا ً لم يغادر خارطة الفردوس ، لا على صعيد الحلم ولا على صعيد المرئيات . فالاستعادة  التوليدية لعالم خال ٍ من المآزق ، والتوتر ، حد جعل النص مظهرا ً لعنف الأشكال ، قلبها وتمزيقها  ولصقها ، بدافع الموضوع ، كما في تجارب تلصق بالحداثة ـ ربما بما بعدها ! ـ تفسر هذه الاستعادة ، أنظمة فنية لم تفقد ديناميتها ، حتى في أقسى الأزمنة . ان الحكيم تستند الى تأملات  النص بصفته يتحدث عن جدلية بين ثراء الطبيعة [ ومن ذا ، في حداثة الغرب ، نسفها ؟ ] ومحركات أنساق عمل المخيال : الحلم  كفضاء تتحرك فيه الرغبات والنزعات المختلفة . لقد وحدّت الحدود :  حد المرئي وهو سلاسل بساتين وحدائق وجنات أرضية مشحونة  برموزها الطبيعية والمجردة ، وبنقيضه اللامحدود : الكون بأسره بصفته لا يغادر المخيال ، والأمل . فعندما رسمت لبنان عام 1982 ، لم تكتف بالحد التعبيري ، كمأساة ، بل  انشغلت بصياغة الأمل من الداخل . فلبنان ليس مكانا ً في كوكب  مجهول : بل لبنان هو جنة تتعرض للأذى والخراب .!  وقد أعطى أمثلة لانتصار إرادة التسامي ، لا تحصى ، شكلت ، في نص الرسامة ، معادلا ً موضوعيا ً  بجعل الفن ، لا يفقد ديناميته : ان لبنان جنة تتأسس استنادا ً الى جذور . انه  شجرة الأرز  في ملحمة جلجامش ، وهو لبنان الرمز الثقافي ـ الحضاري في عالمنا المعاصر . ربما يقال ، انني  أفسر ، بمنظار مغاير يخالف النص أو لم يرد فيه ..؟ لكن .. لماذا يفسر الآخر ، مساحات الحكيم ، خارج هذه  الأرضية المتوازنة بين المرئي ـ والروحي ، وهي كرست نصف قرن لبناء جنة نجد فيها معادلا ً للقتل ، والتشهير ، والاجتثاثات المتنوعة ..؟ الا يشكل المكان ، المحدد : البستان الكربلائي ، رمزا ً لكل ارض تعمل على تغذية لحظاتها بالامتداد ، بحسب معطيات الوجود ، ومنها عمل المخيلة ، ببناء واحات خارج عمل أجهزة رصد المعلومات والمعاقبة .؟ لماذا تبدو الجنات ، والحدائق ، منذ حفرها الفنان السومري فوق الحجر ، وفخرها بالنار ، مرورا ً بمئات الصفحات داخل خزائن  المتاحف ، عبر المخطوطات التي مازالت مكدسة في مناطق العالم  ولم يلق الا القليل من الضوء  عليها ..؟ و لماذا لا تذكر ، الى جانب الأساليب الأخرى ، لمشهد تتكامل فيه  حقائق الصيرورة الوجودية ، مثلما هي ، بشكل أو آخر ، تخص المحركات الكلية .. ؟

     ان استعادة الفنانة الحكيم ، لمشهد الطبيعة ، لم يتأسس كمحاكاة ، بل كتجاور : انها مكثت تشتغل بصبر ، لتمنح [ العطر ] وظيفة لم  تهملها تجارب  الرواد : لا رائحة بغداد في بغداديات جواد سليم ، ولا رائحة احتفالات  المدن في تجارب الدروبي ونجيب يونس ، ولا رائحة الخيول والبادية والبدويات والطين في تجارب فائق حسن ، ولا رائحة المزارات في تجارب إسماعيل الشيخلي ..الخ ان الحكيم ، تقـّطر، كيميائيا ً ، خلاصة غابات ، لتصنع ـ باثا ت / فرمونات ـ لا يستقل عملها عن عمل نهايات الجهاز العصبي ، في البصر وفي التذوق وفي السمع .. فضلا عن ملمس السطوح والخامات . ان [ العطر ] هنا ، له إيقاع لغة إمبراطورية تتكون من الحشائش والجذور والأغصان والأدغال والورود ، الى جانب عناصرها المتكونة معها : السماء والماء والطيور والنار والهواء وبعض العشاق ! حتى ان  الفنانة ، لأسباب في مقدمتها ـ ربما ـ اثر التابو التقليدي ، لم تعتن  بالتشخيص ، فتركته ، نحو ضرب من الاختزال يناسب عادات الثقافة الإسلامية ، في التشذيب ، والحذف ، وصولا ً الى التجريد الرمزي .. الى جانب هذا العطر ـ المفترض من قبلي الذي يضعني في مكان ناء ٍ خال ٍ من الدوى والضوضاء ـ فإنها غير معنية بنفي ـ النفي ! . انها تصوّر عالما ً يكاد يكون مخفيا ً ، ومجهولا ً .. فالمكان الذي تشغله بالأغصان والطيور والورود هو  المكان الذي لم نعد نراه ، ولا نذهب إليه , لكن  الرسامة ، تسهم بإعادة  بناءه أمامنا في مدن تغفل انها قائمة على ذات الأسس التي كونت بذور الخلق الأولى : الأسرار ! وهي ملغزات النبض والحلم معا ً . فالحكيم  لا تعمل على استثمار المصنعّات ، كي تصنع ـ بدافع القطيعة ـ  نصوصا ً تتدحرج نحو العدم .. بل تتضرع ، في  نصوصها ، وتصنع مقاربات تجاور ما لا يحصى  من موجات الضوء ، ونسائم الفجر ، ولغات النبات . فهي  غادرت حدودها الواقعية ، نحو رصد عالم تكونه استنادا ً الى الأمل ، ولكن ، الأمل الذي ينبثق داخليا ً : من الجذر ومن الغيمة ومن الهلال ومن الوردة ومن الشمس ومن القمر ، وقد شكلت ، في مجموعها ، مكونات نص العيد ، وبأقل ما يمكن من الفنتازيا . فهل كان عليها ان تحور سعادات قديمة ، وممكنة ، الى معالجة مغايرة ، كي تتمتع بقلب الأشكال ، وتمزيقها ، كما سخر فائق حسن من تجاربه ـ  في التجريد الذي جربه في ستينيات القرن الماضي ـ  أمام رصيده الواقعي النادر . ان [ نص العيد ] رمزيا ً ، ليس هو نص [ المرآة ] ، بل قفاها . فالمحاكاة الملغية ، تقترن بجدل محركات الأشكال كي تحافظ المدلولات على دالاتها ، بعد ان كفت ان تكون معلنة . لأن دينامية الوجود ـ والأشياء عامة ـ لا تولدها لحظات غناء الطيور أو أصداء لغات الورود والجذور فحسب ، فهناك العنف حد السحق والدحض والموت .  فهل كان عليها ان تلغي رهافتها وحساسيتها كي تشارك مظاهر استلهام الفن للقسوة ، بفن يواكب  مناهج النقد الأحادي ..؟ لكن نصوص [ الأمل ] في مسارها الشرقي ، الا تشكل حدا ً ، الى جوار النصوص المغايرة لها، تكاملا ً  لدينامية  الجغرافية الفنية ؟ هذا التنوع في الخصائص ، لدى الأحياء كافة ، وهو التنوع الذي يفصح عن أدق اختلاف موجات الصوت وأطوال الموجات اللونية ومختلف الباثات في ديالكتيكها الكوني ، كي يسهم المراقب ، في تذوقه حد الامتلاء ، الا يكون منغلقا ً ، وأحاديا ً ، وان يرى في حدود حدائق الرسامة ، لا خيانة أبعدتها عن رصد الزلازل ـ فهناك من نفذها وتولع بها حد استهلاكها مضمونا ً وأشكالا ً ـ بل نقدا ً شفافا ً جعل عملها يغادر برمجيات الموت ، لصالح انبعاثات كامنة في لغز  الوجود ، ومنه ، وجود كائنات لا تعمل الا على تعديل  وتهذيب ـ وربما تفكيك ودحض ـ احتفالاتها الدموية ؟  وان نظام نقدها هذا ، غير المباشر  قد دفع برهافتها ، ان لا ترى العالم ، الا مسرات روحية بامكانها ان  تعادل ـ بشكل ما من الأشكال ـ زوال المصائر أو تدحرجها نحو المجهول ..؟