حكايات شمران الياسري (أبو كاطع) .. مشهد ينتمي إلى الحياة... وقوة حاضره

 

 

د. جمال حسن العتابي

 

 

في الطابق الثاني من عمارة تطل على شارع فسيح يؤدي الى ساحة التحرير، على يسارها يرتفع نصب جواد سليم، شغلت مجلة (الثقافة الجديدة) جناحاً صغيراً من تلك العمارة، تحت سقف هذا الجناح التقيت أول مرة الكاتب والصحفي والروائي والمناضل شمران الياسري (ابو كاطع) في اوائل سبعينيات القرن الماضي،

 

عندما عادت المجلة الى الصدور من جديد، وقبل هذا التاريخ كانت شهرة (ابو كاطع) قد امتدت الى اعماق ريف العراق ومدنه، بعد ان قدم نفسه اذاعياً لامعاً في برنامجه (احجها بصراحة يبو كاطع) بعد تموز 1958 ومنذ ذلك التاريخ بدأ نجم (ابو كاطع) يعلو بلمعان خاص ومتفرد ولفت اليه انتباه جمهور عراقي واسع، من فئات وشرائح متنوعة لم يقتصر على ابناء الريف فحسب بل من نخب مثقفة ومدنية كذلك.

فاختصر طريقه الى النضج بوقت مبكر، وسار الى استقلال اسلوب اذاعي في برنامجه هذا غير هاو للمجاملة او المساومة. فاستطاع الامساك بالخيط منذ الوهلة الاولى الذي يشد المبدع بجمهوره المتلقي (المستمع او القارئ) بجدارة اخلاقية ومعرفية يعود اساسها الى توافر قدرات الموهبة الى جانب علاقات النشأة والوسط الذي عاش فيه، وحساسيته المفرطة ازاءه واستيعاب تفاصيله فضلاً عن انتمائه السياسي الوطني كل تلك العوامل منحت شمران تفردا في مساحة الجمال التي شغلها لسنوات عدة من حياته فجاء منجزه مكتنزاً وحافلاً بالفرادة، وممتلئاً بالوضوح في حكايات متقنة ومفعمة بالخبرة والمعرفة والوعي الى جانب توفر قدرات الموهبة والاطلاع على الاتجاهات الفكرية والادبية.

اتذكر جيداً ذلك اليوم الذي دخل فيه شمران بزيه القروي متلفعاً بعباءة ذات لون بني يعلو هامته عقال (حياوي) غليظ استقر على يشماغ يوحي لاول وهلة بانتمائه الى ريف الغراف المنحدر من مقدم سدة الكوت، والمتجه صوب الجنوب بهدوء ليتشتت ماؤه في اهوار الناصرية بعد سد البدعة في الشطرة في هذا المكان ولد وعاش شمران..هنا عالمه الحقيقي وفردوسه وامتلاؤه من طينه ومائه نبتت قيمه الانسانية، وامتزجت افكاره وذكرياته واحلامه.
وجه مستطيل يشع بالبياض، جبهة عريضة واسعة بهية، شارب اسود نافر، عينان لامعتان، تشعان بريقاً ذكياً، قامة اقرب الى الطول، وقوام رشيق، مع تقوس خفيف في عظام الظهر لايدل على تقدم في العمر، بل هو دليل حياء وخجل وأدب.
تلك اولى الانطباعات التي تناهت الى مخيلتي وانا اتأمل وانتظر ما سيسفر عنه قدوم هذا (القروي) الى المجلة...

قدمني اليه الشاعر الفريد سمعان، بصفتي خطاطاً ومصمماً للمجلة وهو مدير التحرير الجديد لها ،بدا وجهه منبسطاً وثمة شيء كامن في اعماق عينيه، والغرفة الصغيرة احاطها سكون وجل، كنت ارقب حركة شفتيه التي صدرت عنهما بضع كلمات اضافت وقاراً جميلاً لسكون القاعة، مع شيء من الصرامة ثم بدأت كلماته تتدفق وتتواصل منذ تلك اللحظة اخترقني احساس بانشداد سحري لهذا الريفي الجميل.. لتلك الشخصية التي لا تنطوي على اي غموض لان كل ما نم عنه في تلك اللحظات يدل على براءة معلنة، وطفولة مدهشة فكانت ايذاناً ببدء رحلة ممتعة وجميلة ورفقة بعلاقة طيبة وصادقة وحقيقية تشكلت بسمات تلك الحقبة من الزمن بكل تفاصيلها وتشابكها فارتسمت فيها معالم (طريق التطور اللارأسمالي صوب الاشتراكية!!) الاطروحة (النكتة) التي ظل ابو كاطع يسخر منها طوال سنوات (التحالف الجبهوي!!) ومن كل الشعارات الميتة فكانت كتابته مصدر قلق وازعاج للحزب (الحليف) من جهة ومصدر احراج لرفاقه، الذين كانوا يحرصون على (تطوير العلاقات الجبهوية وعدم تصدعها!!)، فاوقفوا قلم (ابو كاطع) لبرهة من الزمن خشية ضياع اللحظة التاريخية في (انجاز مهام المرحلة الوطنية الديمقراطية) للانتقال الى (الاشتراكية!!).

ان جموح واندفاع شمران الياسري في كتابة عموده الصحفي الذي دأب على نشره يومياً في جريدة (طريق الشعب) سبب متاعب جمة لرفاقه، وهم يتعاملون بحذر شديد مع معطيات الظرف الدقيق انذاك.
وهنا استذكر حكاية نشرها ابو كاطع كانت بعنوان: (بيها برغي سايف) اي بمعنى (فيها صامولة عاطلة).ملخص تلك الحكاية ان احد الشيوخ الملاكين والميسوري الحال، وجد ضرورة في نصب ماكنة طحن للحبوب في قرية توفر له دخلاً اضافياً استثنائياً فاستعان باحد الميكانيكيين الماهرين الذي تولى نصب وتشغيل الماكنة ومن ثم صيانتها وادامتها وبدأت عجلة الماكنة تدور على يديه وتحت اشرافه ووجد الشيخ ان من المناسب تدريب احد اولاده على يد هذا الاسطة، فيضرب بذلك عصفورين بحجر، وسرعان ما اعلن هذا الصبي بعد فترة قصيرة من المعايشة عن ادعائه باتقان الصنعة، وقدرته على ملء الفراغ الذي سيتركه (الاسطة) حال مغادرته القرية، وهو ماحصل فعلاً اذ اودع هذا الرجل المهمة لهذا الصبي الذي شعر بالزهو والانتفاخ حالما لبس بدلة الميكانيكي، وشاءت الاقدار ان تخضع قدرات (الاسطة الجديد) الى الاختبار والامتحان الصعب، فتوقفت الماكنة عن العمل، ولم تعد عجلاتها تدور فظل هذا الصبي يدور حول الماكنة وهو في حيرة وذهول ونظرات ابناء القرية الذين تجمعوا حوله تراقب حركاته البليدة..

بانتظار ممل .. وفي لحظة ما صاح باعلى صوته: وجدتها (بيها برغي سايف)!!اراد ابو كاطع بتلك الحكاية ان يعيد صياغة الهم العراقي انذاك اذ لم يكن منعزلاً عن الحياة، وهو لايريد ان يمضي بذاك الوهم والكذب الذي يسوق التضليل او الادعاء ان هذا الكيان المزعوم كيان منخور، متهاو..وتلك الماكنة ليست سوى هيكل بلا حراك، وبلا حياة و(البرغي السايف) سيقوض هذا الكيان، ويبدد السراب والاحلام.
تلك محنة (ابوكاطع)، افكار محملة بلسعات، مقطوعات ثرية، متوهجة عميقة الاثر، كبيرة المغزى، بلغة قادرة على الاكتشاف وبذات الوقت الحرص على الوفاء لابعاد العمل الفني كافة كما تجسد في رباعيته الروائية المعروفة، اذ اضاف فيها مساراً جديداً للثقافة العراقية يقف بصلابة في مساحة الحرية الممنوحة له.
شمران الياسري في كتاباته ينسج باتقان الفكرة اولاً، ثم العبارة انه مصور دقيق للشخصيات، فنان ومفكر، ومادته الصحفية، تضم حشداً من الصور اللامعة، التي تأتي اشبه بالعاصفة واحياناً تتراءى هادئة بصورة متزاحمة ولماحة، وهو في كلتا الحالتين مكتشف للمعاني الانسانية في الحياة، عبر ما انتجته عقليته النيرة، ما تدعه منفتحاً على الدوام على ديمومة تلك الحياة وجمالها.

لقد مر شمران باصعب تداعيات المرحلة تلك، وعاش صراعاً فكرياً وسياسياً ومهنياً حاداً، ظل يكابده بألم ممض، فاختار الرحيل عن ارضه واهله واصدقائه ومحبيه، وعن حزبه الذي منحه كل شيء في حياته، كان رحيلاً قسرياً، اذا جاز القول، وصعباً فسكن ارض الغربة، مختنقاً بهواء لم يألفه ، سلب منه هويته وجموحه وصبواته وجلجلة ضحكاته، مودعاً (خلف الدواح)، و( فلوس احميد)، ليصرخ من جديد بوجوه الاقنعة المزيفة (بلابوش دنيا)!!هل لنا ان نتحدث عنه بعد اكثر من عشرين عاماً من الرحيل، مثل اي ماض؟ كيف تركناه ان يرحل هكذا، وهو المكتنز باشياء كثيرة في حياته، اصطياد المودات، الدعابة، المشاكسة، البساطة والعفوية، التوتر، الخيال الفسيح، الانشغال بالعمل الفني والمهني والسياسي والوفاء بابعاده، الصداقات الجميلة مع كل الاجيال، وسط العديد من المخاوف والمخاطر التي تحيق بهاجسه اذ توسعت مساحة الجدل السياسي والفكري.

في ذاكرتنا قصص كثيرة عن (ابو كاطع) وفي ذاكرته الكثير من الاسرار التي نجد من الضروري توثيقها وكتابتها، وتقع مهمة البحث عنها وتسجيلها على ابنائه واصدقائه القريبين وهي دعوة كذلك لقراءة نتاجه ومنجزه الابداعي اذ يحتاج الى وقفات كثيرة وتأمل عميق، لكي لاتمر تلك المنجزات دون حفاوة، وهي كذلك فرصة للتعرف على وطنيته التي لا يختلف فيها اثنان.
صديقي شمران..لا اعرف لماذا ا ستحضر الان حواراً للحلاج مع احد الشباب محذراً اياه بالقول:اياك والسياسة، اياك والاصلاح، من حاول اصلاح الامور ذهب سعيه هدراً، هنا اقترب الشاب منه حتى لاصقة وهمس في اذنه ودمه غدراً.


***