أصداء: من ذا يغلق فم المنفي ــ ومن ذا يقدر أن يستبدل قلب العاشق بحجر؟

 

عادل كامل

     [ لمناسبة الكلمة التي كتبها الفنان ضياء العزاوي، في دليل المعرض المشترك لسبعة فنانين عراقيين ( ضياء العزاوي، رافع الناصري، غسان غائب، كريم رسن، محمود ألعبيدي، نزار يحيى، احمد البحراني)، الذي يقام على قاعة سوا أرت/دبي من الثالث مارس إلى الرابع من ابريل، وتحت عنوان(MY HOME LAND ) ]

[1] كتب الفنان ضياء العزاوي، كلمة يجدر أن تلقى استجابة، لا في حدود المجموعة، أو المعرض الواحد، أو جمهور الفن (من نقاد ومؤسسات وفنانين إن كانوا في داخل الوطن أو خارجه) فحسب، بل أن تلقى استجابة لمناقشة إشكالية الفنان ـ الأرض، والفنان ـ المجتمع، والفنان ـ العالم. وبالرغم من الإيجاز الشديد في كلمة الفنان العزاوي، فإنها ـ عمليا ً ـ تعلن عن اغتراب تشترك بتوكيده وصناعته عوامل تداخلت مكوناتها(وحدودها) حد أن تكون من اعقد قضايا الفلسفة التي ولدت مع الوعي بالاغتراب ـ والوعي بكل ما يجعل المحنة شبه دائمة، ومتصلة، منذ أقدم العصور، ومنذ أقدم النصوص التي تناولت قضايا الانخلاع ـ وقضايا اغتراب الإنسان عن ذاته، أو مجتمعه، أو عن العالم برمته في الأخير.  على أن إشارة العزاوي بما تضمنته من وصف دقيق لمسلسلات الهجرة ـ والتهجير ـ وزيادة عدد المنفيين، من عام إلى عام، وباختلاف الأنظمة، يسمح بإعادة قراءة لمواقف الفنانين، منذ الاحتلال البريطاني للوطن، إبان الحرب العالمية الأولى، والشروع باستحداث دولة (حديثة)، وحتى يومنا هذا، بعد قرن من العشوائية، والاضطراب، والتجريب، والنكبات، حيث اتسعت الإشكالية لتلقي الضوء على مساحات جديدة تعج بالمفنيين، ومصائرهم من ناحية،  والى قطيعة ـ شبه تامة ـ بين المقيمين في الداخل، والمبعدين أو المخلوعين الى الخارج، وصعوبات تبلور فلسفة مغايرة للتصادم، والعداء، وذلك من اجل بناء أو بلورة اضاءات تسمح للفن أن يوحد (لغز) المنفى، لا عبر المعارض، والمشروعات الثقافية المشتركة فحسب، بل بصياغة رؤية ـ جمالية، تؤدي دورها الموازي للايكولوجيا الشاملة، ولدور المنضمات الإنسانية غير المسيسة أو المنحازة، في كل ارض يغدو فيها الإنسان أكثر استبصارا ً لمفهوم: المنفى، والاغتراب، من ناحية ثانية.

[2] وهذا هو نص كلمة الفنان ضياء العزاوي:

" نحن الذين غادرنا البلاد، كل من حمل معه أسبابه وأحلامه، كان وهم العودة يلاحقنا، -سنة و تمر- لكن السنوات تتعاقب ومعها صرنا مطمئنين لحياتنا، تكررت الأيام كثيراً..جاءت حروب وتوسعت المقابر والسجون على طول البلاد حتى صرنا نوجد الأعذار أمام وهم العودة وبين الحين والآخر نفكر بها ونحن نشاهد ما حملناه معنا من صورتها الفتنة متوهمين أن ما في ذاكرتنا يكفي لإعادتنا إلى الزمن الجميل، ونعجب عندما نستبدل فشلنا بالانصراف إلى الحياة.

   كلما ما مرت السنوات ابتعدت البلاد وصرنا نسمع الكثير من الكلام، يتكلمون عنها بلغات العالم المختلفة، ندهش لتلك الثرثرة حتى داخل الوسواس في رأسنا، بعد أن استبدل الكلام وتعالت الأكاذيب، وصار لها في حمى الازدحام ما يشبه روح الفتنة، كأن النسيان عزاؤنا مركبا سواء كان عن البلاد التي غادرناها أو عن المكان الجديد الذي نسميه بلدنا ولأننا غرباء نغفر لأنفسنا اختلاط الأمكنة، وعندما ما يردد من زار البلاد من الأصدقاء أنها ليست كما ترسمه لكم أحلامكم نتظاهر بعدم الإصغاء لما يقولونه .

ها نحن نرسمه من منفانا، وكأننا مقيمون فيها، إنها العودة خارج العتاب."

[3]  وأيا ً كانت بنية الأنظمة، فإنها ستعامل الفن ـ والفنانين ـ ليس بصفتهم صانعي (شهادات، وضمائر، وعلامات حضارة)، أو أصحاب رؤى، مثلما هم، منذ العصور التي صنعوا فيه أقدم دماهم، وخرزهم، ورسوماتهم فوق جدران المغارات، وقلائدهم، ونقوش شواخصهم، وصولا ً إلى الفنون التي توغلت في فضاء المدن، ومساحات النفس النائية، بل بصفتهم ـ كما ذكر سارتر ـ: مشبوهون، وخارجين على الأعراف، وسحرة.  على أن الأنظمة لا تختلف في موقفها من الفنانين، بل من: الإنسان بالدرجة الأولى. وإشارة الفنان ضياء العزاوي توضح هذا الاختلاف، مما يجعل (الهجرة) التي حصلت في العراق، سنة بعد أخرى، منذ غادرها كل من اختلف مع أول حكومة، مرورا ً بالذين هاجروا ـ أو تم نفيهم ـ بعد 1958، وبعد 1963، وبعد 1968، وصولا ً إلى أزمنة الانخلاع الجمعي، والى هجرة الملايين، وليس المئات أو الآلاف. إنها تبدو كقدر، ليس للإنسان فيه إلا أن ينتظر خاتمته. وهنا ألا يذكرنا نص العزاوي، بأقدم ثلاثة نصوص عراقية كأنها كتبت في فاتحة الألفية الثالثة، وليس قبل خمسة آلاف سنة. الأولى: محاورة العبد والسيد، والثانية  التي تناقش العدالة الآلهية، والثالثة قضية العادل المعّذب (أيوب السومري الذي يلقى، داخل وطنه، من الحاكم في أمور الأرض، ومن الإله في السماء) ما لا يحتمل من الأذى، والقسوة.  هذا إذا لم نغفل أن (جلجامش) لم يجد سر (خلوده) في بلاد وادي الرافدين، فذهب يبحث عنه في بلاد الأرز، عند البحر، ليعود بالسر، إنما ليتركه عند النبع، كي تسرقه الأفعى، فيقرر الملك الحكيم ( الذي لم تغفل الملحمة الإشارة إلى طغيانه وجوره) أن على الإنسان، أن يعّمر أرضه، ويسعد شعبه، ويعمل بفلسفة تستبعد العنف، والجور، والاغتصاب، وسفك الدماء، نحو سلام مستعاد سبق للسومريين  أن وصفوه بالفردوس. إن المشترك بين أقدم رؤية للمنفى، والاغتراب،  وأكثرها حداثة، يكمن في اختلاف (الخطاب) بمعنى: العودة إلى التصادم، وترك الدورة تستكمل مداها. وهذا لا ينطبق على الإنسان، الذي لا يدرك مدى تعرضه للعقاب بلا ذنب، أو أثم اقترفه، بل ينسحب على الفنان، بصفته يمتلك أدوات ليست منفصلة عن الضمير الجمعي، ولا عن الأرض، ولا عن الحضارة فحسب، بل ذات صلة بكل ما دوّنه الإنسان، ويدوّنه الآن أيضا ً.  فقد مكث الفنان (والمثقف المرهف/ والعالم الحكيم) إلى جانب كل مشتغل بالأسئلة الفلسفية، لا يعمل على استنساخ مقولات، أو يكرر حرفا ً، أو يعيد لغات، كي يعد أيامه فوق الأرض ويرحل، بل يعمل على ابتكار أسئلة لا يصنعها بمفرده، أو بمعزل عن اتساع المحنة، وإنما بفعل وعيه (الجمعي) وبفعل وعيه الايكولوجي ـ الحضاري،  لفلسفة تسمح للبشر، في أي مكان، وبعيدا ً غن خطاب الطوائف، والانغلاقات، والاتهامات، والتشهيرات، والألقاب، والأقنعة، والجنسانيات .. الخ أن يعملوا على بناء حضارة لا يظلم فيها (النبات) أو (الحيوان) فكيف إذا كان الإنسان، في شتى بقاع مساحات الكرة الأرضية، يقتل حيا بالجملة، ويتم عرض مشاهد الحرق، والإعدام، وإطلاق الرصاص، وكأن هؤلاء البشر، هنا وهناك، كلاب أو حيوانات أصابهم الجذام أو الجرب، وليسوا ضمائر/ وعلامات لها صلة بالذات العليا، كما ورد في أقدم الشرائع، وكما ورد في أكثرها حداثة، على حد سواء، بان الإنسان لم يولد فائضا ً، أو زائدا ً، كي تنفرد بعض الفضائيات بعروض كان عدد من رسامي العصور الوسطى، قد رسموها لمحاكم الموت، و التفتيش، ولأسباب لا تقارن إلا بالأسباب المعاصرة: الفتن.. والإبادات الجماعية، بدافع الحريات، والخلاص!

[4] إن كلمة الفنان ضياء العزاوي، وما عرض من أعمال فنية، لا يمثل إلا الصفر في المشهد الأرضي. لكن هذا الصفر، منذ غدا عددا ً عند فلاسفة بابل، يسمح ببعث مناقشات حيوية لمصائر (العدد)، أي: الإنسان في منفاه، إن كان يسكن قصرا ً باذخا ً داخل وطنه، أو وجد مستقرا ً له في البلاد النائية، فالمشترك، في الغالب، مكث  يعمل باليد الخفية، أو يعمل عمل الزمن في الأشياء، فلا احد يعرف متى ينسف هذا القصر الباذخ، ويهدم فوق رؤوس ساكنيه، كما أن المنفى لن يقدم للمنفيين، مهما  قدموا، أكثر من مساحة ضيقة مهما اتسعت، لم يعثر عليها المنفي، في أرضه، إنما سيبقى هو المرمي في الوجود (منذ تحدث هيدغر عن ذلك، وهابرماس في كلامه عن الانخلاع والاندماج بعد كوارث الحرب لعالمية الثانية) فان لوعة (الفنان) لا يمكن عزلها عن: الإنسان، في وطنه، ولا عن عالم تحكمه الشركات، وتراكمات رؤوس الأموال، وتراقبه الكاميرات الخفية، والمخبرين المجهولين، خشية أن يكون عمل الفنان: مشبوها ً، أو بعمق عذاب الإنسان حتى لو وضع في الفردوس.

[5] إننا ـ إذا ً ـ إزاء حالة تضامنية مع من هو قيد حدود الاحتضار، والموت، إن كان في بلدان مثل أسيا، أو أفريقيا، أو العالم الثالث برمته، أو في البلدان التي منحت حق اللجوء، والتعبير، في أوروبا، وفي البلدان التي لم تتعرض للعشوائيات، والإبادات الجمعية.  إنها حالة تسمح للخطاب الفني أن لا ينغلق، بحثا ً عن قبر في الوطن، أو عن سعادة مؤجلة محكومة بحدود زمنها الوجيز، وإنما عن استبصار آخر لمخاطبة رؤساء الشركات، ومن يمثلهم من القادة، والمدراء، والوزراء، ومن ثم، التوجه إلى الجمهور الغفير، للأسف، وفي الغالب، غدا أفضل أداة لتقسيم العالم بين نخبة تجلس بعيدا ً عن الجحيم، وأخرى تغدو حطبا ً، ورمادا ً، داخل أفران الحروب الممسرحة، والمبرمجة، وضمن قتال بالأسلحة العتيقة، لا تزيد الجراحات البشرية، إلا عبئا ً، وألما ً، بزيادة الأرامل، والأيتام، والعجزة، والمعوقين، والممحوين، فماذا يفعل (الفنان)، إن كان معزولا ً، أو يتكلم بلغة المجهول ومشفراته، في بلدان مخربة، أو منفيا ً في ارض الغرباء؟

[6] إن ضياء العزاوي، في كلمته، يسمح بأسئلة جديرة إن ترتقي خارج حدود (الأنا) وبعيدا ً عن (التجمعات) المحدودة، إن كانت في البلاد (الشفافة) أو في البلدان التي تسير نحوها، فالإشكالية قائمة، بعمقها، مهما تسترت بلمعان المعادن، وبراعة الخيميائيين بتحويل التراب إلى ذهب. فالذي يمضي عمره معزولا ً، ووحيدا ً، ومشتتا ً، في الغابات، أو البحار، أو العواصم الكبرى، لا يقل شقاء ً عن الذي لا يجد وسيلة،  أو فرصة حتى للاستغاثة.  ألا نتذكر اليوم كلمات كبار متصوفتنا وهم يصلبون، الواحد بعد الآخر، في مختلف الأزمنة، وتحت أشكال مختلفة من الإدارات الحاكمة؟  ألا توحدنا حقيقة أن في كل ست ثوان ٍ يموت طفل، في عالمنا هذا، وان الخراب البيئي، يزحف، من الأرض التي أشبعّت بالإشعاعات الفتاكة، إلى أجمل مدن العالم، والى مزارعه وقراه وحقوله، وان من يلقى حتفه داخل مستعمرات تسمى، أوطانا ً، لا تقل درجة عذابه عن منفي لا يقدر حتى أن يكون لصوته صدى يلامس مدنا بأسرها تحولت إلى مقابر بلا حافات، ألا يوحدنا أننا ـ جميعا ً: أغنياء وفقراء/ جلادون وضحايا/ قوادون وملائكة/ أيتام ورؤساء شركات/ معمرون أو مجذومون/ نبات أو حجر/ فنانون وفلاسفة أو بلا عمل/ حكماء أو أنذال/ جبناء أو شهداء/ عجائز أو بنات بلون الله، ليس لدينا إلا أن ـ  خطوة اثر خطوة ـ نزحف نحو المحو؟

[7] فمن ذا يستطيع، في نهاية المطاف، أن يغلق فم المنفي، ومن ذا يقدر أن يستبدل قلب العاشق بحجر؟

[ وأنا ـ للآسف ـ لم اقل كلمتي بعد ...]