كاظم حيدر مصمماً
معتز عناد غزوان
لاشك أن المتتبع لتاريخ النهضة الفنية في العراق ولاسيما تحولات الفن التشكيلي العراقي المعاصر، يستطيع أن يجد العديد من الفنانين التشكيليين اللذين ظلت بصماتهم واضحة في المشهد الثقافي العراقي كالرسم والنحت والفخار فضلاً عن فن التصميم الذي يعد من الفنون التطبيقية والأقرب ملامسة إلى الواقع بتأثيراته المباشرة وغير المباشرة على المجتمع. إذ يعد فن التصميم معياراً مهماً تقاس عليه نهضة الشعوب وتطورها في مختلف الجوانب المعرفية منها والثقافية.
برز في العراق العديد من المصممين الذين ساهموا بجهودهم وعبقريتهم في تأسيس فن التصميم وتحديد أهدافه ومعطياته ولعل من أبرزهم الفنان الكبير جواد سليم الذي استعمل تقنيات الاختزال في الشكل واللون للوصول إلى رمزية تحقق اختزالاً للفكرة وقوة تعبيرية للمعنى. استطاع الفنان الكبير كاظم حيدر أن يبتكر أسلوباً خاصاً به ويتفرد في فن التصميم ، كما تفرد بأسلوب إبداعي في فن الرسم، فقد أعد أعمالاً فنية كبيرة في مجال تصميم الديكور المسرحي الذي برع فيه براعةً كبيرةً، إذ جسد في قطع الديكور المتحركة فوق خشبة المسرح اللون المحلي والشعبي والمنحنيات والأشكال ذات الدلالات المرتبطة بالحياة الشعبية والفلكلور وغيرها. أثرت هذه المكونات الفنية في بناء المنظر المسرحي من خلال التضادات اللونية تارةً والانسجامات اللونية تارةً أخرى. وضع كاظم حيدر أساساً فنياً في هذا المجال وعد رائداً لتصميم الديكور المسرحي، ارتبطت معظم تصاميمه بالمسرحيات الشعبية أو التراثية فضلاً عن المسرحيات ذات الطابع الراقص أو الاستعراضي، فلا يكاد العمل المسرحي ينتهي من التحضير والتدريب واختيار الأزياء المطلوبة وتنظيم الإضاءة إلا وكان كاظم حيدر حاضراً ورأيه هو الأساس في إخراج العمل بشكله الجمالي المادي، وكانت بصماته واضحة في إيجاد علاقة موضوعية شكلية جمالية ما بين الديكور بألوانه وأشكاله وتصميم الأزياء وتنظيم الإنارة أو الإضاءة.
ارتبطت معظم تصاميمه المسرحية بمكونات البيئة العراقية وملامح المجتمع العراقي من عادات وتقاليد جسدها عن طريق اللون والشكل، فضلاً عن دراسته لحركة الممثل وتنقله فوق خشبة المسرح ما بين قطع الديكور وكيفية تحديد مسار الممثل ودراسة الديكور وفق تلك الحركة. إذ استعمل كاظم حيدر الديكور المسرحي بنوعيه الثابت والمتحرك الذي يتغير بين مشهد وآخر أو في المشهد ذاته أحياناً، إذ جعل من قطع الديكور حركة للزمن تتناسب طردياً مع تغير المشهد المسرحي لتكون محصلة ذلك إثبات هدف وموضوع ودلالات المسرحية وإيصال فكرتها إلى الجمهور، مع احتفاظ المكان بمواصفاته ليكون فضاء المسرح ووعاء الفكر العام الحاوي لتطورات وتحولات الزمان، لقد حدد تلك المفاهيم من خلال التنوع والإيقاع للألوان والأشكال المستعملة في تصميم الديكور وهي تتحرك لتؤكد حركة الزمان ودلالة المكان في النص المسرحي في واقعية تختصر الحدث وأهدافه بين أبعاد ثلاثة الطول والعرض والعمق (المسرح).
وضع الفنان الكبير المرحوم كاظم حيدر تقاليداً راسخةً في تصميم العرض أو المشهد المسرحي لا يمكن تجاوزها ولاسيما في دراسة تقنيات المسرح كالعلاقة مابين الديكور المسرحي والأزياء والإضاءة والماكياج وغيرها، كما تعد من أولويات المصمم المسرحي المتخصص في مجال الديكور أن يهتم بالعلاقات التصميمية في إعداد التصميم من تراكب وتداخل وتعاكس وغيرها كما تعد الحركة من أهم الأمور التي لابد للمصمم المسرحي أن يدرسها ولاسيما حركة الممثل التي لا تتعارض مع الديكور المسرحي الثابت أو المتحرك كما أجاد في ذلك فناننا الكبير كاظم حيدر ولاسيما مسرحية (الشريعة) التي تعد من أهم المسرحيات التي تبحث في العادات والأعراف الشعبية العراقية.
إن للخبرة المتراكمة التي قدمها كاظم حيدر دور رئيس في تأسيس فن التصميم بمفهومه العام وفن الديكور المسرحي بمفهومه الخاص، إذ ساهم كاظم حيدر في تأسيس قسم التصميم في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد بداية الثمانينيات من القرن الماضي بعد أن كان فرعاً بسيطاً في قسم الفنون التشكيلية في الكلية ذاتها، لقد وضع خبرته وعلمه في متناول طلبته الذين تعلموا منه الكثير في مجال التصميم والتخطيط والألوان والتقنيات التنفيذية للتصميم. كما درس التصميم المسرحي أو الديكور المسرحي لطلبة قسم المسرح في الكلية ذاتها. حتى أصبح رئيساً لقسم التصميم باستحقاق وجدارة تخرج على يده العديد من المبدعين الذين تعلموا منه وأصبح لهم شأن كبير ولاسيما في مجال الديكور المسرحي كالدكتور نجم حيدر والدكتور رعد حسون وغيرهم كثر. ولو أمد الله بعمر أستاذنا المبدع كاظم حيدر لأصبحت الحركة الفنية ولاسيما فن التصميم في تطور وتقدم أكثر ولكن إرادة الله كانت هي الأعلى، إذ وافته المنية عام 1985م اثر مرض عضال. رحم الله الفنان الكبير كاظم حيدر فقد كان بحق مبدعاً ومجدداً ومبتكراً.