أمسية سينمائية سمعية بصرية في لاهاي

                                                                                                 مجيد إبراهيم خليل

قاسم حول : الثقافة العراقية منذ نشأتها ارتبطت باسم الحزب الشيوعي .

أقامت منظمة الحزب الشيوعي العراقي في هولندا أمسية سينمائية سمعية بصرية بمدينة لاهاي ، حيث حاضر السينمائي و الكاتب قاسم حول عن تاريخ السينما العراقية ، و أعقب المحاضرة عرض فيلم من إخراجه . رحّب الدكتور هاشم نعمة بالفنان قاسم و شكره على حضوره ، قادما من تونس خصيصا لهذه الندوة ، و استعرض سيرته الفنية الغنية ، مشيرا الى مساهمته في إرساء أسس سينما جادة منذ تخرجه من معهد الفنون الجميلة 1964 ، و مواقفه كسينمائي ملتزم بقضية الإنسان و سعادته ضد الظلم ، و اضطراره لمغادرة الوطن بسبب عسف الدكتاتورية .

أشار الأستاذ قاسم في بداية حديثه الى أن الثقافة العراقية منذ نشأتها مرت بمدرسة الحزب الشيوعي العراقي ، و هذه حقيقة يجب أن نقف أمامها ، فقد ارتبطت الثقافة على الدوام باسم الحزب . استعرض المحاضر بدايات السينما في العراق ، ففي 1916 شهدت إحدى مقاهي بغداد عرض أول فيلم ، و قد سبقتنا مصر حيث عرض أول فيلم سنة 1896 . بعد ذلك أسس طلعت حرب ستوديو مصر مستغلا السيولة النقدية في بنك مصر ؛ و دخل السينمائيون المصريون العراق للاستثمار السينمائي فانتجت أفلام (ابن الشرق) و (القاهرة – بغداد) .

على غرار ستوديو مصر أنشأ عراقيون يهود ستوديو بغداد للسينما ، و قد أثار انتباه هؤلاء نجاح فيلم عنترة ، ففكروا في انتاج فيلم يتضمن قصة مماثلة هو (عليا و عصام) ، و هو قصة كتبها الشاعر قيصر المعلوف ، و كتب السيناريو و الحوار أنور شاؤول . كان مقر ستوديو بغداد قريبا من معسكر الرشيد ، و في حينها نشرت جريدة اليقظة البغدادية رسالة موجهة من حاخام اسرئيل تطالب يهود العراق بدعم اسرائيل ، و لأن مقر الاستوديو قريب من المعسكر ، فقد فسر الأمر و كأن اختيار المكان كان مقصودا ؛ لهذا تم بيع معدات الاستوديو و توزعت عند سينمائيين عراقيين بعد بيعها لهم . و بهذه المعدات القليلة أنتجت عدة أفلام ، و قد قيّم المحاضر جهود الناس و حماستهم للعمل في السينما ، فهم من وضع اللبنة الحقيقية لها .

عاد الفنانان كاميران حسني و عبد الجبار ولي الى العراق بعد أن أكملا دراستهما في الخارج ، و في تلك الفترة كان الاعتقاد السائد أن الواقعية في السينما اتجاه يساري ؛ و الواقع أن الكاميرا صورت الواقع الحي بعيدا عن الاستوديو بسبب الأزمة الاقتصادية و ارتفاع إيجار الاستوديوهات . الفنان عبد الجبار ولي أخرج فيلم (من المسؤول) عن قصة لأدمون صبري ، و لنفس الكاتب أخرج كاميران حسني (سعيد أفندي) .

بعد ثورة تموز 1958 تأسست شركة شهرزاد للسينما . و بعد الانقلاب الفاشي في شباط 1963 ظهر فيلم (حمامات الدم) ، تضمن بيان رقم 13 الذي دعا فيه الحاكم العسكري الى إبادة الشيوعيين ، و فيه عر ض لجثث قتلى لتبرير بشاعة جريمة الانقلابيين ، و هي صور كاذبة لا تعود الى عراقيين و إنما هي مأخوذة من أرشيف الثورة الجزائرية ، أي أن القتلى في الصور جزائريون . كذلك ظهر فلم (جسر الأحرار) .

و بعد عودة البعث الى السلطة عام 1968 كرس الانقلابيون السينما لصالح الايديولوجيا . و في فترة الدكتاتورية بنيت قاعدة للإنتاج السينمائي إلا انها سخرت ايديولوجيا . و في معرض حديثه عن تلك الفترة أشار الى أنه رفض طلب السلطة الدكتاتورية أن يغير شيئا من مشاهد فيلم (بيوت في ذلك الزقاق) الذي أخرجه ، كما أن النظام استغل الفنانين المصريين المحسوبين على اليسار ، فأخرج صلاح أبو سيف فيلم (القادسية) و أخرج صالح توفيق (الأيام الطويلة) بميزانية مفتوحة ، و هو أمر غريب في تاريخ السينما .

أوضح الأستاذ قاسم أنه لم يكن يتوقع أن يتم التغيير في العراق يهذه الصورة الدراماتيكية و أبدى ألمه و حزنه لتهديم صالات السينما و إتلاف الذاكرة العراقية حيث نهبت الأشرطة و بعضها أحرق ، و تساءل : كيف نعيد تأسيس الذاكرة العراقية ؟ و كيف نؤسس سينما عراقية ؟ و أوضح قائلا : نحن أمام واقع خطير هو اغتيال الثقافة إضافة الى بروز إعلام متخلف يمارس التضليل ؛ و لهذا من الضروري العمل بين صفوف الناس من أجل تغيير هذا الواقع .

بعد المحاضرة الشيقة ، عرض فيلم وثائقي أخرجه قاسم حول بعنوان (غدامس) من إنتاج ليبي . الفلم يحكي قصة مدينة غدامس ، موقعها و تاريخها و ثقافتها . و قد رأينا بكاميرا الفنان قاسم الذكية بيوت الناس و حياتهم و طراز البناء و الأزقة و سواقي الماء و النخيل تسرد قصة المدينة منذ تاريخ ما قبل الإسلام الى وقتنا الحاضر ؛  وقد وثّقت الكاميرا المدينة و جعلتها تنبض بالحياة .

أعقب المحاضرة وعرض الفيلم نقاشات جادة وثرية حول الفيلم ، وحول واقع السينما العراقية ،  وطرحت مقترحات عملية لمعالجة الواقع الثقافي بما يعلي من شأن الثقافة بكل ألوانها .