90 عاما على ميلاده
قراءة في تجربة جواد سليم
[1921 ـ 2011]
[ديالكتيك الرؤية بين الموروث والمعاصرة]
عادل كامل
[1]
انحيازا ً للغز لم تفكك مغاليقه بالكامل ـ وقد تمتد بامتداد محركاته ـ وأقصد به (الفن) ـ من الصوت إلى الإشارة، إلى العلامة، والى الصورة المركبة ـ أبدى جواد سليم وعيا ً باستحالة الانغلاق حول ذاتيته. فالفنان لم يكن معنيا ً بإنتاج البضائع (السلع) الفنية، بحسب هذا السياق الحداثوي، ولم يكن منشغلا ً باستيراد (علامات) فنية لأجل التداول ـ الاستهلاك، بل كان منحازا ً، منذ نشأته المبكرة، بالفن.
أنا شخصيا ً ليس لدي ّتعريف لن أعدّله ـ مع تقدمي في البحث ـ لمفهوم جواد سليم للفن، وللفن عامة. فجواد سليم ليس نصّيا ً، ولم يكن يعمل خارج حدود ضوابط الفن. فهل تراه كان يفكر بصياغات أسلوبية تميزه، كبراعة اختراع، أو كماركة لمنجزه، أم كان منشغلا ًبالتوغل بعيدا ًفي سبر العلاقة بين الإنسان وما يدل عليه، جماليا ً؟
منذ نشوء التجارب المبكرة للتحديث في التشكيل العراقي، وجد جواد سليم، انه ـ كالفلسفة السومرية التي لم تضع خاتمة للزمن، وسمحت للإبداع أن يتمتع بأقدم ديالكتيك بين النظرية والتطبيق ـ إزاء مجهول مغاير للمجهول الذي بلغت الفلسفة الأوروبية ذروته في فلسفة نيتشه، وصولا ً الى هيدجر، حيث الامتداد، وتتمة ما لم يتم، سيشغلان جواد سليم، ولن يسمحا له بالتفرد، أو بالافراط في الربح، بل، بدءا ً بتقديره لصرامة اختياراته الفنية، أسس جماعة، بمعنى: أسس آلية لموقع (الانا) من (الجماعة/الجمعي) في عصر يعمل فيه التفكيك عمله، وسمح للجماعة ـ جماعة بغداد للفن الحديث ـ أن تختبر مغزى تداخل المؤثرات، وتبلورها، في مواجهة: المحو، محو الماهية، وعزل مفهوم التجريب عن (التخبط) بتلمس ما يسعى إليه الفنان: المدرسة. وجواد سليم نفسه أعترف أن الزمن وحده له أثره في إستحالة حرق (المراحل) لبلوغ الذروة. فالهوية ليست نتيجة، مع إنها تؤدي دور الشاهد (الشاخص) دالة على ما يخفيه، إنما لم يعزل الفنان الوعي بالمسار (التجريبي) ذاته ووضوحه لديه. فليس ثمة خاتمة، إلا بالأداء الذي يقود، عبر البحث، للذهاب في الطريق الذي لا تتاح للإنسان أن يضع نهاية له.
[2]
إنها حكمة رواية (جلجامش) بواقعيتها الاستثنائية. فالرواية استثمرت أقاصي الأسئلة الشائكة حول ماهية الطريق الذي لا خاتمة له، فوجد جلجامش، بعد رحلته الشاقة، مع رفيقه أنكيدو، عبر أكثر المساحات وعورة، استحالة استبدال (العمل) بحلول لا معقولة. فالرواية ـ في جلجامش ـ تدحض الأسطورة، لأنها تعدل الإجابة حول ماهية (جوهر) السؤال: ما الخلود؟ وذلك بوضع إجابة تدحض أي علاقة ممكنة للإجابة عن السؤال، عدا ترك الذي هو لا يمس، ولا يرى، والانشغال، كنسق، في بناء الحياة ذاتها.
إنه الدرس الشبيه بمعلم يلقيه في الصف، لكنه ليس موعظة، أو كلمات يكتبها (كتبة) أو (أجراء) لأجل الكسب واستبدال المعرفة بالجوائز. فجلجامش لم يهزم، بل، واقعيا ً، هو أول من فند التفكير (الخرافي) بوضع سؤال خال ٍ من المنطق. فالإنسان يموت. إنه دحض سؤال الملحمة في بحث الإنسان عن (الخلود)، ليس لغة كما تشير الكلمة إلى: السكون/ أو اللا فعل، بل بمثال ليس فائضا ً، أو ورد بمحض خاطر كاتب الرواية، عندما ذهب جلجامش للاستحمام، تاركا ً وردة الخلود عرضة للسرقة.
فالبناء الجدلي، لم يسم للكاتب أن يغذي (الأسطورة) ـ وكل ما يقع وراء حدود التجربة/ وحدود الإنسان ـ بل سمح له، بالأشكال، أن يضرب أمثلة تجعل من العاهل السومري ( ويرجع زمن حكمه في نحو عام 2670 ق.م وهو الملك الخامس في سلالة أوروك الأولى) بنّاء ً يبني، ومعمرا ً يعّمر الأرض.
والسؤال: لمن كان كاتب الرواية يسرد كلماته، التي بدأها بسؤال مضاد للمنطق الواقعي، لسد درب كانت الفلسفة السومرية قد حسمت الإجابة عليه. وبإجابة لن تنغلق عند المعلن: استحالة الخلود!
أكان الكاتب يكتب سيرة ملك، بصفته عاملا ً يعمل في القصر، أم استذكارا ً للفلسفة، وتطبيقاتها، أم أي شيء آخر...؟ لا يدل النص انه مرسل إلى (الملك) أو جرى بحضوره، ولا يدل النص ان كاتبه مجد أحدا ً، بعد ان صّور بجلاء تام موبقات ومعاصي الملك وطغيانه، فليس ثمة ما يدل على ان النص كتب للثناء، ولكن ـ في سياقه ـ وازن بين النسبي ـ والمطلق: وازن بين الثنائيات التي شغلت الفكر القديم، والإنسان عامة؛ صراع المحدود في مواجهة اللا محدود/ الشر ـ الخير/ الفني ـ والدائم البقاء/ الليل ـ النهار/ الطاغية ـ الضحية ..الخ فقد حرص الكاتب ـ بضمير لم يمت بعد ـ أن يمد مجساته كاملة ـ من العقل الى الشهوات/ ومن المستحيل إلى الممكن ـ إلى عناصر الاشتباك.
[3]
لم يقرأ جواد سليم نص (جلجامش) بصفته ملحمة، أو أدبا ًخياليا ً، خرافيا ً، ولم يقراءه ليتزود بالمعرفة ـ كما يتزود المحترف بالمكاسب على حساب أصول المعرفة ـ بل بصفته أحد مكونات فلسفة من الصعب وضع خاتمة لها. فالعلامة ليست دالة على الثابت، الذي فقد ديناميته، بل هي علامة بجوار علامات، لأنها لا تدل على ذاتها، إلا بدلالتها مع ما تمثله العلامات في مجموعها.
هذه القراءة، لجواد سليم، هي قراءة لقراءات متعددة نص لم يفقد ديناميته. فهو ليس نصا ً أسطوريا ً يروى للترفيه، والاستمتاع، ولكنه غدا ـ بعلاماته ورموزه (كما صّور الفنان السومري مشاهد الاشتباك في سياقها هذا) نصا ً لصياغة تتمات لن تبلغ ذروتها بخاتمة.
ما الذي تعلمه جواد سليم من نص كان مجهولا ً لأربعة آلاف سنة، ولم تكن ثمة ترجمة له، كما أنجزها أستاذ وعالم كبير هو طه باقر، لها حضورها، كي يحافظ النص في أداء عمله نحو الآخر ـ المتلقي ـ المجهول، وهو ـ هنا ـ فنان تغذى ـ كما تغذى المترجم الصانع الآخر للنص ـ على العناصر ذاتها التي كونت ديالكتيك النص الروائي ـ الأسطوري مجازا ً.
لهذا نجد ان جواد سليم، يؤكد ان (المدرسة الفنية/ الهوية/ الشخصية) لن تهبط من العدم، ولن تصنع كما تصنع السلع، ولن تستنسخ عن نصوص سابقة، كونتها عواملها، بمعنى ان تميز المنجز الفني بهوية لها أشكالها وعلاماتها ورموزها ..الخ يستند الى ما هو أبعد من المعالجة (الشكلية/ التكنيكية/ والبنيوية) لمضمون لم يقفل بعد، وان ديالكتيك الإبداع، لا يمكن عزله عن ديالكتيك الموجودات. فتعريف العلامة ـ ودورها ـ (وبإشارة لنعوم جومسكي) تحيلنا إلى الصانع، هذا الذي ـ في تأمله لوعيه ـ سيمكث محدودا ً للغاية في مناطق ليست مدشنة بعد أبدا ً. فهل تدل العلامة (الشكل بجوار الأشكال) على مضمون، هو ذاته، لن ينفصل إلا عن استحالة وضعه بين قوسين، أو (تجميده) مثلما يحنط الميت بانتظار لحظة عودة الروح إليه.
لكن قراءة جواد سليم لن تتحدد بنص معزول، ووحيد، بل مرتبطة بقراءة آلاف النصوص النحتية المدورة/ الجدارية/ الجانبية/ والأشكال المدوّنة فوق الأختام والألواح ..الخ لأنها ستتمثل في تجارب العشر الأخير من حياته، وقد بلغت ذروتها في نصب الحرية.
[4]
ألا تبدو كلمة (حديث) و (تحديث) مربكة، لأنها ستتداخل بكلمة معاصر، وبمفاهيم أخرى كالحداثة، وما بعدها، في تجارب منتصف القرن العشرين، وأن جواد سليم لم يكن ـ على حد كلماته وليس على صعيد تطبيقاته فحسب ـ عمليا ً، بصهر المؤثرات، ودمجها، وجعل (الحديث) موازيا ً للمنجز في الحاضر، دون فصله عن سياقه الكلي، أي عن المنظور الفلسفي لمكونات المنجز الفني، قبل أن يغدو علامة مميزة، لن تغيب ـ بصريا ً/ ذهنيا ً، عن المتلقي، الذي بدوره سيعيد قراءتها من منظوره، ليعيد إنتاجها، بصفتها ليست سلعة للتداول ـ الاستهلاك، بل مكوناتها الدينامية بما تتضمنه من أسئلة، وأبعاد جمالية موازية للعملية البنائية، التي هي في الأصل، ترجع الى ماض ٍ له علاماته،ولكن ليست لمحركاته الوضوح ذاته المحدد بتلك العلامات.
ألم ْ ينشغل الفنان، في حقبة تاريخية استبدلت أطرها ـ العثمانية/ العباسية ـ بقراءات لتحولات لم تعلن إلا عن (حداثتها) بشكل مكث بعيد المنال، في التحديد، وفي السمات أيضا ً. وأن كلمات جواد سليم حول المدرسة الفنية، لم تستند الى الحاضر بمعزل عن ماضيه، الذي تحدى الدفن، بل كضرب من العبقرية الواقعية التي تركت الأشكال تأخذ مداها في النضج، وليس في الإعلان حسب، مما سمح لجواد سليم بالحفر في أصول لم تبتكرها حداثة أوروبا، عند موضوع الشكلانية، والذهاب بالفن الى عزله عن مساحاته غير المقسمة، بل رأى ـ كما كتب مدوّن نص جلجامش ـ أن تقانة السرد (لغة/ ومشفرات) تستند الى ما هو أبعد من السؤال، وما هو أبعد من الإجابة. ولعل سؤال (هنري مور) لجواد سليم: من أي بلد أنت؟ جعلت مور يستغرب ان يعرف ان جواد من بلاد سومر، ليقول لجواد: ماذا تفعل هنا في لندن؟ وأنا أعتقد ان هنري مور، بهذه المقاربة للحوار وليس لنصه، الذي جرى مع جواد سليم، كان يضمر انشغالا ً بالفلسفة التي لم تمت بعد. فلسفة أن الفن، لن يسند إلى أنظمة بنائية، شكلانية، ما لم تكن ثمة عبقرية قادرة على التوغل في فلسفة الإنسان. فالعلامات لا تدل على ذاتها إلا لأنها مبنية ـ وممتدة مع ما هو غير قابل أن يغدو (شيئا ً) ـ: سلعة للتداول ـ والاستهلاك؟
[5]
لم ينشغل جواد سليم بالمضامين (من السجين السياسي/ الأمومة/ إلى الحرية) وكأن لها الأسبقية في إعادة إنتاج ديالكتيك الإبداع، وشرطه، إلا عبر توفر الشروط ذاتها لدي ّصانعي الفنون: الحرفة. على ان الحرفة ليست محض مهارة، أو تقانات، كي ينجز الخطاب الفني. وإذا كان الفن: ضرورة تقيدها الحرية، لتحررها، فان الحرفة، لن تصبح إبداعا ًخارج أشكالها ـ علاماتها المستحدثة. لأن ما انجز، منذ زمن المغارات، وما أنجز لدي ّ أقل الشعوب (تحضرا ً) بمقياس الخبرات المتراكمة، وفنون ما قبل عصر الكتابة، وفنو المرضى، والفطريين..الخ كلها ـ بعد أن دخلت الذاكرة ـ تضمنت شروط الحرفة ـ بشكل ما من الأشكال ـ نحو الفن. وقد كانت اهتمامات جواد سليم بالحضارات، (والمخلفات، وما تخفيه من مشفرات عبر إشاراتها) منها القديمة، أو المعاصرة، لفت نظره الى ما هو أبعد من شروط الحرفة ـ والإتقان.
لقد انشغل الفنان بالأشكال لا في استنساخها، بل بقراءتها، بمرآة داخلية تجمعت فيه الأفكار،إلى جانب الصور، لصياغة طرق سمحت له بالتدشين. فلم تكن (الحداثة ـ وما بعدها) خاتمة الإبداع أو ذروته، ولم تكن فنون الماضي مالا ً خالصا ً للنسج، ولا للمحاكاة، ولا للتركيب.. بل انشغل الفنان بالأسئلة التي توازن بين الضرورة ـ والحرية، في سياق منهجه للتحديث. أي بين (المحركات) و (علاماتها). فموضوعات (السجين السياسي)، و(الأمومة) و(البيئة) و (الأمراض) و (الكوارث الاجتماعية) ـ وكان محمود صبري قد عالج بواقعية تعبيرية بعضا ً منها ـ كلها موضوعات: حالات سكنت المجتمع العراقي، واستوطنته منذ قرون، وه حالات ـ وموضوعات، اجتماعية/ إنسانية، لم يسبق لفنان أن اقترحها، ونفذها، وقدم لها قراءة معاصرة، كما فعل جواد سليم. ولكن الفنان لم يقدمها كأفكار، أو عناوين، أو تصويرا ً فوتوغرافيا ً، بل قدمها بقراءة فنية قائمة على موهبة أن الأشكال ليست (سطحا ً/ خارجا ً) معزولا ً عما يتضمنه السطح من جسور وممرات مرئية ـ وغير مرئية، مع محركاته. ودراسة جواد سليم، في ثلاثة مراكز بارزة للحداثة: باريس/ روما/ لندن، منحه قدرة للمقارنة خلخلت ثوابته بالدرجة الأولى، لكنها لم تقتلعها، بل منحته تنوعا ً وقدرة على اختيار الأشكال المناسبة لموضوعاته، وقبلها: طريقة في عملية البناء.
فهل ثمة لوحة ما، في الموروث، أو في الحداثة الأوربية، تماثل لوحاته البغدادية: طفلان يأكلان الرقي/ باص المصلحة/ القيلولة، على سبيل المثال؟
نعم!
هناك جذور لا تحصى لها كامنة في مئات النصوص الفنية السومرية ـ وفي المخطوطات الإسلامية، وفي الحداثة ذاتها: جذور تتمثل في آليات الإنبات. فجواد سليم هو أفضل من (دفن) و (خزن) و (أخ) ما رآه، وقراءه، كي يؤكد حقيقة: الزمن بلا خاتمة، وـ: الفن ينتج الفن. فالأشكال لم تتكرر، وكأنها نسخت (مع أن عبقرية الخطاط العربي تتجلى تحديدا ً في منح النسخ لغز الهوية ـ ولغز الصانع/الفنان) بل تحررت عبر تكيف يناسب مفهوم التحدث/ الإنبات/ وهو التدشين في الاخير، الذي ينتمي إلى الريادة بزمنها، وما بعده.
[6]
وكسؤال يرد في سياق تعددية وجهات النظر: هل ستعمل الموروثات على خلق مقاربات ـ في الهيئات/ الرموز/ الإشارات ـ حد التماثل بين البشر، بجعل إمكانيات الاختلاف أقل حدة، ويدفع الى ضرب من الاختزال ـ التجريد، في الخطاب الفني ـ الثقافي، أم أ هذا الضرب من التصّور يتضمن (يوتيبيا) خالصة، تماثل بعض الاعتقادات بالسرمديات، والراسخ، واللا متحرك؟
إن ما تركه الفن، والنصوص السابقة عليه المتضمنة العناصر ذاتها التي غذت الحداثات وما بعدها، يؤكد استحالة هذا الانصهار في عماء واحد، أو أخير. فالدينامية في أصلها قائمة على مسافات بين عناصرها ـ حدودها، مما منح ـ ويمنح ـ الاختلاف/ والتباين (بمختلف مناهجه) حتميته، كعلامات ثبتتها محركاته أو ما هو مضاف إليها، عبر الوعي، وآلياته المتنوعة، الأمر الذي منح حضارة سومر، مع ظهور العلامات (في الفن أو في الكتابة المسمارية) عددا ً غزيرا ً من الوحدات، بعدد امكانات المخيال على تصّورها، وهي ليست محض أشكال حتمتها الوظائف، والضرورات، والبيئة، بل يضاف إليها الوعي بصياغة (الوحدات) من الفأس، ومثلث المرح، ورموز الالهة، والزقورة، والمدافن، والدروب، وصولا ً الى حروف الكتابة، والوحدات المستحدثة في التعبير، والتدوين.
فمع تكّون نواة ما بعد (عصر تقانات) القرية: المدينة ـ والمدينية/ والمدّنية، وما اداه التهذيب المتواصل لمفهوم الحضارة، استقلت الوحدات (العلامات) أنظمتها الدالة على هويتها وتميزها بتطابقها الديالكتيكي بين: المصدر ـ والتصّور، والقابل للتداول، والجمالي، وأنظمته الشكلية ـ البنائية.
وقد لاحظ (اندريه بارو) في دراساته لحضارات سومر وأشور، وحضارة العراق عامة ـ وقد أرجع الاسم الى الوحدة الجغرافية ـ التاريخية المتصلة بالرافدين العظيمين وليس استنادا الى التقسيمات التي كانت تحصل لاسباب طارئة ومؤقتة ـ ان الاساليب الفنية، وخصائصا، بين عاهل وآخر، تراعي الاختلاف، مما منح الوحدات مرونة تمثل (المحرك/ والدوافع/ والمضامين) وتطابقها مع بنيتها الفنية. فلم يكن ثمة تكرار حد الاستنساخ، كما يبدو للعين غير المدربة، وغير الخبيرة، في علم الاساليب. انه إختلاف لا يمكن فصله عن استحالة جعل الاستنساخ مفهوما ً ابداعيا ً، وإنما حالة مؤقتة تقترن بالجمود، وبوهن اشتغال المركز بصياغة علامات خطابه الفني/ الثقافي، والجمالي بما يتضمنه من مشفرات، ورهافة.
[7]
ألا تبدو المسافة نائية بين نماذجه النحتية (ثور ـ1954) و (السجين السياسي ـ 53 ـ 1954) و (الامومة لعام 1954) وبين (الانسان والأرض ـ 1955) و (مصغر جدارية النفط في العراق ـ 1956) و (ثور وفلاحة ـ 1955) لا في المضامين فحسب بل في الأسلوب. فقد لا يجد الخبير أو الباحث إلا فجوات فاصلة حد استحالة إرجاعها الى الفنان نفسه!
ففي النماذج الأولى، لا تظهر تأثيرات الحداثة، في مشروع جواد سليم للتحديث فحسب، على صعيد (المضمون) أو (المعالجة، بل على صعيد الأشكال. وجواد سليم نفسه لم ينف الصعوبات التي عاناها، حتى وهو يحتضر، بالشك الذي جاور صدقه، وإيمانه بأنه لن يتخلى عن النحت، حد الشروع بمقدمات مغايرة. والكتب التي صدرت حول فن الفنان وحياته، وأعني بها كتب ـ: (جواد سلين ونصب الحرية) لجبرا إبراهيم جيرا، و(جواد سليم) لعباس الصراف، و (جواد سليم/ الفنان والآخرون) لشاكر حسن آل سعيد، إضافة إلى دراسات أكاديمية، ونقدية، متفرقة لكتاب وأدباء ونقاد فن، كلها تسمح لدراسة أسس التحديث التي صاغت رؤية الفنان، ووثباته بتدشينات أكثر تمسكا ً بالخصائص التي تمثل فلسفته ـ ورؤيته الجمالية.
ففي النماذج الأخرى، لا يجرب أشكالا ً مغايرة لها فقط، بل بحثا ًفي (الشكل) بصفته يمتلك استقلالية تسمح للنص أن يكون مستقلا ً، ويقول ما يتضمنه بدل الحاجة إلى الشرح، أو ذكر ما يريد التعبير عنه، بل حتى النماذج القريبة للحداثة، كانت نزعة جواد سليم مرنة، في رؤيته للمشترك بين التجارب، إلا انه، بوعيه للحفاظ على (شخصيته) لن يجد ضرورة للمضي في هذا الطريق، والتحري عن طريق يساعده ببناء (موضوعية) بتحديد ذاتيته وموقعها منها. ففي النماذج الأخيرة، لا تجد العين المدربة الجسور بينها وبين فنون سومر، أو عاجيات نمرود، أو النحت الأشوري، وهي الجسور التي مهدت لسليم أن يشكل معبرا ً لها من الماضي إلى حاضره، وليس العكس، فيما كان في نصوصه السابقة يعبر من حاضره إلى الحداثة، التي ستصبح ماضيا ً بالنسبة له.
إنها، مرة ثانية، إشكالية لا تخص: الرؤية/ الموضوع/ الوحدات المستخدمة/ المؤثرات فقط، بل قدرته على فك (أناه) عما هو منجز، ومنحها قدرتها على تدشين ما ينتمي إليها، عبر الوحدات المستخدمة. وهي الأشكال بصفتها مستلة ـ وغير مستقلة، بتبني نسق: أن حرية الإبداع ستحرر الحتمية من أبديتها، وتمنحها هويتها عبر المضاف، والأشكال المنجزة توا ً، أو التي هي قيد الانجاز.
[8]
ألا يبدو مفهوم (حديث) غائما ً، ومربكا ً، طالما أقترن للمنجز ان تتوفر فيه جدلية الضرورة ـ بحريتها، وهي التي لم يهملها المفكر ـ الفنان السومري، بالعلاقة بين اللا مرئي ـ وحدود الرؤية، الأمر الذي جعل مفاهيم، كالعدالة، والغائية، والمصائر، بالغة الدقة على مستوى النص السومري، وتطبيقاته في الحقول الفنية، حيث الأشكال لم تتحول إلى وسائل للدعاية، أو إلى سلع، بل استمدت تماسكها (وما سيسمى بالبنية مستقبلا ً) من محركاتها النائية، في الفصل بين حدود (الإنسان) ولا حدود الآلهة. فالمحدود ـ مرة أخرى ـ أمام اللا محدود.
لقد عمل جواد سليم (وسيعالج شاكر حسن ـ التلميذ والصديق الأقرب إلى جواد سليم في معالجة الإشكالية بنتائج تمتلك تعقيداتها) بأسلوب الدمج، وليس العزل، بين ما يطمح أن ينجزه، باختيار أكثر الوحدات وضوحا ً، واختزالا ً، وتهذيبا ً. فالأشكال دالة على فعلها، مثلما هي حاملة لعنوانها: الفلاحون والأرض/ الأمومة أو الخصب/ الأسى والانفجار أو الغضب/ الواقع والحلم ..الخ فالتكنيك، بعد أن نضجت أدواته وابتعدت عن علاماتها وتصميماتها المسبقة، غدا جزءا ً من بداهة التقنية: يرسم المثلث ويلونه كي يحكي صمت مناطقه العميقة/ ينحت الهلال بما يمتلكه من رمزية الإخصاب/ وسرمدية الدائرة، واتساعها، وديناميتها دون إفراط في التجريد. فالأقواس والمربعات وباقي العناصر ـ بين الرسم والنحت ـ تركها تمتد من كيانه نحو النص، بألفة، لا للتعبير عن مضامين عامة، بل انتقاها بصفتها امتداد لمخيلته، وجسده، ولوعيه. فهو لا يحاكي (أمثلة) محددة، أو استجابة لطلبات، بقدر انحيازها لوحداتها الداخلية، وما تمثله على صعيد المعنى المقترح في النص.
أكانت هذه واحدة من مداخل مشروعه للتحديث، وهو يؤسس جماعة (بغداد للفن الحديث) إجابة تجاور نهاية الحداثة، في أوروبا، والدخول في مرحلة ـ ما بعدها ـ أم أن جواد سليم، وفي سنوات النضج، لم يغب عنه (إنسان) بلاد ما بين النهرين ـ وفنه ـ باستعادة أكثر الفلسفات دينامية، بين الأفكار والتطبيقات: الزمن الذي لا يدور فيه القفل، إلا للامتداد، وليس لغير ذلك. ففي تجارب العقد الأخير من حياته، أي سنوات النضج، لا نجد (حداثة) تتقاطع لا مع أصولها العراقية القديمة، ولا مع المنجز العالمي المعاصر، في تبنيه للأهداف ذاتها: الهوية، بصفتها ليست سطحا ً، بل أنظمة لن تكون هي ذاتها أكثر من مرة واحدة، في نهر العالم. ولن تثمر هذه النزعة أشكاله بمعزل عن إنسانية لن تسمح بإعلان موتها. والأمثلة ليست نادرة أمامه: من هنرى مور إلى بول كلي، إلى جانب متحفه لفنون الحضارات القديمة، من سومر إلى مصر، ومن عصور ما قبل التاريخ إلى البدائيين، وغير الكتابيين، إلى الفطريين، موروثات سمحت للفنان أن يميز بين معانيها في انحدارها إلى الزوال، وبين مآزق كائنات تجهل شرط وعيها لوجودها ولغزه، كي تغدو جزءا ً من أقدم المفاهيم، وقد شرعت تدشن حضورها بحداثة لم يغب عنها المكان، ولم يغب عنها زمنها، مع دينامية كونية، ولم يغب عنها، بالدرجة الأولى: الإنسان.
فهل ثمة فن يتأسس على مشروع موت: الإنسان ، وبتفاصيل تأملها، ودرسها عميقا ً، إبان الحرب العالمية الثانية، في عواصم أوروبا المخربة، أو في وطنه المثقل بمدافن، ومحتضرين، وأساطير؟ كان نصب (الحرية) سؤالا ً مشفرا ً بالأسئلة، وليصبح (شكلا ً) نحتيا ً فريدا ً وختما ً استعاد فه احد أكثر فلسفات سومر عمقا ً: الدفن وقد غدا انبثاقا ً، ومركزا ً لمدينته بغداد التي لم تخف أنها، قبل ثلاثة الآف سنة، كانت ستفيق لتحتفي بنصب لم يجعل منه الفنان خاتمة، بل تدشينا ً لعلامات تكتمل، بتتمات، ليست للتداول ـ والاستهلاك، وإنما لمنح الدينامية لغز (الأم) التي مجدها جواد سليم، بصفتها وحدها لن تتوارى في الظلمات.