استذكار: محمد غني حكمت..حشرجة فـي صدر تلميذ غاب عنه معلمه

Description: http://almadapaper.net/themes/portal/info.gif

 

فيصل لعيبي صاحي


كان الفن العراقي القديم والفن الإسلامي الى جانب الحداثة الأوربية، أهم المصادر التي استند إليها فن أستاذنا الراحل محمد غني حكمت، وكان يصر على انتمائه إلى بلاده بقوة من خلال نتاجه الفني وقد جرّب كل التقنيات والكشوفات التي مارسها فنان وادي الرافدين

 

قديماً وحاول أن يعيد إليها بهاءها الأول، وهو ما نراه في أشكاله التي تشبه الأختام الاسطوانية والمسلاّت القديمة والنحت البارز القريب من روحية النحت الآشوري البارز
عندما دخلت معهد الفنون الجميلة عام 1964، كان أستاذنا في النحت هو الفنان صالح القرغولي، الفنان الذي لم يأخذ حقه من التقييم، حتى هذه اللحظة. لكن هذا لم يمنعنا من مراقبة أستاذ قسم النحت في معهد إعداد المدرسين، الذي كان من بقايا أكاديمية الفنون الجميلة، التي أغلقها انقلابيو( 8 شباط ) في حينها، وحولوها الى المعهد العالي للفنون الجميلة لإعداد المدرسين. كان الفنان محمد غني حكمت، هو المشرف على قسم النحت فيه
وفي هذه السنة بالذات، حصل على الجائزة الذهبية من ( مؤسسة كولبنكيان ) كأفضل نحات عراقي، مع  الفنان فائق حسن  الذي حصل على الجائزة نفسها ، كأفضل رسام عراقي.
كان التماس الأول معه فنياً عند إقامة معرضه الشخصي في قاعة الواسطي ببغداد عام 1965 ، قدم فيه أعمالاً خشبية وبرونزية ونحاساً مطروقاً، وهو أول من أدخل هذا التكنيك في النحت العراقي، وقد تميزت اعماله البرونزية  بتأثرها بأسلوب النحات الإيطالي الشهير مانزو، الذي كان يهتم بالبساطة والرشاقة والتكثيف وذلك بسبب عائديتها لفترة الدراسة في روما وبستويا، التي تعلم فيها طرق الصب  بمادة البرونز ، لكنه تجاوزها في أعمال الطرق على النحاس واالنحت على الخشب، مقدماً لنا تجربة مهمة بعد تجربة الفنان جواد سليم الغنية. في هذا المعرض تتوضح الملامح الشخصية للنحت عند الفنان وتطرح اسئلة تقنية وشكلية مختلفة الى حد ما. طبيعي جداً ، ان يكون أسلوب جواد سليم حاضراً هنا او هناك في هذه العمل أو ذاك، لأن الأعمال عموما، كانت توحي بتحول، غير مقطوع عن مفاهيم جماعة مدرسة بغداد للفن الحديث، التي هو احد أعضائها. كانت الأعمال بحجوم مختلفة ومعظمها صغيرة الحجم، أقرب الى العين وتسطيع الانسجام والتحاور معها بسهولة، وهذا ما فرضته أيضاً مساحة قاعة الواسطي نفسها.
عام 1967 ، وضع كراساً عن ( تكنولوجيا النحت ) لطلبته في المعهد العالي.
وكان هذا العام هو عام أول لقاء شخصي لي مع الفنان محمد غني ، عندما قام طلبة المعهدين بسفرة الى منطقة الصدور، ومن حسن حظي، إنه جلس إلى جانبي، وقد تحلّل الجميع من الرسميات، وبدأ الكل يظهر مواهبه في هذا الجو الجميل، وقد طلبنا منه أغنية إيطالية، فغنى واحدة من أغاني الحب الجميلة. وبدأت أسأله كطالب فضولي لمعرفة بعض جوانب الحياة في إيطاليا، وغيرها من الأسئلة التي كان التلاميذ في حاجة لها.
 
من حسن الصدف أن صديقي العزيز الفنان منقذ الشريدة كان من تلاميذه البارزين، ويده اليمنى في تنفيذ العديد من الأعمال النحتية، التي تتطلب جهداً ووقتاً اكثر من غيرها، وهذا جعلني أرافق منقذ الى مشغل فناننا الكبير والتعرف على عالمه الفني عن قرب. هناك رأيت قطعة النحت التي أدخل فيها الكتابة لأول مرة على النحت العراقي، وكانت على شكل إسطواني ، كأنها عمل سومري او آشوري ، حيث نقش عليها كلمات أغنية : " يالزارع البزرنكوش إزرع لنا حنّة " . كانت مذهلة ودفعتنا للاقتراب أكثر من تفحص جماليات المجتمع الذي ننتمي إليه.
تطورت العلاقة بيننا كأستاذ وتلميذ، وكنّا في ساعة الاستراحة نتبادل الأحاديث، فظهر جانب آخر من شخصية فناننا محمد غني، إذ كان يردد بعض البستات والمقامات العراقية، ، ذكّرني بعده الفنان عبد الجبار البناء بهذه الخصلة، أيضاً عندما تعرفت عليه، وصرنا نحيي بعض سهراتنا تحت كرمه ورعاية أم دريد الكريمة، حيث ينطلق الفنان عبد الجبار البناء بصوته الشجي بما يحلو له من المقامات العراقية،آنذاك، كنت أتأمل هذا العراقي المشحون بالحزن والآمال العريضة، وأسأل نفسي كثيراً عن سر هذا الاقتران بين الموسيقى والفن التشكيلي!!
توطدت العلاقة أكثر بين فناننا الكبير محمد غني وبيني ، بعد أن دخلت الأكاديمية عام 67-  1968،وبعد أن أصبحت تلميذه وتحت رعايته المباشرة ، وأشتركنا في ندوة عن الفن العراقي عام 1969 وكان من ضمن من شاركنا فيها الفنانة الراحلة وأستاذتي العزيزة نزيهة سليم والفنان الراحل طارق مظلوم. وبقينا على صلة مستمرة حتى سفري الى باريس، عام 1974 ، ومع التطورات التي حدثت في العراق، انقطعت الأخبار في ما بيننا، لكنه عند زيارته باريس عام 1982 على ما أظن، زارني في غرفتي المتواضعة، وأطلعني على ما يجري في الأكاديمية وكواليسها، وبعض الممارسات التي مارسها حتى الأساتذة معه، وقال لي بالحرف الواحد : فيصل آني صرت مثل حامي الهدف (كولجي)، فقط لأرد الضربات المتتالية عني من هذا أو ذاك .
ثم انقطعت مرة أخرى أخباره، لكننا تلاقينا في البحرين، مرة ثانية في عام 2004 على ما أظن، عند زيارته معرضنا الذي أقمناه في جمعية المهندسين البحرينيين، وقد قبّلت يده المباركة، أمام الجميع، ثم دعانا وبقية الفنانين العراقيين الذين حضروا الفعالية الى وليمة عامرة ، زاد من جمالها حضور أستاذي ومعلمي في المتوسطة الفنان العزيز فاروق حسن والصديق جبار مجبل كما حضرها الفنانان البحرينيان راشد العريفي وعبد الرحيم شريف . كان جوّ وأخبار سقوط النظام البعثي والغزو الأمريكي للعراق قد غطّى نقاشاتنا، وتباعدت السبل مرة أخرى، ثم التقيته في عمّان في آخر مرة، عام 2009، أثناء إقامة معرضي (كلاسيك عراقي) على قاعة الأورفلي هناك، وكان كريماً كعادته فقضينا وقتاً ممتعاً معه ومع أم ياسر زوجته الكريمة سهرنا سهرة رائعة، بمعية نخبة من أجمل الفنانين العراقيين لكن الفنان محمد مهر الدين أفسدها علينا كعادته في مثل هذه المناسبات.
كان موضوع الأم من أهم المواضيع التي أثارها جواد سليم في نفوس الفنانين العراقيين، كشكل فني ومعنوي رفيع المستوى، وهذا ما مشى عليه الفنان محمد غني، حيث تمتلئ منجزاته منذ البداية وحتى النهاية بهذا الرمز الهائل التأثير والفريد جمالياً كشكل قائم بذاته ومكتف بمعناه. وقد استفاد من العباءة العراقية، ليخلق هذه الجدلية المهمة بين الخطوط والأشكال وبين الفراغات والكتل، مما ميزه عن العديد من الفنانين ليس العراقيين فقط بل العرب والأجانب أيضاً.
 
ويتميز هذا الفنان أيضاً بتنفيذ ابواب خشبية فائقة الجمال، تعتمد على الزخرفة النباتية والحركة اللولبية للحروف العربية، أو ما يسمى بـ (الآرابسك ) عند الغربيين، وهذه الأعمال تعتبر إضافة جمالية متقدمة وتوسيعاً واضحاً لإمكانات الخلق والإبداع في مادة الخشب، وتصوراً خلاّقاً لتحسين البيئة وشكلاً من أشكال جماليات المكان، التي أهملت منذ تدهور الحضارة الإسلامية وحتى القرن العشرين، كما إنها تقترح علينا أشكالاً محدثة وبروح شرقية بحتة.
كانت مادة الخشب من أقرب المواد الى نفس الفنان محمد غني، مع أنه نحت الحجر والمرمر وصب البرونز وطرق النحاس ، الذي أدخله كدرس جديد في قسم النحت عند عودته من إيطاليا عام 1962 . كانت مادة الخشب أكثر المواد طواعية وتوحي بالطبيعة أيضاً، فأصلها شجرة ، وكان يتعامل معها كمادة حية وتحمل روحاً وأحاسيس، لهذا نراه في أعماله عليها، أكثر رهافةً وقرباً من ذاته ، حيث نجده قد أنجز معظم أعماله التي تلتصق بالناس والحياة اليومية لهم من هذه المادة.
لقد كان الفن العراقي القديم والفن الإسلامي الى جانب الحداثة الأوربية، أهم المصادر التي استند إليها فن أستاذنا الراحل محمد غني حكمت، وكان يصر على انتمائه إلى بلاده بقوة من خلال نتاجه الفني وقد جرّب كل التقنيات والكشوفات التي مارسها فنان وادي الرافدين قديماً وحاول أن يعيد إليها بهاءها الأول، وهو ما نراه في أشكاله التي تشبه الأختام الاسطوانية والمسلاّت القديمة والنحت البارز القريب من روحية النحت الآشوري البارز.
هذه المادة ليست تقييماً لهذه القامة الفنية العظيمة، لكنها ، شيء يشبه الحشرجة في صدر تلميذ غاب عنه معلمه وهو في أشد الحاجة له.
ستبقى أعمالك يا أبا ياسر، شاهداً على حرصك وإخلاصك لفنك وحبك لبلادك، وسيستمر تلامذتك على هذا النهج الأمين في حماية الفن التشكيلي العراقي من التشوهات التي قد تصيبه ، بين الفترة والفترة.