كاظم حبيب
رسالة مفتوحة إلى المهندس المعماري المبدع منهل الحبوبي
"العراق اكبر من أن نخاف عليه !"
الأخ الفاضل المهندس المعماري السيد منهل الحبوبي المحترم
تحية ودٍ واحترام
تابعت الكثير من الأخبار التي أوردت مجموعة من الصور الخاصة بالتصميم المعماري الذي أنجزتموه لمشروع مجمع الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي, ومن ثم تابعت بعناية المحاضرة التحليلية الجدلية القيمة بجانبها الفني التي قدمتموها عن ذات المشروع وبحضور جمع من المسؤولين والمعماريين.
لقد كان التحليل منطقياً ومتناغماً مع أسلوب الإلقاء والأحاسيس والمشاعر التي كانت تفيض بها كلماتكم . أقدم أحر التهاني على هذا الإنجاز الفني في التصميم الذي يؤكد وجود كفاءات كبيرة ومتنوعة في العراق إذا ما سمح لها بالانطلاق في فضاء من الحرية والأمن والاستقرار. والمكاتب الهندسية المعمارية العراقية تشكل أحد هذه المجالات الذي يجسد تلك الكفاءات والخصوبة الفكرية والخيال الرحب لدى بنات وأبناء هذا الشعب الجريح. وزها حديد تقدم النموذج الفني المتميز بهذا الصدد.
فلسفة العمارة الحديثة تكمن وراء هذا التصميم المعماري, وهو عميق في مضمونه وشكله ويجسد الوحدة العضوية بينهما. كما إنه يعتبر التجسيد السليم لاستلهام التراث الحي والتعامل معه بأدوات العلم والفلسفة المعماريين الحديثين, فهو يجمع بين الماضي والحاضر ويشير إلى استمرار الحضارة الإنسانية وتلاقحها على الصعيد العالمي. فأنتم من تلامذة إحسان فتحي وخالد السلطاني ورفعت الجادرجي وقحطان المدفعي وغيرهم, ولكنكم في الوقت نفسه أحد تلامذة بناة العراق القديم, وأحد أساتذة العمارة في المستقبل أيضاً.
أنهيتم محاضرتكم القيمة والمكثفة والمهمة بكلمة سحرية أعجبت الحضور وأعجبتني وأظن إنها تعجب الكثير من البشر ممن يتسنى لها رؤية التصاميم والاستماع لمحاضرتكم, إذ قلتم فيها إن "العراق أكبر من أن نخاف عليه". فصفق لكم الحضور, بمن فيهم رئيس الوزراء العراقي! لقد جلبت انتباهي هذه الجملة التي جاءت ضمن تحليل يختلف عن التحليل الفني للعمارة العراقية.
أتفق معكم تماماً في ما ذهبتم إليه, فالعراق كان وسيبقى تلك الرقعة من الأرض الأبدية التي يمر من خلالها دجلة والفرات, إذ لعبا دورهما في نشوء أحد مهود الحضارة البشرية الزاهية. الأرض هي الأرض ستبقى, ووحدة العراق ستبقى أيضاً. لقد سقطت أطنان من القنابل والصواريخ على أرض العراق, فاحترق الإنسان ومات النخيل واقفاً وتلوثت المزروعات ومياه الأنهر والعيون, ولكن العراق بقى كما كان عليه قبل مئات وآلاف السنين.
الخوف يا أخي الكريم ليس على قطعة الأرض الصغيرة في خارطة الكرة الأرضية, فالأرض العراقية باقية ما بقى كوكب الأرض قائماً, ولكن خوفي وخوفكم وخوف الآخرين يفترض أن يتجه نحو الإنسان العراقي, نحو الإنسان الذي أنتج الحضارات القديمة وما يزال يمتلك القدرة على الإبداع, كما أنتم وزها حديد والآلاف المؤلفة من أمثالكم إن توفرت لهم فرصة الحياة للمساهمة في بناء حضارة افنسان الحديث في بلاد الرافدين, في العراق الراهن.
أخي الفاضل, إن الإنسان العراقي هو الذي يموت يومياً بصيغ شتى, يموت بكاتم الصوت, يموت محترقاً بالمتفجرات وتتساقط أشلاء الإنسان متناثرة وتمتلئ هذه الأرض بها وتسيل الدماء عليها. خشيتي وخشيتكم وخشية العالم يفترض أن تتجه صوب الطفل والصبي والشاب وكبار السن من الذكور والإناث, وهم جميعاً معرضون ومرشحون للموت في كل لحظة وفي الكثير من أرجاء العراق, هذه القطعة من الأرض التي يعيش الشعب العراقي بكل مكوناته القومية التي نعشقها جميعاً اشغلتنا جميعاً وأنسانا هذا الوله بها الإنسان العراقي ذاته, إذ بدونه, ليست هناك قطعة أرض تستحق الوله والعبادة. لقد سقط أكثر من 2,5 مليون إنسان عراقي من مختلف القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية خلال العقود الخمسة المنصرمة بسبب الاستبداد والقمع والحروب. والموت العمد ما زال يختطف العشرات من العراقيات والعراقيين يومياً. فالإنسان أخي الفاضل هو المهدد بالموت وليست الأرض العراقية, فخشيتكم يفترض أن تتجه صوب هذا الإنسان المهدد أولاً وقبل كل شيء, فهو الأثمن على هذه الأرض, وأنتم تشكلون جزءاً من هذا البشر الذي نخشى عليه, رغم أنكم تعيشون مثلي خارج حدود هذا الوطن الحبيب. كم بودي أن تتذكر معي المئات والآلاف من العلماء والأدباء والفنانين والنقابيين والعمال والفلاحين وبقية الكادحين, أن تتذكر أساتذة الجامعات العراقية ومدارسها والمهندسين والأطباء والمحامين والكثير من المثقفين المبدعين في مجالات كثيرة, أن تتذكر الإنسان العامل العاطل الذي يقف في المساطر ينتظر من يشتري قوة عمله ليحصل على أجر يومه ليشبع به بطون أفراد عائلته, وإذا بهم يسلبونه الحياة بسيارة مفخخة أو انتحاري مجرم ويتركون عائلته تتلوى جوعاً. على هؤلاء الناس الطيبين يفترض أن يتجه خوفنا أخي العزيز!
الحزن والإحباط الذي أنتابكم في ميلانو كان في محله, فأنتم كنتم في حزن شديد لا على الأرض العراقية, بل على الإنسان العراقي, على الفقراء والطيبين وعمال المساطر وأبناء الخايبة, الذين يموتون يومياً بالعمليات الانتحارية وتفجير المركبات والاغتيالات, وهي لا تصل إلى أحياء الأغنياء في الخضراء أو القادسية أو غيرهما. الخشية يا أخي على حرية الإنسان وحقوقه, على موته المبكر على أرض العراق على أيدي القتلة.
دعنا, أخي المهندس المعماري اللامع, الذي نعتز به وبفنه وإنجازه كما نعتز بزها وبغيرها من المبدعات والمبدعين, أن نتحاور وأضع أمامكم عدة مسائل جوهرية بعيدة كل البعد عن التشكيك بعملكم الفني أو التقليل من أهميته, بل من أجل أن نرى الأهم على المهم في حياة المجتمع العراقي في المرحلة الراهنة. ولدي الثقة بأن فناناً وعالماً مبدعاً مثلكم لا بد أن يمتلك من الحساسية الإنسانية والعقلية الجدلية بما يسمح لي بطرح هذه الرؤية الحوارية التي راودتني وأنا أستمع لمحاضرتكم القيمة بإصغاء كبير من خلال الرؤية البانورامية لما يجري في العراق الحبيب. هذه الحوارية لا تريد إحراجكم بأي حال, فأنتم أديتم ما عليكم من التزام علمي وفني وأدبي إزاء العراق وقدمتم خير ما يمكنكم تقديمه في المنافسة, بل هذه الحوارية موجهة بالأساس لمن يحكم العراق في هذه الأيام.
في مثل هذه الأجواء ينمو ويغتني التآمر الداخلي والخارجي, وليس طارق الهاشمي, إلا ورقة واحدة من أوراق كثيرة عابثة بمصير ومستقبل الشعب في العراق من الداخل والخارج. فليست التصريحات الوقحة لرئيس وزراء تركيا أردوغان من جهة, والتصريحات الأوقح التي أدلى بها قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني من جهة ثانية, سوى التعبير الواقعي عن مظاهر فعلية لهشاشة وضعف واهتزاز الأوضاع العامة التي تعاني منها الحكومة العراقية الراهنة. والغريب بالأمر إنها سعيدة باستمرار مجلس الوزراء على هذه الحالة المزرية.
أرجو أن لا أكون, أخي الفاضل الأستاذ منهل الحبوبي, قد أثقلت عليكم بهذه الرسالة المفتوحة, فهي وأن كانت موجهة إليكم, فإنها في حقيقة الأمر موجهة إلى أولئك المسؤولين الذين لا يتعلمون من دروس وتجارب الماضي القريب, دعْ عنكم البعيد, ويريدون خوض تجاربهم الخاصة التي لا تنتهي إلا إلى ما انتهت إليه التجارب السابقة والقريبة جداً, والتي كلفت الشعب العراقي الكثير من الضحايا والأموال والحياة المدنية والتراث الحضاري, ولكنها كلفت بالمحلة النهائية الحكام الموت والخزي والعار.
لا أريد أن أحرمكم بأي حال من عملية تنفيذ هذا المشروع المعماري الأصيل, ولكني لا أجرؤ في الوقت نفسه السكوت على ما يتعارض مع إرادة الشعب العراقي في المرحلة الراهنة وحاجاته الأساسية ومعالجة مشكلاته المباشرة, فالساكت عن الحق شيطان أخرس, ولدينا في العراق الكثير من الشياطين التي ترتدي أزياء وملابس أخرى.
لكم ولمن يعمل معكم المزيد من الإبداع المعماري والحياة الهانئة والسلامة.
مع خالص التقدير والمودة
كاظم حبيب
برلين في 29/1/2012