مقدمة في الأدب السومري

 

أ.د. زهير صاحب

 

إن النتاجات الأدبية السومرية ، وكما هي ممثلة في النصوص الأدبية المكتشفة لحال التاريخ ، ذات أهمية عظمى في تاريخ تطور الآداب الإنسانية . ذلك إنها أول محاولات الإنسان، في التعبير عن إشكالات الحياة وقيمها وأحوال المجتمع ومشاكل الفرد ، بأساليب أبداعية فنية مستندة إلى الخيال والتأمل . ورغم إيغال الآداب السومرية في القدم ، وسبقها كافة الآداب العالمية . فإنها تتميز بالسمات الأساسية التي تميز النصوص الأدبية العالمية الناضجة ، سواءً أكان ذلك في خصوصيات التعبير أو في بنية النصوص اللغوية ، وكذلك الموضوعات الإنسانية المصورة ، والأخيلة والصور الفنية والعرض القصصي والروائي .

 

ومصادر معرفتنا بالآداب السومرية ، تكمن في ما تم اكتشافه من ألواح طينية مكتوبة بالخط المسماري واللغة السومرية ، ويتجاوز عددها الألف لوح . وتكمن أهميتها في المدلولات الإنسانية التي تُعبر عنها ، والتي ما زالت حية تشغل بال الفكر الإنساني المعاصر، والأسلوب الأدبي الفني في الشعر والنثر ، المميز بطراز خاص من النظم والتأليف المؤثر في مشاعر القارئ أو السامع ، وهي مهمة أيضاً ، في اختيار الحوادث أو المواقف المؤثرة في أعراف الحضارة التي أبدعتها .

 

والأدب السومري ، غني بموضوعاتهِ أو إشكالاتهِ الفكرية ، ، ويتنوع ليشمل، أصل الكون والوجود ، وأصل الآلهة ، والملاحم وأعمال الأبطال والآلهة، وقصص الطوفان ، وأساطير عالم ما بعد الموت ، وأدب الحكمة ، وموضوعات الخير والشر والعدل الإلهي وأدب المفاخرة والمناظرة والحوار ، ونصوص السخرية والفكاهة وقصص الحيوان ، وأدب الرثاء ، ونصوص جميلة في الغزل والحب ، والصلوات والابتهالات والتراتيل والأدعية الدينية .

 

ودونت ملحمة كَلكَامش العظيمة على أثني عشر لوحاً من الطين ، إذ كان من المتعذر كتابتها على لوح طيني واحد ، نظراً لطول النص . ورُتبت على هيئة سلسلة متتابعة ، وذُيلَ كل لوح من ألواحها بعنوان السلسلة العام مع رقم تسلسله ، وبداية السطر الذي يبدأ به اللوح التالي . وعلى هذا المنوال "كانت كل مجموعة من سلاسل النصوص الأدبية تحفظ في أوعية من الجرار أو الخشب أو السلال وتوضع على رفوف ، ويعلق في كل مجموعة عنوان السلسلة الذي يُسجل في بطاقة أو لوح صغير من الطين" (طه باقر، 2003 ، ص19) . ونتج عن هذا الأسلوب في حفظ النصوص الأدبية عند السومريين ، نظام الفهرسة والسجلات ، وأقدم نظام المكتبات المعبدية ، وأشهرها مكتبة مدينة (نُفَر) السومرية . وقد أسماها السومريون (بيت الألواح) .

 

وإذ اكتشفت بعض النصوص الأدبية السومرية ، وهي مُذيلة بأسماء أشخاص، فالغالب فيهم أن يكونوا نُساخاً أو جامعين . ولعله يمكن تفسير هذه الظاهرة ، في إغفال أسماء المؤلفين . إن القسم الأعظم من النتاج الأدبي السومري ، قد نشأ ونما على هيئة تراث شعبي، شاركت في إبداعهِ عدة أجيال من الشعراء والمنشدين والقصاصين ، ولم يتفرد في إنتاجهِ أديب أو شاعر واحد .

 

ويتميز الأدب السومري وبالأخص (الشعر) بوجود الإيقاع الخاص أي الوزن أو العروض ،و إتباع نظام خاص في تأليف الكلام الموزون من حيث تقسيمهُ إلى وحدات صغيرة ، وضم هذه الوحدات في مجموعات أكبر منها ، كالبيت والبيتين والأربعة أبيات والقصيدة . وكذلك في انتقاء مفردات لغوية خاصة (بلاغية) ، وهي الألفاظ الشعرية من حيث الجرس اللفظي والمعنى بالنسبة لمقاييس اللغة التي ينظم فيها الشعر . "أما القافية ، فلم تكن مستخدمة في الأشعار السومرية ، فقد كان الشعر موزوناً إلا أنه غير مُقفى" (طه باقر ، 2003 ، ص32) .

والفكر التأملي المبعوث عِبرَ الآداب السومرية ، هو طريقة حدسية من طرق الإدراك ، تكاد تكون أقرب إلى الرؤيا . وبعبارة أخرى ، كان السومريون يقصّون الأساطير عوضاً عن القيام بالتحليل والاستنتاج . فقد نظر السومريون إلى فكرة سقوط الأمطار بعد جدب ، بأنها وساطة من الطير المركب العملاق (أمدكَود) إذ جاء لإنقاذهم ، فكسا السماء بجناحيه من سحب الزوابع السوداء ، وألتهم (ثور السماء) الذي كان قد أحرق الزرع بأنفاسهِ الملتهبة ولذلك يجب أن نأخذ الأسطورة، السومرية ، محمل الجد ، كونها تكشف عن حقائق مهمة ، وإن يتعذر إثباتها ، حقائق من النوع الذي ندعوه حقائق ميتافيزيقية . وهي تدعو المؤمن الاعتراف بها ، وإزاء المتشكك لا تحاول تبرير نفسها .

 

لقد كانت (موضوعة) الفكر التأملي الأولى عند السومريين ، هو الإنسان ، طبيعتهُ ، مشكلاتهُ قيمه ومصيره . والإنسان في سومر لم ينجح بل لم يحاول ، في جعل نفسه موضوعاً علمياً لنفسهِ . وحاجتهِ المُلحّة للسمو على فوضى التجارب والحقائق المتناقضة ، تُؤدي بهِ إلى البحث عن فرضية ميتافيزيقية . فالإنسان إذا ما تناول موضوع (ذاتهِ) لن يُحيد عن التأمل حتى يومنا هذا .

 

إن الفكر التأملي عند السومريين ، لن يقنع بأفكارنا . فإذا بحث عن السبب ، فإنه يبحث عن الـ (مَن) لا عن الـ (كيف) ، وما دام عالم الظواهر هو (أنتَ) مجابهاً للإنسان كما أسلفنا ، فإن السومري لن يفكر في وجود (تقنية) لا شخصية تنظم  حياة الطبيعة ، إنه يبحث عن إرادة ذات غرض خاص تأتي فعلاً معيناً . فإذا لم ترتفع مياه الأنهر ، فلابد إنها رفضت فكرة الارتفاع ، وبالتالي يُصار إلى تحليل ذلك بفكرة غضب (الإله) . والحكمة هو أن النهر أو الإله ، يُريد أن يُفهم الناس شيئاً ، ولابد لهم من عمل مناسب يقومون بهِ . أما النتيجة فتكون اللجوء إلى القربان لفك الاشتباك .

 

ولم يستطع السومريون فهم (الرموز) في النصوص الأسطورية على إنها كينونات خاصة ترمز إلى الآلهة أو القوى الغيبية ، وبذات الوقت هي منفصلة عنها . إنها تُعامل كالشبه بين شيئين ، أي إنها تربط بين الشيئين المتشابهين ، ولذا يلتئم الرمز والمرموز إليه معاً ، كما يلتئم المتشابهان ، بحيث يغدو الواحد بديل الآخر . فالأرواح (الشريرة) في الآداب السومرية ، ما هي في الغالب إلا الشر نفسهُ ، مجسداً ومزوداً بقوة إرادة .

 

وتتجلى الناحية (اللاعقلية) في الأسطورة ، في أن السومريين ، لم يكتفوا بسرد أساطيرهم كأقاصيص تحمل الأخبار ، بل مثلوها روائياً معتقدين إن فيها قوة خاصة تنشط بالإلقاء (الجهوري) . وخير مثال معروف عن التمثيل الدرامي للأسطورة السومرية ، هو احتفالية رأس السنة السومرية ، في أحداث تبدل الفصول . حيث تُرتل في كل أرض (سومر)، أسطورة الزوجين (إنانا – ودموزي) وبكل ما تتضمنه من أحداث تراجيدية – مأساوية – تنتهي بالعودة الموعودة ، والفرح العميم . أنه تعبير الإنسان عن المعرفة التي يُشارك بها قوى الطبيعة ، كي يّورطها ثانية في أن تكون ، أن توجد ، وأن تتجدد ، وأن تعيِش .

 

إن الذهنية السومرية ، كما تُعبر عن ذاتها في الأدب . تدور في فُلك القيم الروحانية . فهي القيم الطاغية في الفكر الاجتماعي . وكل العمليات الذهنية تخضع لها بشكل مباشر أو غير مباشر ، حتى إن القيم (الموضوعية) نفسها ، تُفعّل في تَدعيم التفسير الروحاني ، فتقظمها الروحانية بفكيها الجبارين ، وتقضي على حقيقة كونها قيم مستقلة .

 

فالحياة الذهنية للفرد في المجتمع السومري ، مكيفّة اجتماعياً بشكل قوي جداً. فنمط الحياة الذي يغلب عليه طابع المشاركة ، هو العنصر المُكيّف الأول . حين تخضع حياة الفرد لرأي وتقويم المجموعة . ذلك إن جميع تصوراته ، يغلب عليها الطابع الجمعي ، وتنبع من روح المشاركة الاجتماعية القوية جداً ، والتي تُهيمن بشكل مطلق على مشاعره وعلى وظائفهِ الذهنية . وهذا ما يؤدي إلى فقدان عنصر (المُناقظة) في الذهنية السومرية ، فطالما إن التصورات الفردية لا تختلف عن التصورات الجماعية ، فلا مجال لعنصر المناقظة الذي يميز الذهنية (الوضعية) .

 

ويَعتبر (بروهل) "إن إحدى المفاصل الأساسية للذهنية السومرية ، هي الذاكرة" ، (معتوق ، ص42) . والتي تتألف من كم هائل من (الأحكام) ، هي بمثابة السلطة المطلقة على الذهنية السومرية . وهي التي توجه روح المشاركة ، وخارج تلك الذاكرة ، كل شيء باطل ، فالتصورات الجماعية الموروثة من الأسلاف هي الوحيدة الصحيحة . إنها المرجع الذي لا يقبل التجديد والتحديث . وهنا تكمن الأهمية القصوى للأسطورة والملحمة في بنية الفكر السومري الاجتماعية .

 

والأسطورة والملحمة السومرية ، شكل من أشكال الأدب الرفيع ، ذلك إنها (قصة) تحكمها قواعد السَرد القصصي من حبكة وعقدة وشخصيات وحلول وما أليها . وعادةً (يُصاغ) النص الأسطوري في قالب شعري يُساعد على ترتيلهِ وتداولهِ شفاهاً بين الأفراد وعِبرَ أجيال. وله سلطان على العواطف والقلوب ، والعقول أيضاً .

 

وليس للأسطورة السومرية (زمن) محدد ، أي أنها لا تقول مقولتها عن حدث جرى في الماضي وانتهى ، بل عن حدث ذي حضور دائم ، فزمانها (ماثل) أبداً ولا يتحول إلى ماضٍ . ذلك أن (الإله) تموز الذي قُتل ثم بُعثَ للحياة ، إنما يحدث ذلك في كل عام ، إذ يُقتل في الصيف ، ليبعث في الربيع . ليبرر التجدد السنوي المحسوس في حياة الطبيعة .

 

وتتمتع الأسطورة السومرية بقدسية وبسلطة عظيمة على عقول الناس ونفوسهم ، فالسطوة التي تتمتع بها الأسطورة عند السومريين ، لا يدانيها سوى هيمنة العلم في العصر الحديث . ذلك إنها ترتبط بنظام ديني وتتشابك مع معتقدات ذلك النظام وطقوسهِ المؤسسة . فالأسطورة هي حكاية مقدسة مؤيدة بسلطان ذاتي، وهذه الذاتية المتفوقة في بنية النص الأسطوري ، لا تأتي من أية عوامل خارجية عنها ، بل من أسلوب صياغتها وطريقة مخاطبتها للجوانب الانفعالية وغير العقلانية في الإنسان . ومهمتها الأساسية ، هي إكساب فكرة (الألوهة) ألوان وظلال حية ، فالأساطير هي التي ترسم صور الآلهة وتعطيها أسمائها وتحدد لها صلاحياتها .

 

وتقص أسطورة (الخلق) السومرية ، خلق الكون :- في البدء كانت الآلهة
َمّو) ولا أحد معها ، وهي المياه ألأولى التي أنبثق عنها كل شيء . أنجبت الآلهة (نمو) ولداً وبنتاً ، الأول (آن) إله السماء المذكر ، والثانية (كي) إلهة الأرض المؤنثة ، وكانا متصلين مع بعضهما . ثم إن (آن) تزوج (كي) فأنجبا بكرهما (أنليل) إله الهواء ، الذي كان بينهما في مساحة ضيقة لا تسمح له بالحركة . فقام بقوته الخارقة بأبعاد أبيه عن أمه ، أذ رفع الأولى فغدت  السماء ، وبسط الثانية فصارت أرضاً ، ومضى يرتع بينهما . لكن (أنليل) كان يعيش في ظلام دامس ، فأنجب (أنليل) أبنه (ننار) إله القمر ، ليبدد الظلام في السماء وينير الأرض . و (ننار) إله القمر أنجب بعد ذلك (أوتو) إله الشمس ، كي تغمر أشعته الدافئة وجه البسيطة . ثم كان خلق الظواهر الأخرى تباعاً .

 

فالإله السومري القابع فيما وراء الزمن الجاري ، هو إله نظري ذو طبيعة فلسفية . وهو لا يباشر وجوده الفعلي ، وصلته بعالم الإنسان ، إلا عندما يعلن عن فعاليته الواضحة في الزمن ، فيقوم بخلق وتكوين العالم . " فالأسطورة تقوم على مفهوم زماني لا مكاني" على حد قول (كاسيرر) (السواح 1994 ، ص59) . فالأسطورة الحقة كما يراها ، لا تقوم ، ألا عندما يعزى للآلهة بداية محددة في الزمن ، وعندما تباشر هذه الآلهة فعالياتها ، وتنبئ عن وجودها في سياق زمني أي عندما يتحول الوعي الإنساني من فكرة الآلهة إلى تاريخها ، فمن خلال هذا التاريخ الذي ترسمه الأسطورة ، تعلو الآلهة على قوى ومظاهر الطبيعة ، وتتسلط عليها. ومن خلال سيرتها الذاتية التي تؤشر خروجها من (العماء) الساكن إلى الزمن المتحرك ، فتنتقل (الآلهة) من الوجود المجرد إلى الفعل ، وذلك يظهرها في عالم الإنسان في سومر ، ويشدها إلى مسار حياته .

 

ويرى (فرويد) تشابهاً في آليات العمل بين الحلم والأسطورة ، وتشابه الرموز بينهما . بأعتبارها نتاج العمليات النفسية اللاشعورية . ففي الأسطورة كما في (الحلم) ، نجد الأحداث حرة الوقوع خارج قيود الزمان والمكان ، فالبطل في الأسطورة ، كما هي حال صاحب الحلم، يخضع لتحولات سحرية ويقوم بأعمال خارقة ، هي انعكاس لرغبات مكبوتة ، تنطلق من عقالها ، بعيداً عن رقابة العقل الواعي ، والذي يمارس دور (الحارس)على بوابة اللاشعور . (السواح،1985،ص13) .

 

ويعتقد بعض المختصين في الآداب السومرية ، بأن الأحلام الواردة في ملحمة كلكامش، هي من نوع الأحلام ـ الرسائل ، فالحالم في النص الأسطوري ، يقابل مجموعة من الأفعال والحركات أو الأحداث العقلية ، لا يكون أبطالها محددين ، مثل الآلهة والنجوم والظواهر الأخرى . "لقد نشأ الحلم عند كلكامش ، نتيجة خطر كان يهدد أمنه كإنسان ، ونتيجة عجزه أمام إيجاد حلول مناسبة لحالته النفسية" (المقداد ، ص166) وهذا هو حال (الإنسان) على أرض الرافدين ، حيث أخضعه قلقه الميتافيزيقي ، وهو يؤسس أنظمة الفكر الأولى ، إلى نوع من الفكر التأملي اللاشعوري ، لأيجاد حلول لمثل هذا الفزع السايكلوجي . وحال كلكامش هو حال (أدبا) في أسطورته المعروفة .

 

أستيقظ كلكامش من نومهِ ، في تلك اللحظة ، وأخذ يقص على أمه رؤياه قائلاً لها : يا أمي لقد رأيت الليلة الماضية حلماً ، رأيت إني أسير مختالاً بين الأبطال ، فظهرت كواكب السماء ، وقد سقط أحدها ألي وكأنه شهاب السماء (آنو) ، أردت أن أرفعه ولكنة ثقل علي ، وأردت أن أزحزحه فلم أستطع أن أحركه ، تجمع حوله أهل بلاد (أوروك) ، أزدحم الناس حوله ... وتدافعوا عليه ، وأجتمع عليه الأبطال ، وقبل أصحابي قدميه .... ، أحببته وانحنيت كما أنحني على امرأة ، ورفعته ووضعته عند قدميكِ فجعلتهِ نظيراً لي .

 

فأجابت كلكامش أمه البصيرة العارفة وقالت له :

 

قالت (ننسون) العارفه بكل شيء لكلكامش ، إن رؤيتك نظيرك كوكب السماء ، والذي سقط أليك وكأنه شهاب السماء (آنو)، إنه صاحب قوي يعين الصديق ، إنه أقوى من في البلاد وذو عزم شديد . وعزمه مثل عزم (آنو) وذو بأس شديد . وأما أنك أحببته فانحنيت عليه كما تنحني على امرأة . فمعناه أنه سيلازمك ولن يتخلى عنك . وهذا هو تفسير رؤياك .

 

كان كلكامش يعرف إن جيش الآلهة (آنو ـ السماء ) قوامه نجوم السماء ، وإن الصديق الذي يبحث عنه يجب أن يكون قوياً بقوة (إله) . ومن جهة أخرى ، كان كلكامش على علم بوجود (انكيدو) في السهل ، لكن الذي ما زال يجهله ، هل يمكن لهذا الوافد الجديد أن يكون بذات المواصفات ، وأن يكون صديقاُ له ُ، وقد أطمئن كلكامش بعد تفسير الحلم ، من أن الرغبة في الصداقة والصديق تكمن في (أنكيدو) . ومن هنا كان عدوله عن الإجهاز على خصمه ، حين احتدما في صراع عنيف . إنها فكرة أيجاد علاقة واقعية وطيدة من نوع خاص مع ما يشابهها في فكرة الحلم . وهذه الأحلام في بنيتها هي عبارة عن أحلام (مسبقة الصنع) صاغها المؤلف بما يتناسب مع أهدافهِ في آليات السرد القصصي ، إنها هنا عنصر من عناصر بنية النص الأسطوري، ولا دخل لأحد فيها على الإطلاق.

 

من الصعب حساب الزمن في النصوص الأسطورية والملحمية السومرية ، وفقاً لقياساتنا ومفاهيمنا المعتادة . فالزمن لا يعلن عن ذاته ، إلا في ضوء النتائج والأفعال . نحن لا نعرف مثلاً كم استغرق كل من (أدبا ـ وايتانا) في رحلتيهما نحو السماء ، وكم مكثا هناك، ومتى كانت العودة . وفي ذات الوقت ، كم احتاجت (أورورو) لخلق أنكيدو ، كما نجهل مدة أقامته في السهل ، قبل صداقتهِ لكلكامش. فإذا كان الزمن يؤثر على الفعل في السرد القصصي ، فأن أثر الفعل أهم من فترة ديمومته في السرد الأسطوري.

  ونلاحظ كذلك (تغييب) مقصود للأمكنة ، في بنية النصوص الأسطورية السومرية . فالدروب التي تسلكها الشخصيات ، تكاد تكون مموهة ، وبعيدة عن التحديد ، لا عرض لها ولا طول ، وفي نفس الآن ، لا بداية لها ولا نهاية . إنها تبدأ في نقطة لا يمكن تحديدها إلا في خيال المتلقي ، وطالما إن المتلقي هو الفكر الإنساني في عالميتهِ غير المحددة ، تبقى الإشكالية، هي إشكالية إبداع في بنية النصوص الأسطورية . ذلك إن النص في ملحمة كلكامش مثلاً ، لم يتقيد بتحديد مكاني هندسي معروف لمدينة الوركاء أو للسهل ، كما إنه لم يعلن في أبلاغه عن المسافة التي قطعها (الصديقان) نحو غابات الأرز ، وكذلك لا نجد تحديداً للدروب والبحار والأمكنة التي أجتازها كلكامش وصولاً لجده (أتونابشتيم) . فالنصوص الأسطورية السومرية ، لم تتوقف عند جغرافية حدود الأمكنة ، وإنما وجدت خصوصيتها ، في تفعيل الإبلاغ عن الحدث أو الحدوث بدلالة المكان الغير معين . إنها أزمنة وأمكنة كونية ، لا واقعية ، في بنية الأساطير والملاحم السومرية .

 

وتجتاز بنية النصوص الأدبية السومرية ، سمة التكرار ، والذي أما أن يكون تكرار كلمات ، أو تكرار مقاطع كاملة . الأمر الذي يُشعر القارئ (المسؤول) بالملل عند بحثه عن (المدلول) في بنية هذه النصوص . إلا إنه في قراءة الأساطير والملاحم السومرية (شكلانياً) ، أي تقصي شكلانية المضامين ، بدلالة تعالق الملفوضات . فأن للتكرار في بنية النصوص وظيفة إيقاعية تشبه تكرار الأنغام في المعزوفات الموسيقية ، ذلك أن النص الأدبي السومري هو ليس دلالة معنى وإنما (موسعة) الألفاظ والكلمات كي تبلغ أو توحي بمدلولاتها . فالمقاطع المتكررة تتسع وتكبر وتفعّل ، لتبلغ عن أبعاد جديدة لها مهام وصفية وتأكيدية . فكلكامش حين يقول في موت أنكيدو :

 

لتبكيك قمم الجبال والهضاب ، ليبكيك زيت الأرض ، لتبكيك الدببة ، ليبكيك الضبع والنمر والأيل والثعلب ، ليبكيك الحُرّاث .

 

إن كلكامش يريد أن يجعل من حزنه حزناً كونياً شاملاً في بنية النص الملحمي ، ذلك أن ما يشكل جزءً من اليومي ، يصبح في الوعي الجمعي نوعاً من الأسطورة ، التي تنتمي إلى الخيال ، وإلى مجال أللامحتمل . فالمعاش هنا يتحول إلى سرد . وهكذا فأن ما حدث بالأمس كحقيقة ، يمكن أن يتحول الآن إلى أسطورة .

 

إن الطوفان ، وعشتار ومأساة تموز ، وايتانا ، وأدبا ، وكلكامش . ليست مجرد قصص مغامرات ، إنها (الرمز) الدائم لذلك الكائن على أرض سومر ، الباحث أبداً عن سر الحياة . فكل من هذه المسميات ، هي (أدوار) ، مرت عبر الواقع المتحرك نحو التاريخ . التاريخ الذي أحتضنها محيلاً أياها إلى نصوص أسطورية.

 

 

المصادر

1-    المقداد، قاسم. هندسة المعنى في ملحمة كلكامش ، دمشق، 1984.

2-    الواح، فراس ، دين الانسان، دمشق، 1994.

3-    الواح، فراس، . مغامرة العقل الاولى، دمشق، 1985.

4-    باقر، طه، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، بغداد، 1973.

5-    معتوق ، فردريك، علم اجتماع المعرفة، بيروت، 1990.