الخزف المعاصر في مصر

 

 

د.نبراس احمد الربيعي

     لا يمكن حصر عوامل التحد يث الفني باسباب متماثلة ، كسيادة انظمة وعادات ومؤثرات متقاربة ، بين قطر وآخر . فضلا عن صعوبة الاستنتاج حتى في حالة تحديد المنهج والعوامل المشتركة . فتداخل  الاسباب وتنوع التفاصيل لها أثرها في تحديد الوظائف وعلاماتها الفنية . فاذا كانت المسارات العامة لنتائج قوانين  معمول بصوابها ، كما اشرنا اليها  في سياقات البحث ،قد فسرت لنا  ان النظام الاجتماعي والمعرفي والثقافي العربي قد تعرض لعوامل متماثلة  ادت الى التحديث ، وظهور حداثات بسمات مختلفة ، فأن هذا الاسلوب  لا يقلل من خطورة اهمال عدد ما من العوامل لها اهميتها في نظام تحديد السمات الفنية للتكنيك والرموز والعلامات . بيد ان المسار العام  لبحثنا لم  يلغ الخصائص الفنية لكل قطر وكأنها محض ثوابت ، وانما اشتغلنا على تعقب العوامل المشتركة  ( 1 ) . ولن يختلف  فن الخزف في مصر عن الاقطار العربية الاخرى الا بما يمتلك من مجموع عوامل الموروث والبيئة ومفاتيح الاستجابة  وسمات التحديث ، وفي مقدمتها اثر التكنولوجيا في مسار التطور العام  اولا ، وعلى الصعيد الثقافي والتقني ثانيا ً .  

     والتحديث في مصر لعمل فن له طابعه الخاص منذ نهايةالقرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على نحو ملموس ومؤثر ، له ذاكرته التاريخية والاحصائية ( 2 ) وله حدوده الفاصلة بين ماقبل ( التحديث ) والمراحل اللاحقة ويختلف باختلاف اعادة صياغة كاملة للمفاهيم الفنية والثقافية ( 3 ) .

     ومع ان باحثا ً مثل ( ريجل ) يقلل من شأن التطور في الفن ، بل لا يرى ان هناك تقدما أو استمرارا من عصر الى عصر آخر ، على صعيد فهم الطبيعة ( 4 ) الا ان التحول ، والتقدم ، والاختلاف الاجتماعي ، والازدهار النسبي للتحديث العام الذي حصل في مصر خلال القرن الماضي ، برهن ان التحولات العامة كانت لها انعكاساتها على صعيد انظمة اشكال الثقافة والفنون ومنها فن الخزف .. لان اشتغال هذه الانظمة وضع فن الخزف في اطار التجديد وتلبية ذائقة ولدّتها الوقائع والتحولات .. فلم تعد ( الجرة ) ، على سبيل المثال ، بما تمتلك من وظائف ودلالات رمزية ، وشعبية متوارثة ، وبما تمتلكه من جذور عميقة ، الا إمتدادا ً مغايرا ً ومتداخلا في تجارب التحديث  والحداثة بصورة عامة . فقد صار الخزاف يعالجها بمنظور آخر دون اهمال قيمتها كدال يتضمن لاوعيا ً جمعيا للتراث المصري . كما ان الخزين الشعبي والمعرفي بتنويعاته لن يغادر الاشكال والمعالجات المختلفة ، فجمع في بساطة بين معاني الصفوة والعامة ، والحديث والقديم ، والمفرد والعام ، والتزم الفنانون هذا بواقعهم الاجتماعي السائد بين الناس مما ميزهم عن حركة الاحيائية ، وعن حركة التقليديين ( 5 )

     فاذا كانت العصور الوسطى قد شهدت ازدهارا لفن الخزف ، فان العهد العثماني ، منذ الربع الامل للقرن السادس عشر الميلادي ، مارس أثره في مصر  ودفعت بالفن الى الاساليب التقليدية الهزيلة من ( القلل والازيار والبلالعي والمواجير ) ( 6 ) حيث حتم التحديث ظهور تجارب متنوعة  ، ومنها مبادرة ( جونسون باشا ) – الذي كان يشغل منصب مديرا للورش الاميرية – بانشاء مصنع للخزف في منطقة ( فم الخليج ) مستخدما بعض الافران ( للزجاج الملحي ) في إنتاج الترابيع القاشانية ، لكن المصنع لم يستمر طويلا ً ، اذ توقف عن العنل في نهاية القرن التاسع عشر .  

     بيد ان تاجر الخزف الاسكندراني ( ماثيو ) كان يشتغل باستيراد الخزف من اليونان الى الاسكندرية ، كان قد انشأ مصنعا ً للخزف بالاستعانة بالخزاف الفرنسي ( كوتيه ) الذي استعان بدوره بالخزافيين اليونانيين ، فضلا عن وجودخبراء مصريين بما كانوا يمتلكونه من مواهب كامنة ، مستخدمين في تجاربهم  الطينات المحلية بعد خلطها بطينة ( الاسوانلي ) مع طينة ( النيل )  وطينة ( التبين) .. كما استخدموا بعض الطلاءات الزجاجية ذات القواعد الرصاصية ، فضلا عن استخدام مادة الفلنت بعد تكليسها وطحنها .

     تبع ذلك مجيء ( لامبو مارنجاكس ) في اواخر القرن التاسع عشر ، وقد كان شريكا ل( ماثيو ) باديء الامر في مصنع ( طرة ) ثم انفصل عنه واقام مصنعه في روض الفرج تحت اسم ( مصنع مارنجاكس ) للطوب الحراري والمواسير وبعض الاواني الخزفية ، وكان يعتمد الاسلوب العربي في تنفيذ الزخارف ، كما استخدم الطينات العادية المسامية والبطانات الطينية الملونة ، ووظف تقنية الكشط فيها لاحداث زخارف متنوعة تتسم بالزخارف الاسلامية ومعالجة بعد ذلك بالطلاء الزجاجي الشفاف ( 7 ) .  

     وكانت هناك ، في هذه المرحلة ، محاولات من لدن الحكومة من اجل استعادة امجاد الخزف في ماضيه المجيد – ولا نقول الخزف الفني كما في تجارب الحداثة – فكانت هناك محاولات لتصنيع البورسلين أو الصيني ، فارسلت بعض الخامات المحلية المصرية الى اوربا لكي تحصل على تحليلاتها وتحديد مدى الاستفادة منها  صناعيا ، كما تمت الاستعانة بعدد من الخبراء الاجانب ، ومنهم الخبير الانكليزي ( وليم دي مورجان )  – الفرنسي الاصل – وكان خزافا مشهورا في الوقت نفسه . فقد قام هذا الخزاف الباحث بدراسة صلاحية الطينة المصرية والخامات الاخرى الصالحة لانتاج البورسلين ، فاستعان هذا بدوره بعدد من الكيماويين بينهم ( د. ماكنزي ) مستعينا بعددمن ضباط الشرطة لتيسير مهمة التجول والتنقيب ، كما استعان بمجموعة منتقاة من العمال المصريين الذين تركوا لنا ، في مجال الخزف ، احفادا يعملون بناحية الفسطاط بالقاهرة حتى يومن هذا ( 8 ) .

     تناولت ابحاث ( مورجان ) الانواع الطينية المصرية ابتداء ً بطينة ( الاسكندرية ) وصولا الى ما بعد طينة ( اسوان ) . وكانت العينات تفحص كيماويا ، كما تدرس قابليتها على التطويع .. وبعد دراسة العينات في لندن ، كتب تقريرا ً بعنوان ( إمكانية الخزف المطلي في مصر ) . كان البحث غنيا بالمحاولات والتجارب الكيمائية التي اسفرت في النهاية عن عدم الوصول الى نتيجة ايجابية ، اذ اقر الباحث باستحالة انتاج البورسلين بواسطة الطينة المصرية .

     ومع بداية القرن العشرين ( 1905) بدأ الايطالي ( سورناجا ) بحوثه على الخامة المصرية ، بهدف إنشاء صناعة خزفية محلية ، لذا انشأ مصنعه ( الودي ) ( 9 ) عام (1907) الذي ما لبث ان تحول ، بعد سنوات قليلة ، الى شركة مساهمةلأنتاج الحراريات . لقد نجح هذا الباحث بانتاج الخزف الصناعي -  في سياق الاستخدام اليومي وليس الجمالي أو الفني – ولكن سرعان ما تاثر بالاجواء الشرقية الساحرة ، فبات يطمح الى ابداع خزف  له هويته العربية ، فكان يستعين بالنخبة من العمال المهرة  وتحت امرة الاسطوات وكبار السن من المعلمين الذين كان يأتي بهم من فواخير الفسطاط .

     كان لـ ( سورناجا ) في تلك السنوات ،الاثر الكبير على الحركة الفنية ، اذ انتج الترابيع القاشانية ، والاطباق والاواني ذات الزخارف العربية المنقولة عن الامشق الاسلامية ، وهذا ما جعلها ذات اهمية لا تذكر ، لأنها تفتقر الى صيغة الابتكار والابداع التي يقوم عليها اي فن من الفنون ، وهنا يمكن وصف أواني ( سورناجا ) وخزفياته بطابعها السطحي الذي يوحي بالاساليب الشرقية ، ولكن في اعين السائحين الاجانب . ( 10 )

     توالت بعد هذه المحاولة ، محاولات أخرى لأنتاج الخزف الفني ، حيث تولت الدولة بعض مشاريعه ، والبعض الاخر كان تجاربا فردية ، لكنها لم تحقق النجاح المرجو ، اذ كانت عبارة عن ارهاصات ، واشبه ما يكون بدقات في المسرح ، ايذانا ً بفتح الستار . ( 11)

  وفي سياق مماثل ، جاء مشروع السيدة هدى شعراوي ، الذي اتسم بالعفوية والسذاجة ، لكنه عد ، لأسباب عديدة ، مؤثرا في تقدم  فن الخزف في مصر .. فقد انطوى مشروعها على رغبة حقيقية في الابداع .. فقد عرفت شعراوي بحبها للفن  وشغفها بالادب عبر صالونها الذي كان ملتقى ثقافيا الى جوار اصحاب النفوذ. كما دعمت ماديا العديد من المواهب ، ومنهم النحات الكبير ( عبد البديع عبد الحي ) الذي ما زال يمد الحركة التشكيلية المصرية بالمزيد من الروائع الفنية . ( 12 )      

      يعد مصنع ( الهدى ) الذي تاسس عام ( 1927 ) ،  نموذجا للمحاولات الفردية الجادة على الصعيد الفني .. وكان الحري ان يسمى ( مصنع الهدى ) بـ ( مرسم الهدى ) اذ كل ما كان يجري هو عمليات الرسم على الاواني الفخارية الجاهزة وبالوان زيتية . وقد نشأت هذه الفكرة حين التقت الشعراوي بمدرس الزخرفة الاسلامية – الفرنسي الاصل – والذي كان يعمل في مدرسة الفنون الجميلة ، اذ كان المدرس يهوى الزخرفة العربية مما صادف قبولا عندها ، فحصل الاتفاق على ان تشيد المصنع وتزوده باواني فخارية جاهزة من صنع ( مارانجاكس ) الذي كان مجاورا لمصنعها ، ثم يتولى هو  وبعض المساعدين رسم الزخارف العربية الجميلة وبالالوان الزيتية ، وهذه العملية هي أبعد ماتكون عن فن الخزف . ( 13 )  ان حماسة السيدة شعراوي لفن الخزف جعلها ترسل الفنان ( محمود صابر )  ( 14 ) الذي كان يرسم الزخارف العربية بالالوان الزجاجية على الاواني الفخارية في مصنع ( سيفر ) في فرنسا ، ولكن دون ان يتلقى تدريبا على عمليات إنتاج الخزف ، مكتفيا ، بعد عودته الى مصر ، على تشييد الافران لأحراق الاواني المزخرفة بالوحدات العربية . ( 15 ) وفي العام (1928 ) كان الفنان سعيد الصدر  قد انهى سنواته الدراسية الاربع بمدرسة الفنون والزخارف بالحمزاوي ، وقد كان ترتيبه الاول من بين اقرانه التسعة ، والذي سيلقب فيما بعد ب ( ابو الخزف في مصر ) .. كان الصدر ، منذ صباه ، يهتم بكسر الفخاريات والخزف ،فيجمعها من بين الاطلال  متأملا الوانها ووحداتها الزخرفية وخاصة في بقايا الخزف الفاطمي والمملوكي في ( قايتاي ) ، فقد كان يشعر بسحر وغموض يكمن في هذه الشظايا ، مما اسهم في شحذ حساسيته اللونية والزخرفية ، في الوقت الذي كانت تصقله فيه الحان سيد درويش ، وزكريا احمد ، ومشاهد الاحتفالات الشعبية والدينية في الازهر و ( سيدنا الحسين ) . وهي من بين العوامل التي اثرت في شخصيته ورؤيته الابداعية بطابعها القومي والعالمي . (16 )  لقد كان لمدرستا الفنون الجميلة والفنون والزخارف اللتان انشئتا في اوائل الثلاثينيات من القرن العشرين بالقاهرة المصدر الاساسي في ايجاد دارسين للفن ،والذي سمح للحكومة بارسال بعض الطلبة المتفوقين الى باريس وروما ولندن للدراسة على نفقتها وذلك للعمل ، عند عودتهم الى جانب اساتذتهم الاجانب من المدرسين ، وقد كان من بينهم الخزاف الصدر . (17 )  كان ناظر مدرسته ( جون اوني ) الانكليزي الجنسية ، يطمح لوجود اقسام متخصصة لفن الخزف ، الامر الذي حول اعجابه بالصدر الى حافز لترشيحه ببعثة الى لندن .. حيث حصلت البعثة . وفي لندن تتلمذ على يد ( برناردليتش ) الذي اعتبره الصدر الاب الروحي له  ، حيث تنازل هذا الاخير عن المبالغ التي يستحقها مقابل المحاضرات التي كان يعطيها للصدر .  وكان ( ليتش ) يرى في الصدر انموذجا للجد والنشاط والعبقرية الفنية . ( 18 )  ان دراسة الصدر في اوربا كان لها الفضل الاكبرفي تطعيم الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة باساليب ونظم وقواعد قائمة على تيار الحداثة في اوربا ، والذي يواكب المنحى التجريبي وخوض غمار البحث في نظم واصول وقواعد الجمال والاثار الفنية الفرعونية والقبطية والرومانية والاسلامية ، فكان بحثه ينسجم مع تيار عام لا يذهب مذهب تقليد الفنون الموروثة والفنون الشعبية ، وكانت ندواتهم مسموعة بقدر كبير .. ومن هنا فان الابداعات التشكيلية المصرية  لازمتها غالبا ذاتية المبدع وهويته في خطواته نحو تيارات فنية عالمية ، الامر الذي دفع بظهور الجماعات الفنية التي عملت على شرح ونشر وكتابة ومناقشة آرائها ومفاهيمها الجمالية والتشكيلية والاجتماعية جماهيريا في معارضها المستمرة . ولا نغفل ، هنا ، ان الصدر اتصل بالشعراوي حين عاد من لندن عام ( 1931 ) عارضا عليها مساعدته للنهوض بوضع المعمل الذي  تعثرت اعماله ، فكانت اجابتها ان يعمل على ادارته كما يشاء ، الا ان رفضه كان قاطعا لهذه الصيغة من التعامل . وفي العام ( 1935 ) شاءت المصادفات ان يكون الصدر احد اعضاء لجنة شكلت لهدم مصنع (الشعراوي )  المغلق لعدم صلاحيته للتشغيل .      

وهكذا كانت المحاولات الثلاث الرئيسية التي سبقت ظهور الصدر ، وكأنها دقات تلاث ايذانا بازاحة الستار عن ساحر الاواني :

- محاولة وليم دي مورجان

-محاولة سينور سورناجان

-محاولة هدى شعراوي التي انتهت سنة 1930 ليبدأ الصدر دوره عام 1931 .

ان اعمال الصدر ، في المقارنة مع التجارب السابقة، ومنها الخزف الفاطمي(969 – 1171) بما فيه من خشونة وغلظة ،تظهر اضافاته الفنية على صعيد الموروث، كما انه  لم يقم بمحاكاة او استنساخ الخزف الاوربي ، اذ لم يكتف بالانبهار ، ولم يخطر بباله ان الخزف الاوربي اكثر تقدما من الخزف التقايدي ، كنتيجة للتفوق التكنولوجي للبلاد الاوربية كما يحدث عادة للفنانين حيث تبهرهم تقنيات الشعوب المتقدمة . (19 )

     واستمرت المحاولات في انشاء المصانع لانتاج الخزف الصناعي ، ففي عام ( 1939 ) اقام ( كانيلاتوس ) مصنعا لانتاج الطوب الحراري والمواسير الفخارية والمعالجة بطلاء ملحي لاغراض صناعية ، كما انشيء مصنع ( سيجوارت ) لانتاج المواسير وبعض البلاطات القاشانية لتجميل الواجهات المعمارية . وقد ادخلوا خلطاتهم الطينية الاسطوانية المحلية ، مع الطينة الاسوانية ، الى جانب الطلاءات الرصاصية .

     وكان للحرب العالمية الثانية اثرها في الحياة العامة ، كما اثرت في المسارات الفنية والثقافية ، ومنها فن الخزف ، حيث اثرت على الوضع العلمي انذاك -  اذ اوقفت البعثات في اوخر الثلاثينيات وحتى نهاية الحرب . فضلا عن توقف النشاط الفني والانشغال بظروف الحرب .

     وما ان وضعت الحرب اوزارها حتى بدأ الدولة ببعثاتها الفنية ، الى اوربا ، للتعرف على واقع الفن وحداثاته السائدة ، فضلا عن اكساب الخبرات العلمية والتقنية التي تواكب روح العصر . وكان من بين المبعوثين الفنان عبد الغني النبوي الشال الذي اوفد عام ( 1945 ) الى انجلترا . ( 20) لقد اسهمت الحرب في شحذ العقول المصرية ، اذ ان ظروف الحرب ادى الى انقطاع استيراد الخزف مما وجه التفكير الى البيئة المحلية ، حيث تم اكتشاف طينة ( سيناء البيضاء ) لتكون مثار ابحاث علمية في المركز القومي للبحوث ،والتي اثبتت انها صالحة للانتاج ، وكان ذلك منذ عام ( 1948 ) حيث اكدت البحوث صلاحية الخامات المصرية لانتاج الخزف الراقي والحراريات . ( 21 )

     تبع ذلك انشاء الشركة العامة لمنتجات الخزف ، مثل انتاج الادوات المنزلية والعوازل الكهربائية ، فضلا عن محاولات انتاج الخزف الصيني عام ( 1957 ) .

     وفي هذا الاطار ، يقول الكتور باسل فاضل (( لقد لقي  فن الخزف الكثير من الاهتمام من قبل الحكومة المصرية وولاة الامور ، اذ  ادخل كمنهج في مراحل التعليم المختلفة ، كما زاد الاهتمام بالبحوث الاكاديمية والحصول على درجة الماجستير والدكتوراه فيه وخاصة في العشرين عاما الماضية )) ( 22 )

     ولن ننسى ان نذكر جهودا خاصة في تاريخ الخزف بمصر منذ منتصف القرن العشرين .  فقد قام حسن حشمة مصنعا للخزف اثناء الحرب العالمية الثانية ، اذ لم تمنعه ظروف الحرب عن اسهاماته الجادة والفاعلة في تطوير مسيرة هذا الفن .. خاصة اثر الانظمة التقنية ودخول التكنولوجيا والمهارات التكنيكية في الاشكال الاستخدامية وعلاماتها الجمالية والفنية بما لا ينفصل عن التحديث العام في الذائقة الاجتماعية . فالخزف لم يعد محض سلعة ، بل صار علامة تقارن بالفنون المستوردة ، الى جانب اثر المظاهر الفية الجديدة للتحديث العام في مصر . 

  كما كانت هناك العديد من التجارب ، كتجربة الفنان ( احمد شعير ) في بناء مصنعه في مصر القديمة والذي توقف عن العمل بعد وفاته .. كذلك اقام ( فتحي محمود ) مصنعه الذي مازال مستمرا ً بالانتاج الى يومنا هذا وقد عهد بادارته الى زوجته ، وكذلك مصنع ( الفولي ) في مصر القديمة .

       لقد كانت مساهمة الخزافين المصريين في المعارض والمحافل الفنية بمختلف دول العالم اشارة بوحدة منابع الفنون مع الاعتراف بالخصوصية الذاتية ومكانة الرؤية الخلاقة للذات المبدعة . فقد كانت مشاركات الخزاف المصري ( منير مصري ) يتوازن مع القيم الانسانية والمعايير الجمالية التشكيلية لفنون القرن العشرين ، وكبداية لفن جديد يحقق هوية وذاتية المبدع بصورة مكملة لوحدة وعالمية الفن واثر الحديث في الابعاد الفنية والجمالية . وهكذا ستظهر فعاليات عديدة مثل بينالي ( القاهرة) الدولي للفنون التشكيلية .. وبينالي الخزف الدولي ، وبينالي الكرافيك الدولي ، مما ساعد على اشتراك بلدان العالم في هذه المعارض ، ودخولها في حوار الافكار والاساليب والمدارس المعاصرة  ، واثر ذلك في إ ثراء التجربة التقنية والفنية المصرية المعاصرة . كما كان لأنشاء المتاحف الخاصة بالفنون  التشكيلية التي فتحت ابوابها بالمجان اثره في التطور الابداعي ..ومنها على سبيل المثال : متحف الفن الحديث ، متحف محمود خليل ، متحف الخزف ، متحف النوبة ، ومتحف 6 اكتوبر ، مع العديد من المتاحف في المحافظات . كما ظهرت بعض المتاحف الخاصة بخزافيين معاصرين ، ومتخصصة بعرض الاعمال الخزفية وبعض المقتنيات الخاصة بالرواد في مصر . وابرز هذه المتاحف هو متحف الخزاف المرحوم  د . نبيل درويش .( 23 )

      لقد كان درويش احد تلامذة الخزاف سعيد الصدر ، الذي رعاه واولاه عناية خاصة . ولان الخزاف درويش ادرك بما يمتلك من موهبة واخلاص ، ان الخزف شديد الارتباط بفن النحت والتصير ، فقد ادى ذلك الى  التحاقه ، وفي اوقات فراغه ، بالقسم الحر بكلية الفنون الجميلة ، حيث

كان طالبا انذاك ، كما ان دروسه في فن التصوير التي تلقاها على يد الاستاذ ( احمد زكي ) ودروس النحت التي تلقاها  ايضا على يد الفنان ( جمال السجيني ) افادته كثيرا في تطوير مهاراته الفنية في فن الخزف وجعلت منه نحاتا بارعا .

     وقد قالت عنه الكاتبة ( روضة سليم ) - : (( ان اعماله تشدك حتى تصل اليها وتقف امامها فتجد لزاما عليك ان تمعن النظر قيها . لقد برع هذا الفنان في مجال النحت الخزفي مستقيا ً اشكاله من الفنون الشعبية ومفرداتها البسيطة ، وحازت مجموعته الفنية المتمثلة بمجموعة العرائس الفخارية المعلقة على اعجاب مشاهديها وخاصة في مرحلة السبعينيات))                                          

     وعلى الرغم من الاثر الكبير الذي تركه استاذه عليه ، على صعيد افكاره الفنية ، الا انه اتجه الى الطبيعة واعتبرها معلمه الاول . فقد ادرك ان الجمال هو تعبير عن نشاط خفي ينمو ويتطور وفقا لنظام ، والنظام يتضمن معاني التوافق والتماثل والتجدد والتوازن في العلاقات والانسجام في النسب .

     لقد كان لهذا الفنان الكثير من البحوث في مجال الاطيان ، اذ اكتشف في (الكويت ) (24)  اطيان ذات طبيعة رملية وصالحة للابداع الخزفي المحلي ، وكانت دعوته للفنانين الكويتيين في استخدام الطينة الكويتية المحلية ، كلما كانت زيارته الى كل من ( ايران والعراق وتركيا وسوريا ولبنان ) سعيا  وراء منابع فن الخزف الاسلامي والعربي الذي هو على حد قول الناقد ( مختار العطار ) - : الاصل الحقيقي للتجديدات التي نشاهدها الان في اوربا .           

     ولأن الخزاف درويش يدرك ان الخزف يجب ان يحقق القيم التشكيلية لعمله عن طريق معاناة الخلق الفني وعبر فيزياء الخزف وكيمياء معادلاته وتكنولوجيته ، وطريقة الحرق والتحكم بالحرارة ، فان الخزاف يجب ان يتمتع بالخبرة التي تستغرق وقتا طويلا ، فكان نتاج درويش وخاصة في مجال ( الاختزال والتطعيم ) دليل واضح على ما تقدم . لقد توصل الفنان وعبر ثلاثين عاما من العمل المتواصل في مجال الخزف ، الى ما لم يتوصل اليه خزاف آخر ، تقنية ( الفوهة السوداء ) التي كانت مستخدمة في اواني ما قبل الاسرات . وقد كان لهذه التقنية النصيب الاوفر في دراسته العليا ( الدكتوراه ) فقد فض اللثام عن الطريقة التي إتبعها قدماء المصريين في صنع فوهاة سوداء لانيتهم ، ويعد ذلك كشفا علميا مزدوجا ، على مستوى الاثار والخزف .

     وقد استمر الخزاف بتجاربه الفنية المميزة حتى انك لترى انجازات فنية من خزفياته جمع فيها ما بين تقنيتي التطعيم والتدخين في آن واحد .

     لقد كانت اعماله تضاهي اعمال ( هامادا) ، بل ان الاخير عجز عن تحقيق ذلك الاحساس بالالوان المائية على الطلاء او ( ---  الاسود ) المعروف (بالبلاك ميرور ) ، وحيث فشل ( هامادا ) نجح درويش ، فقد تمكن  درويش من توظيف اللون الاسود على خزفياته دون تاثير واضح على الالوان الشفافة المحاذية له .

    والفنان درويش يرفض امرين ، اولهما ما يسمى ( بالشكل الحر ) والاخر ما يسمى ( بالصدفة ) . كما يرى ان كلا من هذين الامرين يتنافى ومفهوم الابتكار في فن الخزف ذلك لانه يجد ان فن الخزف كباقي الغنون الابداعية ، اذا ما انحسر عنها الانسان ، انتفت عنها صفة الانسانية ، ومن ثم ما عادت فنا ً .

     وفي هذا السياق ثمة شهادة دونها استاذه الصدر جاء فيها - : (  انني اراه بدون اي تردد أو تأرجح في الرأي أو مجاملة لشخصه ، فدرويش عاش ويعيش في تعبد كامل لفنه الذي اختاره لنفسه وان الدم الذي يجري في عروقه يتميز بالصفاء الكامل المتزن بكل ماهياته الطبيعة من علوم الجمال وفنونه وما لها من اعمال لها اصالتها النابعة من الاعمال البعيدة ، ومن التقاليد التي  يعيشها انسان وادي النيل ) ( 25 )

     وتأتي  تجربة ( حسن حشمت ) في سلسلة التجارب الخزفية المصرية المعاصرة ، اذ  استطاع ان يحول خامة الخزف من مجرد آنية الى النحت التجاري أو النحت الخزفي كمنتج صناعي ، او البورسلين ، مما اسهم في مساعدة الطبقة الوسطى لأقتناء اعماله لقلة كلفتها . ( 26 ) 

     وللدكتور الخزاف الباحث عبد الغني النبوي الشال شأن كبير في تطوير فن الخزف المصري المعاصر ، اذ ان كتاباته الفنية ، في مجال الخزف ، وعمله في تدريس هذه المادة في كلية الفنون التطبيقية ، حيث كان لدوره التربوي والفني الاثر في طلابه واساليبهم الابداعية .

     اما ( عبد الكريم ) النحات والخزاف والمصمم الاعلامي ، فقد اضاف الى تجربته في فن النحت الخزفي قيما جديدة في استخدام المادة  المتنوعة والمختلفة ، والتي اسهمت ببصيرته النافذة على ابتكار رؤية حديثة في الخزف عبر التنويع والسطوح والكتل والحجوم  وحركتها على مساحة العمل الفني في اطار المعمار الاساسي للتقنيات التركيبية ، وصلابة مفرداتها البنائية .. ومع كل التنويع ( في التركيبة ) فان هنالك اندماج بين عناصر عمله الفني ، وخصائصه المضمونية ، على الرغم من المظهر التجريدي للوحدات التي تصدم العين غير المدربة على مثل هذه الاشكال .  

     والخزاف ( سيدعبد الرسول ) فقد اعتمد الطابع الشرقي المميز في انتاجه وخاصة في خزفه ذو البريق المعدني ، في منحوتاته الخزفية ، اذ  تبدو  الحساسية والدقة من ناحية الصياغة وبناء الوحدات الشكلية منسجمة ورؤيته الجمالية من ناحية ثانية .. كما  تجمع تجربته بين استعارات الفن المصري القديم وبين المنمنمات والرسوم الشعبية على الجدران .. وقد قاده البحث في اللون بالدرجة الاولى الى ادراك عميق بالبيئة وبمكوناتها . ( 27 )

     والفنان الخزاف ( حسن عثمان ) اعتمد ، في تجاربه ، الاتجاه الموضوعي : التجهيز في فراغ معد ، حيث استخدم الخامات من خلال الوسيط الخزفي جامعا النحاس والخزف ، وبين المسطح والمجسم في عمل تعبيري  متكامل لخلق جو عام زاخر بالاحاسيس والرؤى والافكار الذاتية . كما استخدم مجموعة من العناصر المختلفة في التشكيل تجمع بين الاشكال الهندسية والعضوية  ، وعبرمجموعة من التقنيات المتمثلة في عملية التشكيل والصياغة وطريقة توزيع العناصر ، وطرق تطبيق الطلاء الزجاجي باسلوب تعبيري بما يحقق فكرة العمل الفني . ( 28 )

     وفي مجال تنوع الانظمة واثرها على الاشكال والعلامات نجد الخزاف (محمد طه حسين ) يستلهم الاشكال والرموز الشعبية للاواني بعد معالجتها بالتقنيات الحديثة ، معبرا عن شخصيته وانجذابه لعراقة الموروث الشبي وعلاقته بالانسان والارض . فقد قام الفنان بأخذ مجموعة من الاشكال الشعبية وتركيبها ومعالجة سطحها بالملامس والالوان لكي يوضح فكرة العمل التعبيري بما تنسجمد مع اسليب الحداثة .

       والفنان ( محمد الشعراوي ) ، في اسلوبه التركيبي والتجميعي ، يستمد رؤيته من اثر البيئة العربية في الصياغات الخزفية ، كاستلهام البيوت الشعبية ببساطتها  ، وبدلالاتها الرمزية . كما راح يحورها الى حروف عربية مجسمة في هيئة تكوين يجمع بين البساطة والتعقيد ، مستخدما عناصر الخط والفراغ الداخلي والخارجي والملمس كأساس لبناء تشكيلة تفصح عن رؤية الفنان والجمالية .( 29 )

     وللفنانة ( مرفت السويفي ) صلة بالاسلوب الموضوعي ومعالجة الاشكال داخل الفراغات ، معتمدة اسلوب التوليف ليساعدها على تحقيق رؤيتها التعبيرية التي جسدت فيها عن نهاية القرن العشرين ، فاستخدمت الاسياخ الحديدية والاشكال الخزفية من خلال عناصر مختلفة تجمع بين الشكل العضوي والشكل التجريدي معبرة فيها عن مآسي هذا القرن . (30)

     ان الاشارات التاريخية لتطور فن الخزف في مصر ، كما في غالبية الاقطار العربية ، مرت بمراحل  استندت الى مجموعة التطورات والانتقالات أدت الى ظهور بواكير التحديث وصولا  الى تجارب لها بناها  التقنية والفنية على صعيد علاقات الاشكال بالانظمة الابداعية . فاذا كان الاحتكاك المباشر ، مع اوربا ، يؤشر خصائص المرحلة الاولى .. فان تأسيس المشاغل ، والمحترفات ، واهتمام الدولة بالمعاهد الفنية ، له اثره في ظهور اسماء وتجارب اشتغلت بانظمة مغايرة للفنون التقليدية . تبعها ارسال بعثات لدراسة الخزف في مختلف بلدان اوربا ، والعودة بخبرات وافكار اسهمت بخلق قاعدة جديدة عملت على اجراء مداخلات ومحاورات بين الموروث المصري القديم والوسيط والتراث الشعبي مع انظمة الحداثة السائدة في اوربا .. وقد عكست المهرجانات الدولية والقومية والقطرية عبر التجريب والتنوع والغزارة في المنجز الفني والصناعي ، عن تعددية في انظمة التقنيات والاساليب الفنية والابعاد الجمالية. فهذا التنوع ادى الى ظهور مهارات فردية استثمرت خبرتها بابداع اشال تتوازن فيها المرجعيات والاضافات المعاصرة . فمن الصعب دراسة المشهد الخزفي العام خارج دراسة التجارب الفردية ، التي رسمنا سياقها عبر التحولات الاجتماعية ومجمل المتغيرات الثقافية والاجتماعية . فتاريخ الخزف المصري واصل تأثيراته ، كنظام يمتلك علاماته المتوازنة وخزينه المعرفي ، الى جوار الاساليب المعاصرة ، في بلورة مساحة متشعبة من الريادات والمغامرات الفنية ، وصولا الى بلورة الاساليب الاكثر تقدما على صعيد التقنيات والمعالجات المعاصرة .

 

 

 

 

المصادر

 

1.     توماس مونرو ( التطور في الفنون ) ترجمة : لجنة من الأساتذة الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر . 1971 \ ج1 ص426 .

2.     محمد محمد محمود (( الأتجاهات الفنية الحديثة وأثرها في تحديث المفهوم الخزفي لدى طلاب كلية التربية الفنية جامعة حلوان – رسالة دكتوراه – 1999ص13 .

3.     كمال الملاح – رشيد أسكندر ( 50 سنة من الفن ) دار المعارف بمصر \ 1962 ص 150 وما بعدها .

4.     نوماس مونرو – مصدر سابق ص406 وما بعدها .

5.     محمد محمد محمود \ مصدر سابق \ ص115 .

6.     ساحر الأواني \ الفنان سعيد الصدر \ مختار العطار \ 1979 \ القاهرة \ مطابع روز اليوسف ص27 .

7.     فن الخزف / أ. د عبد الغني الشال / جامعة حلوان – 1988 ص 27

8.     . سعيد الصدر / مصدر سابق – ص 29

9.     مركز انشاء  مصنع الودي بمنطقة الجيزة / اظر : الصدر – مصدر سابق ص 30

10.                        سعيد الصدر / مصدر سابق ص 30

11.                        د. عبد الغني الشال / مصدر سابق ص 28

12.                        اختارت الشعراوي مكانا لمصنعها في منطقة ( روظ الفرج ) على النيل بجوار المسارج التي كان يغص بها الشاطيء .. وايضا بجوار مصنع ( ما را نجاكس ) اليوناني _ انظر عبد الغني الشال – مصدر سابق ص 29 وكذلك سعيد حامد – ساحر الاواني ص 45

13.                        ساحر الاواني / الفنان سعيد الصدر – مختار العطار ص 32 د. ت

14.                        احد الرسامين الذين ارسلتهم السيدة الشعراوي على نفقتها الخاصة الى ( سيفر ) في فرنسا . انظر د. عبد الغني الشال – مصدر سابق ص 31

  وتوقف هذا الفنان عن العمل سنة 1930 بعد ان دار حديث عن استغلال العاملين في المصنع للخامات والاجهزة لأنتاج وتسويق السلع الخاصة بهم ، فدب الخلاف ورفض الاستمرار في العمل – انظر : الصدر ساحر الاواني ص 35 مصدر سابق

15.                        سعيد الصدر – مصدر سابق ص 52

16.                        من هولاء الرواد : المثال محمود مختار والمصور احمد صبري ، وكذلك الفنان راغب عياد واحمد يوسف . انظر : دليل بينالي بيروت ص 22. ودليل معرض بينالي بيروت للفنون التشكيلية ، المعرض الفني التشكيلي الحديث – قصر الاونيسكو – بيروت 1999 ص 4

17.                        الصدر – مصدر سابق ص 82

18.                        الصدر – مصدر سابق ص 52

19.                        فن الفخار / د. عبد الغني النبوي الشال – مصدر سابق ص 32

20.                        عبد الغني النبوي الشال – مصدر سابق ص 80

21.                        مقابلة مع د. باسم فاضل ( مهرجان بينالي بغداد – فندق ميردان 2002

22.                        متحف نبيل درويش / موقع على الانترنيت .

 

24 – اعير هذا الفنان منذ عام 1973 – 1976 للعمل في الكويت كمدرس لمادة التربية الفنية – مقابلة مع زوجة الفنان في متحف نبيل درويش 2003

25 . جريدة عن د. نبيل درويش

26 . دليل المقتنيات الفنية للبنك العربي – مطابع الاهرام – مصر – اول مارس 2000 ص 60

27. الفن التشكيلي المعاصر في الوطن العربي / شوكت الربيعي / دار الشؤون الثقافية – بغداد 1986 ص 28 - 29

 28 . محمد محمد محمود / مصدر سابق  ص 104 

29 . المصدر نفسه 106

30. المصدر نفسه ص 107

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ