فعل الثقافة في تطوير قوى الإنتاج وتقدم المجتمع حضارياً
وليد خالد أحمد حسن
لم يشهد العراق منذ القرن العشرين مثيلاً لما يشهده حالياً من تدهور شوّه كل ماكان يعزه في تاريخه الحديث والمعاصر من قيم مادية وروحية . وهو تدهور لايمكن عزله عن التدهور الشامل الذي أصاب المجتمع العراقي بأسره منذ بداية عقد السبعينات من القرن العشرين . ومع ذلك ، وفي العلاقة المتبادلة بين المجتمع من جانب والثقافة أو الحضارة من جانب آخر ، فإنه ينبغي التركيز هنا على الدور الخلاّق للثقافة في مجرى التطور العام للمجتمع.
إن الأزمة الثقافية الماثلة حالياً ، لا تعدو أن تكون جزءاً من الأزمة الاجتماعية الشاملة . وتتمثل هذه الأزمة الاجتماعية في حقيقة الأمر في عجز المجتمع العراقي في السنوات الأخيرة عن تطوير قواه الإنتاجية نتيجة لتدهور علاقاته الإنتاجية خاصة وعلاقاته الاجتماعية عامة بفعل إقدام حكومة حزب البعث إلى بيع أغلب مؤسسات القطاع العام إلى القطاع الخاص (الطفيلي) ، مما ولدَّ حالة أثرت بمجملها على البُنى الاجتماعية ، مما حدى بأفراد هذه البُنى التطلع بأمل كبير إلى الثقافة وإلى المثقفين ، حتى يمارسوا دورهم الطبيعي في التبشير بكسر حالة الجمود والسكوت في المجتمع وتطوره حضارياً.
- 1 -
بداية ينبغي أن نبدأ بالتمييز بين مفهومي الحضارة والثقافة . ولقد ظهر مفهوم الحضارة لأول مرة في القرن الثامن عشر ليشير إلى مرحلة معينة في مسيرة البشرية بوصفها مرحلة مضادة للمراحل السابقة عليها من الوحشية والبربرية . وبالتالي فلقد بدأت الحضارة فعلاً بظهور المجتمعات الطبقية . وفي مطلع القرن العشرين اكتسب المفهوم معنى جديداً بالإشارة إلى الحضارات المحلية . كما تأكد بعد ذلك أن هناك مراحل متميزة في تطور الحضارة نفسها ، وأن لها جميعاً نطاقاً عالمياً أو شبه عالمي.
أما الثقافة ، فإنه ينبغي التمييز فيها بين مفهومين أحدهما ضيق والآخر واسع . أما المعنى الضيق فهو مجموع القيم الروحية في مجتمع معين . وأما المعنى الواسع فهو مجموع أساليب النشاط البشري ونتائجه ، وتضم بالتالي كلاً من القيم المادية والقيم الروحية في المجتمع.
والحقيقة أن الإنسان واقعياً وموضوعياً كائن شامل . هو كائن مادي وروحي متكامل وهو بنشاطه العلمي المتنوع ينتج كلاً من الإنتاج المادي والإنتاج الروحي للحياة . وهذان الإنتاجان لاينفصلان في الإنسان بل يشكلان وحدته المتميزة في هذا الكون.
فالإنسان ، استناداً إلى قدر من المعرفة ، يطور قواه المنتجة ويصبح صانع أدوات ، فالإنسان استناداً إلى قدر من تطوير قواه الإنتاجية ، يطور الطبيعة البدائية أو الوحشية من حوله . ويخلق من ثم لنفسه طبيعة أخرى اصطناعية أو طبيعية متحضرة ، هي في النهاية ثمرة العمل الإنساني والمعرفة الإنسانية . هي ثمرة الثقافة المتراكمة . حتى لتصبح الثقافة بذلك هي المعرفة العامة التي يتصدى بها الإنسان لتطوير قواه المنتجة وتطوير علاقاته الاجتماعية والإنتاجية أيضاً . بل وتطوير وعيه بنفسه ، ومن ثم تصبح الثقافة زاده وعدته لتطوير الطبيعة والمجتمع والإنسان.
والإنسان هو واقعياً وموضوعياً كائن سياسي . ليس الإنسان كائناً اجتماعياً فقط ، أي إنه لايعيش إلاّ في مجتمع فقط ، وإنما هو كائن لايستطيع أن يتعرف على ذاته إلاّ في محيطه البشري . ومن هنا ، فهو كائن صانع أدوات ، وهو كائن واعٍ . وتتأكد بذلك طبيعة الثقافة بوصفها الوعي الاجتماعي العام . فالثقافة دائماً ظاهرة اجتماعية ، وهي بمعناها الواسع تمثل مجموع القيم المادية والروحية التي يعزها الإنسان . ومحتوى هذه القيم من عصر إلى عصر هو الذي يشير إلى المستوى الثقافي للمجتمع المعين.
وبوصفها مجموع القيم المادية والروحية للمجتمع فإنها تطوى جناحيها على أمرين:-
الأول – هو هذه القيم ذاتها ، أي مجموع المعرفة العلمية والمفاهيم والأعمال الأدبية والفنية والقانونية ومبادئ الأخلاق واللغة . أما الثاني – فهو مجموع وسائل خلق تلك القيم واستيعابها ونقلها ونشرها.
- 2 -
إن القدرة على التفكير هي الخاصية المميزة للإنسان . فمن خلال الإنتاج المادي للحياة ، وبالتعامل مع كل من الطبيعة والمجتمع ، وبالتفاعل مع البشر وفيما بينهم ، ومن خلال انعكاس كل من الطبقة (الانحدار الطبقي) والمجتمع على الإنسان ، تظهر الأفكار . وتتشكل في أذهان الناس قيم . هي علاقات بين البشر ، وهي علاقات واعية.
فالناس فيها على بينة من أنهم يؤثرون بعضهم على بعض من خلال السلوك المتبادل فيما بينهم . ومع أن الناس لايكونون على وعي بالعلاقات الاقتصادية فيما بينهم ، فإنهم على العكس على وعي بعلاقاتهم الاجتماعية عادة ، ومن ثم تتشكل في أذهانهم أفكار معينة وهم بواسطتها يصبحون أكثر وعياً بهذه العلاقات الاجتماعية نفسها.
إن العقل ، هو أرقى مالدى الإنسان من أجهزة . والتفكير ، هو أرقى مايقوم به من نشاط . وبهذا التفكير فإنه يحاول أن يحول ويغير ويحسن البيئة التي تحيط به مستخدماً قوته الأساسية وهي العمل . ومن خلال العمل المشترك تولدت اللغة . وتحول الإنسان إلى هذا الكائن الذي نعرفه . ولذلك ، فإنه إذا كان قد قيل بأن الإنسان كائن اجتماعي وأنه كائن صانع أدوات ، فإنه في الحقيقة كائن مفكر ، كائن سياسي.
والتفكير هو معرفة جوهر الأشياء . ويدل تاريخ التفكير الاجتماعي للشعوب على أن أصل الأفكار مرتبط أوثق الارتباط بتطور الحياة المادية للمجتمع . ومن ثم تمارس هذه الأفكار تأثيرها الضروري على مجرى التطور الاجتماعي ، ومع أن الإنتاج المادي بما ينطوي عليه من قوى وعلاقات هو أساس ومصدر الثقافة بقيمها المادية والروحية ، فإن الثقافة لاتتبع بطريقة تلقائية مايقع من تغيرات في الحياة المادية للمجتمع ، وإنما تتميز الثقافة باستقلالها النسبي عن أساسها المادي ، بل وباتصال تطورها بثقافات المجتمعات والشعوب الأخرى من حيث الزمان والمكان.
إن استقلال الثقافة نسبياً عن أساسها فمعناه أن الثقافة جزء من البناء القومي للمجتمع ، هذا البناء الذي يتميز بتعقد تكوينه وتعدد مستوياته وتباين العلاقات بين أجزائه من جانب والأساس الذي يقوم عليه من جانب آخر. ومن هنا ، فإن البناء الفوقي لايعكس آلياً ولامباشرة ولافوراً أوضاع الأساس المادي للمجتمع ، وبخاصة أوضاع العلاقات الإنتاجية بين طبقاته . وبالتالي فإنه ليس انعكاساً شفافاً لعلاقات الإنتاج . فإلى جانب حقيقة أن كل جزء من أجزاء البناء الفوقي يتميز بمضمونه الخاص الفريد ، فإنه يتميز أيضاً باستقلاله النسبي عن علاقات الإنتاج.
إن قوى عديدة موضوعية وذاتية تحول دون التطابق الحرفي بينهما . فعلاقات الإنتاج أو الأساس المادي للمجتمع أو البناء التحتي في المجتمع المتناقض طبقياً هي في الواقع علاقات متناقضة أصلاً تعبر عن تناقض المصالح بين الطبقات . ولذلك فإن البناء الفوقي الذي يعكسها متناقض هو الآخر.
والطبقة التي تمثل القوة المادية السائدة في المجتمع هي نفسها وفي نفس الوقت القوة الروحية السائدة . ومع ذلك فهي لاتنفرد بالساحة الاجتماعية . وإنما هناك قوى في مواجهتها تعارضها وتقاومها . ومن هنا تتعدد إبداعات الثقافة . بل وتتصارع فيما بينها . وإذ أن بعض عناصر البناء الفوقي تبقى قائمة حتى بعد القضاء على البناء التحتي الذي أنجبها ، إما بحكم قوة العادة والتقاليد وإما بحكم صلاحيتها لخدمة المجتمع الجديد ، فإن عناصر من الثقافة تستمر في الوجود بعد زوال المجتمع الذي تولدت عنه . ففي البناء الفوقي لأي مجتمع عناصر غير عابرة ذات أهمية للبشرية جمعاء ، كالمبادئ الأخلاقية وأفضل الأعمال الفكرية والأدبية والفنية.
وإذا كان صحيحاً أن دور البناء الفوقي بأسره إنما يتحدد بطبيعة الدولة والطبقات التي تسيطر عليها ، فإن الثقافة تصبح بذلك أداة من أهم أدوات تشكيل وتنظيم النشاط الاجتماعي . وتلك هي وظيفتها الخاصة ، أي فرض وعي الأقلية على الأغلبية خدمة لمصالح الأقلية . إنها وظيفة طبقية ضيقة.
أما وظيفتها العامة فهي توجيه المجتمع نحو الأفضل . ففي كل مجتمع يطلب من الثقافة بصفة عامة أن تشكل وترسخ نظاماً للقيم يساعد على توجيه أفراد المجتمع، نظاماً يعطي الأولوية للقيم الاجتماعية ، للاحتياجات الضرورية اجتماعياً ، وللطرق السليمة اجتماعياً لإشباعها . ونظراً للطابع المتصاعد للأهداف الاجتماعية ، والطابع المتصاعد لطرق تحقيق هذه الأهداف ، فإن الثقافة الاجتماعية هي التي تهدي المجتمع في النهاية لتطوير قواه الإنتاجية .. وبهذا المعنى تصبح للثقافة وظيفة اجتماعية أوسع من وظيفتها الطبقية.
ويفترض ذلك ، أن الثقافة تتطور مثلما يتطور المجتمع . ولذلك يتميز تطور الثقافة بالانتقال من مستوى أدنى إلى مستوى أرقى ، غير أن العملية لاتجري بهذه البساطة . إنها لاتجري بصورة تلقائية ، كما إنها لاتمثل مجرد تراكم في القيم ، وإنما تنطوي على عملية اجتماعية واعية لمواصلة واطراد التحرر الروحي للإنسان من كل القيود الاجتماعية التي تحد من تطوره أو تحط من قدرته على الخلق . فالتقدم الثقافي إنما يعني استخداماً أوسع وانتشاراً أكبر للقيم والمثل العليا ، كما يعني في الوقت نفسه مشاركة أوسع من قبل الجماهير في الخلق الواعي لهذه القيم والمثل العليا.
لقد طورت المجتمعات الطبقة الثقافية على أساس طبقي . وبالتحديد على أساس التخصص ، أي على أساس فصل العمل اليدوي عن العمل العقلي . ومن ثم نشأ احتكار الطبقة السائدة للعمل العقلي . وفي كل عصر كانت الطبقات المالكة تحتكر الثقافة كوسيلة من وسائل تأمين همينتها ، ومن ثم حرصت على حرمان الطبقات العاملة منها ، من إنتاجها ومن استهلاكها على السواء ، لكن ذلك لم يمنع الطبقات العاملة من صنع ثقافتها هي الأخرى.
في كل مجتمع طبقي تتكون الأفكار الاجتماعية لكل طبقة بطريقتها الخاصة . وإذ تصبح أفكار الطبقة السائدة هي الأفكار السائدة ، فإن الطبقة التي تسيطر على وسائل الإنتاج المادي تسيطر بالضرورة على وسائل الإنتاج الثقافي . ونتيجة لذلك تخضع لها بوجه عام أفكار أولئك الذين لايملكون وسائل الإنتاج الثقافي . وفي كل عصر كان المثقفون هم الممثلون لمصالح الطبقات السائدة ، كانوا هم القوة الروحية السائدة في المجتمع ، يعبرون عن الطموحات الاجتماعية والمصالح الأساسية للطبقات السائدة . لكن ذلك لم يمنع أبداً من إفراز الطبقات المستَغَلة والمضطَهَدة لمثقفيها من أبنائها أو المنتمين لها.
في عصر العبودية كان الكهنة والفلاسفة في المقدمة كمثقفين . وفي عصر الإقطاع كان رجال الدين والفلاسفة والأدباء والفنانون والعلماء . وفي ظل الرأسمالية ارتفع شان الثقافة . فلقد مهدت لقيام الرأسمالية ثورة ثقافية عظيمة الشأن أبرزت قيم الحرية والإخاء والمساواة ، وطرحت كل شيء على تحكيم العقل.
وفي المجتمع الجديد الذي تأسس على العمل الحر في المصانع والاقتراع العام في الانتخابات لم يلبث أن أتاح لأول مرة في التاريخ لطبقات مضطهدة ومستغَلة أن تنال حظاً متزايداً من الثقافة السائدة وأن تلعب دوراً متزايداً أيضاً في خلق ثقافتها الخاصة.
هكذا تتحدد مسؤولية المثقفين ، فهم ضمير المجتمع ، وهم بصفة خاصة ضمير طبقاتهم . إنهم يحملون الوعي الاجتماعي إلى هذه الطبقات ، مهمتهم هي التوجيه بدءاً بإعلان الحقيقة وانتهاءاً بالالتزام الاجتماعي إزاء طبقاتهم . فما مدى هذا الالتزام ؟
إن الثقافة الملتزمة اجتماعياً وطبقياً تعني في الواقع مراتب متصاعدة من الالتزام . فهناك أولاً مرتبة الوصف ، ويتم بالإعلان عن الحقيقة الاجتماعية . وهناك ثانياً مرتبة التفسير ، ويتم بالشرح والتحليل وأحياناً التبرير للحقيقة الاجتماعية . وهناك ثالثاً مرتبة التغيير ، ويتم بالتطابق بين جوهر الإبداع الثقافي وحركة المجتمع، وبالتحديد بالتطابق بين وجدان المثقف ووجدان الجماهير.
وهنا يتشابه إبداع المثقف وإبداع المصلح الاجتماعي أو المناضل الثوري . فكل منهم يستمد الإلهام من مجتمعه وشعبه . فمعنى أن تفكر هو أن تعرف ، ومعنى أن تعرف هو أن تفعل ، والفعل هنا هو النضال ، وبالنسبة للمثقف فإن المعمل المجتمع نفسه.
بالطبع يتفاوت المثقفون هنا من حيث نوع الالتزام الاجتماعي ، فالمثقفون المنتمون للطبقات الحاكمة ملتزمون دفاعاً عن مصالحها بالاقتصار على مرتبة الوصف وأحياناً ما يصل التزامهم إلى مرتبة التفسير ، وغالباً ماتتخذ طابع التبرير . وقد يصل التزام مثقفي الطبقات الحاكمة إلى مرتبة التغيير ، لكنه التغيير بالرجوع إلى الوراء . وعندئذ يلجأون عادة إلى أساليب تغييب العقل وتزييف الوعي . أما مثقفو الطبقات المضطهَدة والمستغَلة، فإنهم ملتزمون بالطبع دفاعاً عنها بالذهاب حتى إلى التغيير ، أي الانتقال من الحاضر إلى المستقبل.
ومن المفهوم أن تتجمد ثقافة الطبقات الحاكمة عند حدود الحاضر ، لكن عندما يتوقف مثقفو تلك الطبقات عند هذه الحدود ، فإنهم يتراجعون بالتزامهم الاجتماعي إلى مستوى التبرير . أما عندما يتخطون إلى تغييب العقل وتزييف الوعي فإنهم ينفون أنفسهم كمثقفين.
إن المثقفين على اختلاف طبقاتهم هم ضمير المجتمع . وعندما يفسد ضمير المجتمع فإن أزمة المجتمع تكشف في الوقت نفسه عن أزمة الثقافة وأزمة المثقفين ، عندها لاتعود الثقافة السائدة تكفل للمواطن الفرد رؤية داخلية في أحداث عصره ولاهي تستطيع بالتالي أن تكون هادياً له في تصرفاته.
- 3 -
إن أزمة المجتمع العراقي التي نعيشها منذ السبعينات ، هي أزمة تخلف قواه الإنتاجية في أطار العلاقات الاجتماعية الراهنة ، ومن ثم فهي أزمة العجز الصارخ عن تطوير هذه العلاقات الاجتماعية الجامدة.
المجتمع بأسره يشكو من عجز خبيث عن تطوير قواه الإنتاجية في الزراعة وفي الصناعة ، وهو عجز يتمثل ببساطة في تدهور إنتاج المحاصيل الأساسية والعجز عن توفير الغذاء لعموم العراقيين وتدهور مكانة الزراعة في المجتمع وعدم الرغبة في الاشتغال بها . كما يتمثل العجز أيضاً في بطء تطور الإنتاج الصناعي وركود عشرات الصناعات بسبب المنافسة العربية والأجنبية ، والانصراف عن الاشتغال بالصناعة كنشاط إنتاجي باهظ الكلفة ، فقد تخلت الدولة – ماضياً وراهناً – عن مسؤوليتها في قيادة التنمية الاقتصادية وألقت بالمسؤولية على عاتق رأس المال الخاص ، ومن ثم أطلق العنان للنشاط الطفيلي – التجاري والمالي والخدمي – الذي يولد أعلى الإرباح.
ومن جانب آخر فإن هناك جموداً واضحاً في العلاقات الاجتماعية ، مصحوباً بعملية إعادة تشكيلها على أساس متدهور عن الأساس الرأسمالي العادي . فالرأسمالية تقوم على أسلوب الإنتاج الرأسمالي الذي ينطوي على الاستغلال الرأسمالي للعملين وما يدره من ربح للرأسماليين ، أما المجتمع العراقي فيقوم على أساس المكسب المستباح بلاحدود ويسعى لتحقيق الريع لا الربح.
ولقد جرى هذا التحول منذ نهاية عقد الثمانينات ، غير أنه تفجر تماماً منذ أن سنت حكومة البعث سياسة بيع القطاع العام إلى القطاع الخاص ، فاشتغل المجتمع منذئذ بالأنشطة الطفيلية . ورفض بصفة عامة ممارسة الإنتاج الرأسمالي نفسه ، واشتغل بالخدمات ، وبرع في أعمال الوساطة والسمسرة والتهريب ، وانشغل المجتمع بجني المكاسب السهلة التي لاتعتمد في مصدرها على العمل والكد داخل العراق . لم يعد العمل في الزراعة أو في الصناعة كافيين لتحقيق الكسب الكبير السهل السريع ولالسرعة بناء الثروات ، وإنما أصبح التعامل في الأنشطة الطفيلية وبخاصة بالتجارة الاستيرادية مع العالم الخارجي ، هو المصدر الأول لكل ذلك.
وبسيادة الأنشطة الطفيلية سادت العقلية الطفيلية ، عقلية الوساطة والسمسرة والمضاربة والتهريب والسوق السوداء . وسادت الأنماط الطفيلية في الاستهلاك ترويجاً للواردات أقل ما يقال عنها أنها مخلفات صناعية وصار الانتساب إلى الخارج شرفاً وتشريفاً ، وأصبحت التبعية مطمح جميع أولئك اللامنتمين إلى وطنهم.
سادت هذه السياسة الاقتصادية من أعلى المجتمع . لكنها سرعان ما اقتحمت كافة الطبقات حتى العمال والفلاحين والمثقفين . وأخذت في إعادة تشكيل وصياغة الطبقات على أساس طفيلي .. ومع سرعة انتشار التفاوت الشاهق بين الطبقات مع السرعة المذهلة في تكوين الثروات ، دب التحلل الاجتماعي وشاع أسلوب الارتزاق والتعيش على حساب الغير ، ولاشك أن اختراق النشاط الطفيلي لكافة الطبقات قد حقنها بقيم فاسدة حتى ليصح القول بأنه أفسد وعي المجتمع.
وهنا تكمن أزمة الثقافة العراقية . فمجتمع النشاط الطفيلي ليس بحاجة إلى الثقافة بمعناها العام ، وإن يكن بحاجة إلى ثقافته الطفيلية . إن له قيمه المادية والروحية التي يجندها بالطبع وينشرها بين الناس ، وهي قيم الطفيلية والريعية ، قيم الركود الاجتماعي الآسن ، قيم النهب والسلب الصارخ السافر ، قيم اغتيال كل المقدسات من أجل بناء الثروات.
واستناداً إلى أمية هجائية طاغية ، واستنادا إلى احتكار وسائل الثقافة والإعلام، واستنادا إلى احتكار الدولة – ماضياً وراهناً – لأرزاق الأغلبية الساحقة من المثقفين، واستناداً إلى عجز الطبقات الشعبية عن تقديم ثقافتها البديلة لأسباب شتى تترواح بين المناخ المعادي للديمقراطية والتراخي من جانب مثقفي الشعب . استناداً إلى ذلك كله تمت وتتم عملية إعادة تشكيل وصياغة الثقافة العراقية على أسس النشاط الطفيلي .. وتبدأ هذه العملية بتجريد الشعب العراقي من إنجازاته التاريخية لتفرض عليه قيم التطور الرأسمالي التابع المشوه ، ولتنتهي بتبرير وتبييض صفحة الاستعمار العالمي الجديد.
ومن هنا نستطيع أن نطرح مظاهر أو معالم خطيرة لأزمتنا الثقافية الراهنة التي باتت تشكل نوعاً من الاضمحلال الحضاري.
أولاً- إنتاج ثقافي يتميز في الواقع بالأمية الثقافية . إنه يتميز بالجهل أو التجهيل أو بضحالة الفكر . ويقوم على مسلّمات غير مسلّم بها ، وليس لها من نتيجة سوى الحيلولة دون النظر في الأمور الجوهرية والانصراف إلى الصغائر والتفاهات والثقافات الرخيصة مما يشكل إفلاساً روحيا بالفعل . يضاف إلى ذلك إهدار اللغة العربية تعليما وإعلاماً ، وخلق مصطلحات وتسميات عامية ركيكة ومبتذلة ، وترويج مصطلحات وعبارات أجنبية تشكل مسخاً رديئاً لرصيدنا اللغوي ، مع ربط فئة الشباب باللغات الأجنبية المطلوبة للعمل أو الرائجة حتى في الأغنية.
ثانياً- محاولة إعادة تشكيل المثقفين العراقيين ومن ورائهم المجتمع كله بروح القيم الطفيلية ، مع التنكر لكافة القيم التي سادت حياتنا من قبل . في الوقت نفسه تنمية ونشر عدم المبالاة بالمجتمع وعدم الاشتغال بالسياسة وتنمية ونشر غرائز وقيم فردية مدمرة للمجتمع في محاولة تزييف الواقع بل وتجميده . حتى يمكن القول بأننا أصبحنا أمام معضلة خطيرة هي إعادة تحديد هوية العراق من جديد.
ثالثاً- أزمة البحث في العلوم كافة من إنسانية وعلمية . وبصفة خاصة أزمة البحث في علم الاقتصاد والعلوم السياسية ، في طبيعة الدولة والسلطة في الدولة ، في الطبقات والفئات المختلفة ، في علم الاجتماع . هناك بالطبع دراسات قيمة ورائدة ، ولكنها في النهاية قليلة العدد ، محدودة الانتشار ، فقد تدهورت مكانة الكلمة المكتوبة بالمقارنة بالكلمة المسموعة أو الكلمة المرئية.
رابعاً- تحويل مناهج التعليم لتخريج صناع ومهنيين أو مجرد أفراد متخصصين لايشتغلون بالتفكير . ومن هنا تدهورت مكانة الجامعة على الرغم من شدة الإقبال عليها للحصول على الشهادة ، بل إن دوائر الثقافة المختلفة مشغولة في الواقع بتقديم ونقل ثقافات تصيب الناس بالبله أو العته أو البلادة والعجز عن التفكير .. صحيح أنها تقدم بعض أوليات الثقافة والمعرفة للأميين ، لكنها لاتتصدى لطرح القضايا الجوهرية للتفكير العام . وعلى العكس فإنها تشجع على إهمالها وعدم التصدي لها أصلاً . بل إن المهمة الأساسية لدوائر الثقافة الرسمية هي حمل الناس على عدم التفكير في القضايا الأساسية التي يجب أن يفكروا فيها وفي نفس الوقت حملهم على التفكير في الأمور الثانوية والتافهة التي لاتستأهل التفكير فيها .. ولهذا ، فهي دوائر أمينة على مهمتها التي عهدت بها دولتنا إليها -سابقاً وراهناً- وليست هذه الدوائر على عكس مانظنه أحياناً بالدوائر القاصرة أو المقصرة ، إنها تؤدي مهمتها في منع الناس من التفكير ، فمجتمع النشاط الطفيلي ليس بحاجة إلى الثقافة لكي يبقى أو هو بالدقة بحاجة إلى ثقافة من نوعه يتولى إنتاجها ونشرها بنجاح.
علينا هنا أن نستعيد حقيقة الاستقلال النسبي للثقافة في المجتمعات ، فالواقع أن مثل هذا الاستقلال يتواجد بشكل أكبر في المجتمعات النامية . فإن الطابع المتخلف وغير الكامل لتشكيل الهياكل الاقتصادية غالباًَ مايؤدي في الواقع إلى تقليص دور العلاقات التحتية في تطوير الهياكل الفوقية ، ولهذا فإن الفجوة بين الاقتصاد والسياسة هي الفجوة التي تحكم الاستغلال النسبي للبناء الفوقي في المجتمعات النامية ، وهي أوسع بكثير مما هي عليه في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة ، ولهذا تظهر هنا أهمية خاصة للهياكل الفوقية بما فيها الثقافة بالنسبة للهياكل التحتية ، وتلك ظاهرة يستفيد منها كل من أعداء الثقافة وأنصارها على السواء.
- 4 -
في الماضي القريب لم يحل النفي ولا التشريد دون قيام المثقفين العراقيين برسالتهم . نُفي محمد مهدي البصير وشرّد ، لكنه ظل حريصاً في رسالة التحديث التي حملها إلى قومه . دعا إلى الحرية والمساواة ونشر التعليم إلى الجميع ، بل وطالب بتعليم السياسة للجميع.
وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تصدى الآلوسيان (أبو الثناء شهاب الدين محمود الآلوسي 1802-1853 ومحمود شكري الآلوسي 1856-1924) بجرأة نادرة لتشريح علاقات المجتمع الجامدة والبالية ، داعين للتحديث في الاعتماد على المدنية الغربية التي لها الكثير من المحاسن كما أن لها الكثير من المساوئ . فقد دعوا إلى عدم غمط حقها ، ولابخس قدرها ، ودعوا معشر الشرقيين إلى أخذ ماينفعهم ويلتئم بهم ، وأن يتركوا مايضرهم وينافى طبعهم . وأن يعملوا على الاستفادة من جليل صناعاتها وعظيم آلاتها ، وأن يتخذوا منها قوة تصد عنهم أذى الطامعين وشره المستعمرين.
وفي بداية القرن العشرين ، تصدى كل من الزهاوي والرصافي لتحرير الفكر من قيد التقليد والرجوع في فهم الدين وكسب معارفه إلى ينابيعها الأولى ليكون صديقاً للعلم باعثاً على البحث في أسرار الكون ، والى احترام الحقائق الثابتة مطالبين بالتحويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل . وإذ دعوا كذلك إلى إعمال العقل في شؤون الدين ، فإنهم قد أكدوا على حقيقة أنه ليس في روح المدنية الحديثة أو في ثمرات العلم الحديث ما يناقض الإسلام الصحيح.
وفي ذلك كله ، كانوا دعاة لنشر التعليم بين العامة والاشتغال بالدراسة العلمية الحديثة.
وصحب الزهاوي والرصافي ذلك الزمن رعيل كامل من المفكرين أصحاب الفضل علينا جميعاً . ولعبت المراكز الدينية في بغداد والنجف والموصل والبصرة وسامراء ... دوراً عظيم الأثر في بعث وخلق وتطوير ثقافة عراقية مزدهرة ترفع رايات العلم والمعرفة والعقل والدين لله والوطن للجميع والاستقلال الوطني والحريات الديمقراطية . فلم تقم ثورات العراق إلاّ في إطار ثقافي مستنير ، قامت في إطار من الفكر الوطني والديمقراطي والاجتماعي ، الفكر العقلاني الرشيد الذي تشكل من روافد أصيلة .. انطلاقاً من قيم التراث الإسلامي ولاسيما في دعوته الممتدة لتحرير الإنسان.
فأولى بمثقفي العراق الحقيقيين ، حملة تراثه الثقافي الحضاري العتيد أن يستشرفوا المستقبل الممتد بلاحدود وألاّ يحبسوا أنفسهم في الحاضر الكئيب ، أولى بهم أن يتجاوزا عقبات الحاضر المتمثلة في سيادة الأمية. وازدراء الثقافة ليفرضوا هم حرية الخلق الجديد . غير أنهم لن يستطيعوا ذلك إلاّ بتوحيد حركتهم مع حركة شعبهم ، ليكون بإمكانهم أن يبدعوا ثقافة جديدة تتمسك بوظيفتها الطبيعية في التبشير بمجتمع أفضل.