كلمة الأستاذ كريم مروة في تكريم الدكتور كاظم حبيب
تحية من أعماق القلب إلى إقليم كردستان العراق، بكل مكوناته شعباً وقيادة ومثقفين، وتحية إلى وزارة الثقافة في حكومة الإقليم، وإلى الوزير الرفيق والصديق الدكتور كاوا محمود، على المبادرة التي أطلقاها تكريماً لمثقف عراقي يساري عريق،
وبعد، ليس سهلاً عليَّ، ولا أظن أنه مطلوب مني أن أتحدث أمامكم في هذا الإحتفال الجميل عن كاظم حبيب الإقتصادي، صاحب المؤلفات بالعشرات وصاحب المساهمات المتعددة في هذا الميدان العلمي والفكري الكبير. على أن سيرة كاظم حبيب لا تختصر في إسهاماته في هذا الميدان البالغ الأهمية. فهو مثقف متعدد وجوه الإبداع في الفكر، وفي الثقافة عموماً، في ميادينهما المختلفة. بل هو، أكثر من ذلك، مناضل وقائد سياسي، مقاوم من دون هوادة لكل أشكال القهر والظلم، ولكل أشكال الإستبداد التي عانى منها الشعب العراقي، بكل مكوناته القومية والإجتماعية والثقافية، مناضل على امتداد عقود، بشجاعة الواثق من القضية التي التزم بها دفاعاً عن شعبه وبلده وعن حقوق الإنسان في وطنه وفي العالم العربي. لقد كان كاظم حبيب في هذا الميدان بالذات المتعدد الوجوه، مع رفاقه الكثر من أهل الثقافة والسياسة، شيوعيين وديمقراطيين ووطنيين من كل الإتجاهات والتيارات الفكرية والسياسية، كان يمارس النضال بشتى الوسائل، في الموقف وفي الكلمة وفي العمل من أجل عراق حر وشعب عراقي سعيد. وكان مع رفاقه وأخوانه العراقيين يستهين بكل الصعوبات التي واجهتهم وواجهت شعبهم. وما أكثر تلك الصعوبات. وما أكثر الجرائم التي تخللتها. وما أكثر الآلام والمآسي التي تولدت عنها وطاولت الشعب العراقي بكل مكوناته القومية وبكل فئاته الإجتماعية. كان على كاظم حبيب، وكان على رفاقه الشيوعيين، منذ البدايات، في زمن الشهيد فهد وفي زمن الشهيد سلام عادل وفي أزمنه أخرى، كان عليهم وعلى أخوانهم من القوى الديمقراطية والوطنية العراقية الحرة، أن يواجهوا بصلابة سلطات الإستبداد والقهر والظلم التي بلغت ذروتها في عهد الطاغية صدام حسين، وتمثلت بالجرائم التي أودت بحياة مئات الألوف من العراقيين في كل مناطقهم، شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباًً. وكان لأبناء هذه المنطقة بالذات، كردستان العراق، نصيب كبير من تلك الجرائم. وهي الجرائم التي ماتزال آثارها جاثمة على صدر الشعب العراقي، في النفوس وفي العقول وفي المشاعر، تستعصي على النسيان. لقد كان الطاغية صدام حسين، بفعل استبداده، وبفعل الجرائم التي ارتكبها بحق الشعب العراقي، السبب المباشر للتدخل الأجنبي في العراق، والسبب الأصلي في كل ما تولد وما يزال يتولد عن هذا التدخل الأجنبي البغيض والمدان من آلام ومن مآس. وهو ما يتمثل في هذا الإرهاب الوحشي الآتي إلى العراق من كهوف التاريخ ومن كل الجهات والإتجاهات، حاملاً معه مطامع من هنا ومطامع من هناك، ورغبة جامحة من قبل جهات متعددة في منع العراق من أن يخرج من آلامه إلى رحاب الحرية والديمقراطية والتعددية والتقدم، المفتقدة جميعها، بنسب متفاوتة، في عالمنا العربي والمشرقي الواسع الأرجاء.
لقد تعرفت إلى كاظم حبيب في مطالع ستينات القرن الماضي. خمسون عاماً، على وجه التقريب، هي إذن أعوام صداقتنا ونضالنا المشترك من أجل التغيير الديمقراطي في بلداننا، تحت راية الإشتراكية. وإذا كنا قد تغيرنا اليوم، كاظم وأنا، في الكثير من أفكارنا، وإذا كنا قد أعدنا النظر في الكثير من وسائل نضالنا من أجل التغيير، تحت تأثير المتغيرات الكبرى التي يشهدها العالم المعاصر، فإننا ما زلنا كلانا نعتز بانتمائنا إلى قيم الإشتراكية ومثلها، باسم مشروع ماركس العظيم لتغيير العالم. وسنظل نعتز، في الوقت عينه، بالنضالات التي خيضت وبالإنجازات التي تحققت وبالأسماء والرموز الكبيرة في بلداننا وفي العالم التي ساهمت من مواقعها المختلفة في إعطاء المعنى الحقيقي للإشتراكية في الإبداع الأدبي والفني والعلمي وفي القيم. وعليَّ أن أعترف، بصدق كواجب عليّ وكحق للكثيرين من أبناء بلدي، وأظن أن صديقي ورفيقي كاظم يشاركني هذا الإعتراف، بأننا نتحمل، كل منا من موقعه، في صيغة الأفكار التي حملناها ودافعنا عنها باسم الإشتراكية، وفي ممارساتنا السياسية والعملية، المسؤولية عن الخلل الذي أصاب التجربة الإشتراكية في السلطة ذاتها وفي الأحزاب كذلك، وقادها إلى الإنهيار بعد ثلاثة أرباع القرن منذ بداياتها. وهي مسؤولية تاريخية علينا أن نقر بها وأن نتحمل تبعاتها. لكنني أرى من حقي أن أذكِّر، وأعتقد أن كاظم يوافقني على ذلك، بأن كلينا قد حاولنا، منذ وقت مبكر، أي قبل انهيار التجربة الإشتراكية وقبل دخول اليسار في بلداننا في أزمته الراهنة المستعصية على الحل، حاولنا أن نقدم بعض إسهاماتنا، كل منا في ميدانه وعلى طريقته وبحسب قدرته، في تجديد فكرنا الإشتراكي، من خلال المراجعة النقدية للتجربة الإشتراكية السابقة في مراحلها المختلفة، في بلدان التجربة وفي بلداننا على وجه الخصوص. حاولنا، من دون أن نحقق تغييراً ملموساً في مسار اليسار في بلداننا. لكن ما يعزي العقل والروح والوجدان هو أننا حاولنا، وأننا ما نزال نحاول. وسنظل نتابع بدأب هذه المحاولات مع سوانا من النخب الفكرية والسياسية من أهل اليسار في بلداننا وفي العالم لكي نعيد إلى اليسار نكهته ودوره وموقعه في الحركة التاريخية من أجل التغيير الديمقراطي. وهي مهمة لن نتخلى عن دورنا وعن موقعنا وعن مسؤولياتنا فيها.
أيها الأصدقاء والرفاق،
إن وجودي بينكم اليوم في هذا الإحتفال الجميل والمميز بالمفكر كاظم حبيب الذي يتم برعاية مشكورة من وزارة الثقافة في مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، وجودي بينكم اليوم يحمل ثلاثة معان ذات دلالة رمزية تشكل مصدر اعتزاز بالنسبة إليَّ. المعنى الأول هو أنني أشارككم الإحتفال بمثقف ديمقراطي يساري عراقي عريق، الإحتفال على أرض عراقية جميلة بطبيعتها وغنية بتراثها، متحررة من الإستبداد البغيض الغابر ومن آثار مظالمه وجرائمه. وهي المرة الرابعة التي أزور فيها مدينة أربيل، وأتجول في إقليم كردستان في جهاته الأربع، مستمتعاً ومندهشاً بجمال الطبيعة ومشاركاً الشعب الكردي اعتزازه بتاريخه النضالي منذ ألوف السنين من أجل حقوقه القومية المشروعة، وتمسكه الحازم بتراثه الثقافي العريق بغناه. وكانت الزيارات الثلاث الأولى برعاية وتنظيم الصديق والرفيق فخري كريم، بصفاته المتعددة، وبالأخص منها بصفته مديراً عاماً لمؤسسة المدى الثقافية. إذ كان لي شرف المشاركة في الأسابيع الثقافية التي نظمتها هذه المؤسسة، بإدارة رفيقي أبو نبيل، والتي شكلت ظاهرة ثقافية متميزة بمواضيعها وبعدد المثقفين العراقيين والعرب الذين شاركوا فيها. المعنى الثاني هو أنني أدخل للمرة الرابعة إلى العراق الحبيب من بوابته الشمالية العامرة، كردستان العراق، وعيني على بغداد، بغداد التي أتحرق شوقاً إلى زيارتها لكي أستعيد فيها ذكريات شبابي الأول. وهي ذكريات ترتبط بالتكوين الأول لشخصيتي في الثقافة وفي السياسة وفي الوعي، وفي الإنتماء المبكر إلى الإشتراكية. وأملي كبير في أن يتمكن الشعب العراقي الذي يخوض معركة قاسية، في ظل الإحتلال الأجنبي، وفي ظل إرهاب وحوش الغاب الآتين إليه من كل الجهات والإتجاهات ومن كل المطامع، أملي كبير في أن يتمكن بنضاله الصعب النادر المثال المتسم بالشجاعة وبالطابع الديمقراطي برغم كل الإلتباسات فيه، من استكمال بناء عراق ديمقراطي تعددي حديث. أما المعنى الثالث فيتمثل في أنني، إذ أشارك في هذا الإحتفال الجميل بكاظم حبيب، أسمح لنفسي بأن أكرر من على هذا المنبر الدعوة التي تضمنها كتابي الأخير، الذي يحمل عنوان "نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي"، الدعوة باسم الكتاب وباسم عنوانه، إلى نهضة جديدة لليسار في العالم العربي. وهي دعوة موجهة إلى كل أهل اليسار، القديم منه والجديد، وإلى اليسار الذي سيولد من رحم الأحداث والتحولات التي يشهدها عالمنا العربي والعالم، ومن رحم الأزمة العميقة التي يجتازها اليسار العربي والعالمي، ويعجز عن الخروج والتحرر منها، لكي يذهب، أي هذا اليسار، بحزم وعزم في اتجاه مستقبل جديد مختلف لبلداننا. وهذا اليسار الذي أدعوه إلى القيام بنهضة جديدة هو يسار معاصر بكل المعاني، يسار متحرر من أخطاء تجربتنا الإشتراكية التي انهارت بسبب الخلل الذي ساد فيها، يسار جديد ومتعدد بمكوناته، ومتطور في فكره وفي أساليب عمله، يحمل معه من التاريخ السابق كل الأمجاد في الإبداع الفكري والأدبي والفني، وكل الأمجاد في النضالات الكبرى التي جرت فيه، وكل الإنجازات التي حفل بها القرن الماضي، الذي تركت الإشتراكية وقيمها بصماتها فيه.
هنيئاً لك يا صديقي كاظم حبيب بيوبيلك الماسي. وأهلاً بك شريكاً لابن الثمانين في المهمة التاريخية لتجديد اليسار وللنهوض به لكي يمارس دوره في إحداث التغيير الديمقراطي في بلداننا.
كريم مروة